لم يعد الأمر يتعلّق بمجرد خسارة سلطة أو نفوذ، اليوم يواجه بشار الأسد وشقيقه ماهر ما يمكن وصفه بـ"الإعدام المدني"، فقرار تجريدهما من حقوقهما المدنية هو بمثابة نزع لآخر ورقة قانونية كانت تستر حصانتهما، ليتحولا في نظر القانون من "أصحاب سيادة" إلى مواطنين "بلا أهلية"، لا يملكون حق التوقيع على ورقة أو التصرف في ليرة واحدة.
هذه الخطوة تضع "ثروة الأسد وعائلته" تحت المقصلة مباشرة، فمن خلال هذا الإجراء، يتم شل حركة الأموال والعقارات ووضعها في "منطقة قانونية رمادية"، تمهيدا لمصادرتها أو استعادتها لصالح خزينة الدولة.
وفي هذه المادة، نجيب عن خمسة أسئلة جوهرية تشرح أبعاد هذا التحول القانوني ومستقبل الأموال المنهوبة وفرص المحاكمة.
وفقا لمقتضيات المادة 49 من قانون العقوبات السوري، فإن التجريد المدني ليس مجرد إجراء رمزي، بل هو "عقوبة تبعية" تترتب عليها آثار قانونية قاسية تعني عمليا إقصاء الشخص نهائيا من الحياة العامة. ويوجب هذا الحكم ما يلي:
وفي تعليق على أبعاد هذا الإجراء، يرى المحامي السوري زهير مارديني في حديثه لـ"الجزيرة نت" أن القرار يمثل عملية سلب للأهلية القانونية والسياسية لبشار الأسد وشقيقه، ويوضح مارديني أن هذا الإجراء يحوّل الفرد إلى شخص لا يملك حقوق المواطنة الفاعلة، ويضعه في مرتبة قانونية أدنى تفقده "الشرف المدني"، بحيث لا يُعتد برأيهما أو ولايتهما في العقود الاجتماعية والمدنية.
تتجاوز آثار التجريد من الحقوق المدنية الداخل السوري لتشكّل "حجر زاوية" في مسار الملاحقة الدولية. ويرى المحلل السياسي مصطفى النعيمي أن هذا المسار يُمهّد لخطوات حاسمة، إذ إن عملية التجريد من الحقوق المدنية تتبعها تلقائيا خسارة حقوق الحماية الدبلوماسية؛ فبسقوط الأهلية والصفة الرسمية، يرتفع الغطاء القانوني الذي كان يحمي الأسد كـ"رجل دولة"، مما يُسهّل على السلطات الجديدة المطالبة باستعادته كفرد ملاحق قضائيا.
يرجّح النعيمي -في حديثه للجزيرة نت- أن يتم استثمار العلاقات السورية الروسية بشكل إيجابي في هذا الملف، فروسيا، كدولة براغماتية تبحث عن مصالحها، قد تجد أن مصالحها اليوم انتقلت إلى "الدولة السورية الجديدة"، ولم تعد هناك قيمة سياسية لرئيس النظام السابق، مما قد يدفع موسكو لتفهّم ضرورة تسليمه.
يفتح هذا التطور الباب أمام جلب الأسد للمحاكمة داخل سوريا ووفق المعايير القانونية الوطنية، بناء على تفاهمات دولية محتملة تضمن سير عملية المحاكمة، خاصة مع انتفاء الرغبة الدولية في استمرار توفير الملاذات الآمنة لرموز فقدوا شرعيتهم القانونية والسياسية، وفق حديثه.
يمثل قرار التجريد من الحقوق المدنية "الرصاصة القانونية" التي تنهي أي صلة رسمية لرموز النظام السابق بالدولة السورية، وهو ما ترجمته وزارة العدل السورية إلى خطوات عملية وميدانية تشير إلى قطيعة تامة مع الحقبة الماضية.
ولم يعد "القطع مع الماضي" مجرد شعار، إذ بدأت سوريا فعليا محاكمة شخصيات بارزة من الحقبة السابقة بعد توقيفهم، وعلى رأسهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.
وفي خطوة رمزية ولوجيستية مهمة، أعلن وزير العدل مظهر الويس عن جاهزية "قاعة محكمة الجنايات الرابعة" في عدلية دمشق، لتكون المسرح الذي سيشهد انطلاق محاكمات رموز النظام البائد ضمن مسار العدالة الانتقالية، وهو ما يؤكد أن التجريد من الحقوق كان التمهيد الضروري لجلوس هذه الرموز خلف قضبان المحاكم الوطنية.
ولم تكتفِ النيابة العامة بالتحرك ضد الأسد وشقيقه، بل وسعت الدائرة لتشمل أسماء بارزة مثل أحمد بدر الدين حسون ومحمد الشعار وإبراهيم الحويجة، ووسيم الأسد. وتواجه هذه الشخصيات تهما جنائية جسيمة تشمل القتل العمد والتعذيب المفضي إلى الموت، والاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والتحريض والاشتراك في عمليات القتل الممنهج.
يهدف هذا المسار القضائي، بحسب وزارة العدل السورية، إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة بحق الشعب السوري وتعزيز مبدأ سيادة القانون، مما يعني أن "التجريد المدني" هو الجزء القانوني من عملية أشمل تهدف إلى تفكيك بنية النظام السابق بالكامل وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة.
لا تتوقف أهمية المحاكمات عند حدود الإدانة، بل تصطدم بجملة من التحديات القانونية والحقوقية التي ستحدد شرعية هذه العملية أمام المجتمع الدولي.
وبحسب مقال رأي نُشر على الجزيرة نت لمؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، فإن مسألة عقوبة الإعدام تضيف طبقة أخرى من التحديات، فسوريا ما زالت تبقي على عقوبة الإعدام، وقد أعربت عائلات الضحايا علنا عن أملها في أن ينال نجيب العقوبة القصوى. ويبرز هنا اعتراضان متمايزان:
الأول يستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان: فسوريا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تقصر المادة 6 (2) منه عقوبة الإعدام على «أشد الجرائم خطورة»، وتفسر لجنة حقوق الإنسان هذه الفئة بأنها تقتصر على القتل العمد.
أما القانون المحلي السوري فيطبّق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع، مما يضعه خارج نطاق الامتثال للعهد الدولي. وإن صدور حكم بالإعدام وتنفيذه في هذه المحاكمة من شأنه أن يعرّض الحكومة الحالية لانتقادات دولية في وقت تسعى فيه إلى نيل الشرعية، وإعادة التواصل مع المؤسسات الدولية.
إلا أن الإجابة عن هذه التساؤلات هي التي ستحدد ما إذا كانت المحكمة محكومة بالمبادئ القانونية أم بالمصلحة السياسية، وما إذا كانت ستصبح حجر أساس لبنية المساءلة الشاملة في سوريا، فاليوم يُحاكم "نجيب الأصغر"، بينما تنتظر يد العدالة "نجيب الأكبر".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة