عاد اسم قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني، ليتصدر المشهد السياسي العراقي مجدداً. فالجنرال الإيراني الذي وصل بغداد، الأحد، يسعى إلى فرض شروط الحرس الثوري الإيراني على حكومة رئيس الوزراء العراقي المُكلف علي الزيدي، وفقا لعدة مصادر تحدثت لـ”الحرة”.
ركزت الشروط بشكل أساسي على مستقبل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة في ظلّ الضغوط الأميركية المتصاعدة لتفكيك سلاح الفصائل المرتبطة بإيران وضرورة عدم إشراكها في الحكومة المقبلة.
ووفقاً للمعلومات التي حصلت عليها “الحرة” من مصدريْن في الإطار التنسيقي، التحالف الشيعي الحاكم والمعني بتقديم مرشّح رئاسة الحكومة، فإن قاآني اشترط على قادة فصائل وشخصيات سياسية ضرورة “عدم تقديم أيّ تنازلات” تتعلق بسلاح الفصائل أو إعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي أو السماح لحكومة الزيدي، في حال رأت النور، بشن أيّ حملة ضد هذه الفصائل.
وأضاف المصدران إن قاآني اعتبر أن هذه الملفات “تمثّل خطوطاً حمراء لمحور المقاومة”، وأشارا إلى أن رسائل مباشرة نُقلت إلى بعض الفصائل المسلحة المشاركة في العملية السياسية، تتضمن رفض أيّ توجه قد يستجيب للمطالب الأميركية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة أو تقليص نفوذ الفصائل داخل المؤسسات الأمنية.
وشدد قاآني، بحسب المصادر، على ضرورة أن تحافظ الحكومة المقبلة على “توازن العلاقة” مع واشنطن، دون الانخراط في أي مسار سياسي يُفسّرُ على أنه انحياز كامل للولايات المتحدة.
وقال أحد المصدرين إن “دعم ترامب في أكثر من مرة للزيدي، أغضب إيران”.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب هنأ الزيدي على تكليفه بتشكيل الحكومة وأكد أنه تحدث معه وعبّر عن دعمه القوي له وأنه فاز بهذا التكليف نتيجة دعم الولايات المتحدة.
والأسبوع الماضي، قالت وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة” إن واشنطن لا تنتظر تعهدات سياسية من الزيدي وباقي القادة العراقيين بشأن الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بل تبحث عن “أفعال لا أقوال”.
وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية إن هناك خطوات “ملموسة” ينبغي للسلطات العراقية القيام بها، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة “الثقة وتؤكد وجود نهج جديد”.
وتتمثل هذه الخطوات وفقا للمسؤول بـ”طرد الميليشيات الإرهابية من أيّ مؤسسة تابعة للدولة، وقطع الدعم عنها من الموازنة العراقية، ومنع دفع الرواتب لعناصرها”.
وتمارس واشنطن منذ أشهر عدة ضغوطاً كبيرة على الحكومة العراقية وقادة الإطار التنسيقي من أجل التعامل بحزم مع سلاح الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران.
وأكد مستشار في الإطار التنسيقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، أن الرسائل الإيرانية التي حملها قاآني “زادت من تعقيد المفاوضات” المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، خاصة أن بعض القوى السياسية يرى ضرورة تقديم إشارات تهدئة للمجتمع الدولي والولايات المتحدة لتجنب أيّ تصعيد اقتصادي أو أمني قد ينعكس على العراق.
ولفت المستشار لـ”الحرة” إلى “وجود انقسام واضح بين أطراف تريد حكومة أكثر انفتاحاً على الغرب، وأخرى تصرّ على بقاء الحكومة ضمن المعادلة التقليدية المرتبطة بطهران والفصائل المسلحة”.
وحصلت “الحرة” أيضاً على معلومات من المصادر نفسها تتعلق بما قاله قاآني لعصائب أهل الحق، الحركة المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة وأطلقت مؤخرا إشارات عن أهمية حصر السلاح بيد الدولة.
وبحسب المصادر فإن الجنرال الإيراني أبلغ الحركة، التي تمتلك 29 مقعداً في البرلمان الحالي وتُعتبر من أبرز أذرع إيران في العراق، بـ”ضرورة عدم الانصياع للقرار الأميركي”.
من المفترض أن تمتلك الحركة منصبين في الحكومة المقبلة: نائب رئيس مجلس الوزراء وإحدى الوزارات، لكن هذا وفقاً للرؤية الأميركية يجب أن يُقابله التخلّص من سلاحها.
قال قاآني للعصائب وفقاً لمصدريْن قاطعت “الحرة” معلوماتهما: “تخلّوا عن المنصبين الآن. الوقت لا يسمح لتسليم السلاح”. وهذا ما أزعج الحركة التي “باتت في حيرة من أمرها”، كما ذكر أحد المصدرين.
وكان الأمين العام للحركة قيس الخزعلي، يسعى إلى أن يكون شقيقه ليث الخزعلي نائباً لرئيس مجلس الوزراء. الشقيقان مُصنفان وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية كـ”إرهابيين عالميين”.
الزيارة غير المعلنة لقاآني إلى بغداد، جاءت في وقت تبدو عملية تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى.
في الاجتماعات المغلقة واللقاءات التي عقدها مع قادة القوى الشيعية والفصائل المسلحة، برزت ملامح أزمة سياسية جديدة تهدد بتأخير ولادة حكومة المُكلف، وسط انقسامات عميقة داخل “الإطار التنسيقي” نفسه حول توزيع الحقائب الوزارية.
مصدر في الإطار التنسيقي تحدث لـ”الحرة” عن “توتر غير مسبوق” بين الكتل السياسية بشأن توزيع الوزارات.
وقال المصدر، وهو مدير مكتب أحد قادة الإطار، إن “جلسة مجلس النواب غداً الثلاثاء الخاصة بالتصويت على الكابينة الوزارية قد تُؤجل لأيام وربما أكثر، بسبب فشل القوى السياسية في التوصل إلى اتفاق نهائي على الوزارات السيادية”.
هذه المعلومات أكدها مصدر في ائتلاف رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني الذي قال لـ”الحرة” إن “الخلافات الحالية لا تتعلق بالأسماء فقط، بل بحجم النفوذ الذي ستحصل عليه كلّ جهة داخل الحكومة المقبلة”.
المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد أن ائتلاف السوداني (الإعمار والتنمية) رفض مقترح ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي تسلّم صهره النائب ياسر صخيل المالكي حقيبة وزارة الداخلية.
تحوّلت وزارات المالية والنفط والداخلية، وهي من حصة القِوى الشيعية، إلى “عقدة سياسية” مع تمسك كتل رئيسة بالحصول عليها باعتبارها تمثل مراكز قوة مالية وأمنية وإدارية.
هناك أيضا خلاف كبير وفقاً لمعلومات حصلت عليها “الحرة” بين السوداني وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم بشأن وزارة النفط.
قيادي في الإطار التنسيقي قال إن الاجتماعات الأخيرة “كانت مشحونة بشكل واضح”، موضحاً لـ”الحرة” أن “بعض القوى لوّحت بالانسحاب من التفاهمات السياسية إذا لم تحصل على استحقاقاتها الوزارية كاملة”.
أشار هذا القيادي إلى أن الانقسامات الحالية “أعمق مما يجري تداوله في الإعلام”، خاصة مع دخول ملف الفصائل المسلحة على خط المفاوضات الحكومية.
ووسط كلّ هذا، برز مقترح داخل بعض الكتل السياسية يقضي بتمرير حكومة “جزئية” أو “منقوصة”، وفقاً لمعلومات أولية لم يتسنّ لـ”الحرة” التحقق منها بشكل كامل. تتمثّل هذه الآلية بالتصويت على عدد من الوزراء وتأجيل حسم الوزارات الخلافية إلى مرحلة لاحقة، إلا أن هذا الطرح واجه اعتراضات شديدة من قوى سياسية اعتبرت أن تمرير حكومة غير مكتملة “سيخلق أزمة ثقة مبكرة” ويضرب مبدأ التوازن السياسي بين القوى المشاركة.
المصدر:
الحرة