آخر الأخبار

كنز بن غوريون الضائع.. لماذا تنهار تحالفات إسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في ليلة 24 ديسمبر/كانون الأول عام 1969، كانت مدينة شيربورغ الفرنسية تغرق في أجواء عيد الميلاد، فيما كان ميناؤها يعيش سكونا استثنائيا مع انصراف العمال وغياب الحركة المعتادة. في تلك الساعات، صعد طاقم من عملاء إسرائيليين إلى عدد من الزوارق الصاروخية الراسية داخل أحد أحواض بناء السفن، وأداروا المحركات بهدوء، مستفيدين من أجواء العطلة.

في غضون دقائق، غادرت الزوارق المرفأ تباعا دون إثارة الانتباه، واتجهت نحو عرض المحيط الأطلسي، قبل أن تنعطف في مسار طويل عبر البحر المتوسط استغرق نحو أسبوع، لتنتهي رحلتها في ميناء حيفا، حيث أدمجت مباشرة في الخدمة العسكرية، دون أن تعلم السلطات الفرنسية أن حيفا كانت وِجهتها الحقيقية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إجابة سؤال ترمب.. لماذا انتظرت أمريكا 47 عاما قبل أن تضرب إيران؟
* list 2 of 2 كيف كشفت قرية سورية مهجورة خطة إسرائيل الحقيقية في لبنان؟ end of list

تعود القصة إلى أوائل الستينيات، حين تعاقدت إسرائيل مع شركة فرنسية لبناء زوارق صاروخية متطورة لصالح سلاح البحرية، ودفعت قيمتها بالكامل ضمن تعاون عسكري وثيق جمع الطرفين في تلك المرحلة. غير أن هذا المسار تعرض لانقطاع مفاجئ بعد حرب يونيو/حزيران عام 1967، حين قامت باريس بإيقاف عملية تسليم الزوارق رغم جاهزيتها.

"بعد حرب يونيو/حزيران عام 1967، قامت باريس بإيقاف عملية تسليم الزوارق لإسرائيل رغم جاهزيتها"

أمام هذا المأزق، بدأ التخطيط في إسرائيل لعملية استثنائية تهدف إلى "استعادة" تلك الزوارق. تولَّى المهمة الأميرال مردخاي ليمون، الذي كان يشغل منصب الممثل العسكري لإسرائيل في فرنسا. واعتمدت الخطة على إنشاء واجهة مدنية وهمية، تمثلت في شركة نفط نرويجية، جرى من خلالها استئجار الزوارق رسميا بحجة استخدامها لأغراض مدنية في التنقيب البحري.

أثارت العملية صدمة في الأوساط الفرنسية، خصوصا أنها جرت ضمن إطار قانوني ملتبس، استند إلى عقود قائمة وثغرات إجرائية، ما جعل الرد الفرنسي يقتصر على احتجاج دبلوماسي دون تصعيد فعلي. ومع ذلك، حملت الحادثة دلالات أعمق من مجرد نجاح عملية التفاف أو خداع، إذ كشفت عن تحول جذري في العلاقة بين البلدين، ونهاية مرحلة من التحالف العسكري الوثيق.

إعلان

كشفت تلك الليلة عن معادلة ستتكرر بصيغ متعددة عبر العقود التالية. إسرائيل تنسج تحالفا وثيقا مع قوة غربية، تستثمر فيه عسكريا وسياسيا، ثم تواجه لحظة يعيد فيها هذا الحليف ترتيب أولوياته، فتجد نفسها أمام ضرورة التحرك سريعا لإعادة التوازن، إما عبر البحث عن شريك بديل أو عبر توظيف ما تمتلكه من أدوات لضمان مصالحها.

شكلت العلاقة مع فرنسا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أحد أعمدة بناء القوة العسكرية الإسرائيلية، حين كانت باريس تزود تل أبيب بطائرات ميراج وتشارك في تطوير برنامجها النووي في ديمونا. غير أن هذا المسار تبدل جذريا مع قرار الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول فرض حظر على تصدير السلاح إلى إسرائيل، في أعقاب حرب يونيو/حزيران عام 1967، وهو القرار الذي أنهى مرحلة من التعاون الاستراتيجي وفتح الباب أمام مرحلة جديدة.

في أعقاب هذا التحول، اتجهت إسرائيل إلى إعادة بناء استراتيجيتها بالارتكاز على الولايات المتحدة، التي تحولت تدريجيا إلى الحليف المركزي سياسيا وعسكريا، ما منح إسرائيل مظلة استراتيجية طويلة الأمد داخل النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.

"من الهند إلى شرق المتوسط، ومن أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، تتشكل شبكة علاقات إسرائيلية متنوِّعة تحكمها اعتبارات الأمن والتكنولوجيا والطاقة"

ويُظهِر هذا الانتقال من باريس إلى واشنطن نمطا يتكرر في تاريخ التحالفات الإسرائيلية، حيث تتبدل مراكز الثقل تبعا لتحولات السياسة الدولية. وتتجدد ملامح هذا النمط مؤخرا في ظل التحولات التي أفرزتها حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وما رافقها من ضغوط سياسية وشعبية داخل الدول الغربية، إلى جانب تحركات قانونية دولية تقودها المحكمة الجنائية الدولية، ما يضع العلاقات التقليدية لإسرائيل أمام اختبار جديد.

ضمن هذه البيئة المُتقلِّبة، تتجه إسرائيل إلى تنويع شبكة تحالفاتها والانفتاح على قوى صاعدة خارج الإطار الغربي التقليدي. من الهند إلى شرق المتوسط، ومن أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، تتشكل شبكة علاقات متنوِّعة تحكمها اعتبارات الأمن والتكنولوجيا والطاقة. وهنا تبدو إسرائيل وكأنها تبحث عن "شيربورغ" جديدة، غير أن مسرح العملية هذه المرة يمتد عبر عواصم متعددة، تعكس انتقال مركز الثقل في النظام الدولي نحو فضاءات أكثر تنوعا وتعقيدا.

بن غوريون وعقيدة الأطراف

ارتبط المشروع الصهيوني منذ لحظاته الأولى بعملية اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وإعادة تشكيل المجال الديموغرافي والسياسي في فلسطين بالقوة. ومع إعلان قيام إسرائيل عام 1948، تبلورت المواجهة العربية معها بوصفها امتدادا مباشرا لهذه العملية الاستيطانية، وباعتبار الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأمة العربية.

في هذا الإطار، تشكل وعي النخبة الإسرائيلية المبكر بذاتها ضمن تصور يرى في البيئة العربية المحيطة بها فضاء معاديا، وهو تصور انعكس بوضوح في بناء العقيدة الأمنية والسياسات الخارجية. كان هذا الوعي يتجاهل في جوهره السبب الأصلي لهذا العداء، وهو الاحتلال والتهجير وأن العزلة الإقليمية التي واجهتها إسرائيل لم تكن سوى نتيجة مباشرة لطبيعة نشأتها ودورها "الوظيفي" داخل المنطقة.

"مع تصاعد القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، بدأت إسرائيل البحث عن أدوات لكسر الطوق العربي عبر الالتفاف عليه"

في أواخر خمسينيات القرن العشرين، ومع تصاعد موجة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، بدأت قيادة دولة الاحتلال البحث عن أدوات لكسر الطوق العربي عبر الالتفاف عليه. في هذا الإطار، بلور رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون عام 1958، مع عدد من مستشاريه، تصوُّرا متكاملا لما أصبح يعرف لاحقا بـ"عقيدة الأطراف" التي ارتكزت على فكرة تجاوز الطوق العربي المحيط عبر البحث عن حلفاء خارجه في فضاءات جغرافية أوسع، حيث يمكن إيجاد قوى تتقاطع مصالحها مع إسرائيل في ملفات محددة.

إعلان

ولذا، جرى تطوير علاقات مع الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، الذي كان قد استعاد زمام السلطة في البلاد بعد الانقلاب الناعم على حكومة محمد مصدق، ومع تركيا بقيادة عدنان مندريس، التي كانت قد انضمَّت لحلف الناتو قبل بضعة أعوام وتبنَّت سياسة التحالف مع الغرب، ومع إثيوبيا بقيادة الإمبراطور هيلا سيلاسي.

عن ذلك، يقول المؤرخ الإسرائيلي يوسي ألفر في ندوة عُقِدَت بمعهد بروكينغز عام 2015، إن الإحساس بالعزلة والحصار طيلة الخمسينيات دفع إسرائيل للبحث عن طرق للتعامل مع هذا الحزام من العداء عبر التواصل مع دول الأطراف، حيث اعتبرت تركيا وإيران في الشمال، وإثيوبيا في الجنوب، شركاء طبيعيين لتحسين الردع وإيصال رسالة للعرب بأن إسرائيل ليست وحيدة.

مصدر الصورة بن غوريون بلور عام 1958 مع عدد من مستشاريه تصوُّرا عرف بـ"عقيدة الأطراف" ارتكز على فكرة تجاوز الطوق العربي المحيط عبر البحث عن حلفاء خارجه (غيتي)

لم تكن العوامل التي جمعت هذه الأطراف قائمة على تقارب "بنيوي" طويل الأمد، إنما على تقاطعات ظرفية. إذ رأت إيران الشاه في صعود القومية العربية تهديدا لنفوذها، وكانت تدرك أن مشروع عبد الناصر يتجاوز حدود الدولة المصرية ليطرح نفسه بوصفه قيادة إقليمية أوسع. وفي المقابل، كانت تركيا تنظر إلى التمدد السوفياتي في المنطقة باعتباره عاملا ضاغطا على أمنها القومي، إلى جانب حساسياتها تجاه ما اعتبرته "تأثيرات عربية" على قضاياها الداخلية. أما إثيوبيا، فواجهت ضغوطا إقليمية نتيجة دعم مصر لتحركات مضادة لها في إريتريا وأوغادين الصومالية، ما دفعها إلى البحث عن شركاء في المجال الأمني.

"عملت إسرائيل على بناء علاقات مع دول حديثة الاستقلال عبر تقديم مساعدات في مجالات الزراعة والتقنية والأمن"

بيد أن تطبيق هذه العقيدة لم يقتصر على هذا المثلث الإقليمي، بل توسَّع في ستينيات القرن العشرين ليشمل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فقد عملت إسرائيل على بناء علاقات مع دول حديثة الاستقلال عبر تقديم مساعدات في مجالات الزراعة والتقنية والأمن. ويشير الباحث الإسرائيلي زاخ ليفي في دراسته "إستراتيجية إسرائيل في أفريقيا 1961–1967″، المنشورة في مجلة دراسات الشرق الأوسط الدولية عام 2004، إلى أن تل أبيب اعتمدت خلال ستينيات القرن الماضي على تقديم حزمة واسعة من المساعدات التنموية والعسكرية للدول الأفريقية، شملت القروض والبرامج الزراعية وإرسال الخبراء والمستشارين العسكريين، في إطار سعيها إلى تخفيف عزلتها الدولية وبناء شبكة من العلاقات تمنحها حضورا سياسيا ودبلوماسيا أوسع داخل الساحة الدولية.

استمرت عقيدة الأطراف في العمل ضمن هذا النمط من التحالفات، وحققت بعض المكاسب العملية، مثل فتح قنوات اتصال خارج المجال العربي وتخفيف بعض مظاهر العزلة. غير أن مسارها التاريخي يكشف أنها ارتبطت بظروف مؤقتة، إذ تأسست هذه العقيدة على افتراض إمكانية تعويض القطيعة مع المحيط العربي عبر بناء علاقات مع أنظمة تقع في أطرافه، دون تطوير امتدادات اجتماعية أو سياسية أعمق داخل تلك الدول.

"مع كل تحول داخلي كبير، كانت علاقات إسرائيل في الأطراف تفقد أساسها الهش الذي قامت عليه"

هذا النمط من الارتباط جعل العلاقات رهينة لتوازنات داخلية هشة، حيث بقيت محصورة في دوائر النخب الحاكمة والمؤسسات الأمنية، من دون أن تتحول إلى مصالح متبادلة راسخة على مستوى المجتمعات. ومع كل تحول داخلي كبير، كانت هذه العلاقات تفقد أساسها الذي قامت عليه.

وأظهرت الحالة الإيرانية بوضوح كيف يؤدي تغيير بنية النظام إلى انهيار كامل لشبكة تعاون كانت توصف بأنها إستراتيجية، فيما عكست الحالة التركية مسارا مختلفا اتسم بالتآكل التدريجي، حيث أعادت التحولات السياسية الداخلية تعريف أولويات الدولة واتجاهاتها الإقليمية، ما انعكس مباشرة على مستوى العلاقة مع إسرائيل.

إعلان

وفي أفريقيا كشف التحول الجماعي في مواقف عدد كبير من الدول أن الروابط القائمة على المساعدات والتفاهمات الظرفية تظل عرضة للتبدل السريع تحت ضغط التغيرات السياسية والأيديولوجية الأوسع، مثلما حدث مع اندلاع الثورة الشيوعية في إثيوبيا عام 1974، التي نجم عنها إنهاء العلاقات السياسية بين أديس أبابا وتل أبيب، وإن بقيت تفاهمات أمنية لمواجهة الدعم العربي للصوماليين في أوغادين.

مصدر الصورة الثورة الشيوعية في إثيوبيا عام 1974 نجم عنها إنهاء العلاقات السياسية بين أديس أبابا وتل أبيب، وإن بقيت تفاهمات أمنية (أسوشيتد برس)

أوروبا: حاضنة لم تعُد مضمونة

يقتضي فهم طبيعة العلاقة التي تشكلت بين إسرائيل وأوروبا الغربية العودة إلى السياق التاريخي الذي أفرزها، وهو سياق يرتبط في جوهره بالدور الأوروبي المباشر في نشوء المشروع الصهيوني في فلسطين. إذ قامت هذه العلاقة منذ بدايتها على امتداد لبنية استعمارية دعمت قيام كيان استيطاني إحلالي، عبر قرارات وسياسات غربية مهدت لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم. ولم يكن الدعم الأوروبي لإسرائيل لاحقا مسألة طارئة، إنما استمرارا لمسار تأسيسي ارتبط بالمشروع الاستعماري الأوروبي في المنطقة.

وتداخل عامل آخر أسهم في ترسيخ هذه العلاقة، تمثل في الإرث الأوروبي المرتبط بتجربة المحرقة النازية، وما خلفته في الوعي الجمعي داخل المجتمعات الأوروبية من "عقدة ذنب" تجاه اليهود في أوروبا، سرعان ما تُرجِمت إلى مواقف سياسية وثقافية داعمة لإسرائيل، ووفرت لها غطاء أخلاقيا في مراحل طويلة، مانحة العلاقة طابعا خاصا، يختلف عن أنماط التحالفات البراغماتية التي حكمت علاقات إسرائيل مع قوى إقليمية أخرى.

"خلقت المحرقة النازية عقدة ذنب تجاه اليهود في أوروبا، سرعان ما تُرجِمت إلى مواقف سياسية وثقافية داعمة لإسرائيل"

إلا أن العلاقة حملت في داخلها عناصر توتر مرتبطة بتباين المواقف تجاه قضايا جوهرية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إذ تبنى الاتحاد الأوروبي مواقف قانونية مخالفة لإسرائيل في قضايا مثل وضع القدس، وضم الجولان، والسياسات الاستيطانية في الضفة الغربية، واعتبر هذه الممارسات مخالفة للقانون الدولي، على عكس الولايات المتحدة التي بقيت سياساتها أكثر ثباتا في دعم الاحتلال الإسرائيلي. وقابلت إسرائيل هذه المواقف بردود تنتقد ما تراه تدخلا في شؤونها أو انحيازا سياسيا، في حين سعت في أحيان كثيرة إلى ربط الانتقادات الأوروبية بخطابات معاداة السامية، في محاولة للضغط السياسي والمعنوي على العواصم الأوروبية للنأى بنفسها عن انتقاد الاحتلال وسياساته.

مع التحولات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، أخذ هذا التصور يتعرض لضغط متزايد، وبدأت ملامح مراجعة أوروبية تدريجية تظهر في الخطاب والممارسة، لا سيَّما بالتزامن مع صعود "اليسار الجديد" منذ عام 2008. وأظهرت هذه التطورات أن العلاقة التي تأسست على تداخل الاعتبارات الأخلاقية والسياسية تحمل في داخلها قابلية لإعادة التشكل، تبعا لتغير السياقات الإقليمية والدولية، ولتبدل موازين الرأي العام داخل المجتمعات الأوروبية نفسها.

شكلت حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة تحديدا منعطفا حادا في مسار العلاقات بين إسرائيل وأوروبا، إذ دفعت هذه العلاقة إلى منطقة توتر لم تعد فيها الصياغات التقليدية قادرة على احتواء التناقضات المتراكمة. وجاء تحرك جنوب أفريقيا في ديسمبر/كانون الأول عام 2023 أمام محكمة العدل الدولية بوصفه لحظة ذات دلالة مركبة، حيث أعيد تأطير الصراع ضمن مسار قضائي دولي يستند إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. كانت لهذه الخطوة أبعاد قانونية وسياسية، حيث وضعت حلفاء إسرائيل، وفي مقدمتهم الدول الأوروبية، أمام اختبار يتعلق بمدى التزامهم بالمنظومة القانونية الدولية التي أسهموا في ترسيخها.

"دفعت حرب غزة العلاقات الأوروبية الإسرائيلية إلى منطقة توتر لم تعد فيها الصياغات التقليدية قادرة على احتواء التناقضات المتراكمة"

تعمق هذا التحول مع قرار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024 إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت. وبات هذان المسؤولان عرضة للاعتقال في الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي، وهو ما يشمل غالبية الدول الأوروبية، مما أوجد توترا بين التزامات هذه الدول القانونية وعلاقاتها السياسية. وضمن هذا المشهد، بدأت بعض الحكومات الأوروبية في إعادة تموضع تدريجي. فأعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مايو/أيار عام 2024 اعتراف بلاده بدولة فلسطين، بالتزامن مع مواقف مماثلة من أيرلندا والنرويج، في تعبير عن انتقال جزئي من موقع الانتقاد إلى موقع الفعل السياسي.

مصدر الصورة رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أعلنت تعليق تجديد مذكرة التفاهم الدفاعية مع إسرائيل (شترستوك)

تكتسب الحالة الإيطالية أهمية خاصة في هذا السياق، نظرا لموقع إيطاليا التقليدي ضمن الدول الأوروبية الأقرب إلى إسرائيل. إذ أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في أبريل/نيسان الماضي تعليق تجديد مذكرة التفاهم الدفاعية بين البلدين، في ظل تداخل عدة عوامل، من بينها حادثة استهداف موقع تابع لقوات الأمم المتحدة في لبنان وإصابة جنود إيطاليين، إضافة إلى ضغط داخلي متصاعد، وتعقيدات في العلاقة مع الولايات المتحدة.

إعلان

وفي سياق متصل، تجاوزت عريضة شعبية داخل الاتحاد الأوروبي تطالب بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل عتبة مليون توقيعٍ، وهو ما ألزم المفوضية الأوروبية بدراسة الطلب ضمن الآليات القانونية المعتمدة. ورغم هذه التحولات، ظل الاتحاد الأوروبي عاجزا عن اتخاذ موقف موحد، حيث فشل مقترح تعليق اتفاقية الشراكة على مستوى القارة في الحصول على الإجماع المطلوب، ما يعكس انقساما داخل الاتحاد، يرتبط بتباين الخلفيات التاريخية والمصالح السياسية للدول الأعضاء، حيث تواصل بعض الدول التمسك بمواقف تقليدية، في حين تدفع أخرى نحو مراجعة أوسع.

تُظهِر هذه التطورات أن أوروبا تعيش حالة مركبة تتداخل فيها الضغوط الشعبية مع القيود المؤسسية، ما يفضي إلى نمط من النقد المتزايد للعلاقة مع إسرائيل دون أن يُترجم كاملا إلى سياسات حاسمة. لكن المؤكد أن علاقة القارة العجوز مع إسرائيل تتجه نحو مزيد من التعقيد، وأنها -على أقل تقدير- لن تعود إلى عصرها الذهبي في المستقبل القريب.

البحث عن "جيوب".. ما بعد عقيدة الأطراف

يُخبرنا مسار التحولات في شبكة العلاقات الإسرائيلية بوجود مرحلة انتقالية تفصل بين تراجع تحالفات الأطراف التقليدية، وبين اتجاه إسرائيل نحو بناء شراكات مع "أطراف جديدة". في هذه المرحلة، اتجهت إسرائيل إلى إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية انطلاقا من المعطيات الجيوسياسية الجديدة.

تقدم الحالة اليونانية مثالا لافتا على هذا التحول. إذ عُرِفَت اليونان تاريخيا بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، كما اتسمت علاقاتها مع إسرائيل بقدر من الفتور طوال عقود. غير أن ما أعقب عام 2010 شهد تغيرا تدريجيا في هذا المسار، حيث أخذت العلاقات بين الطرفين تتوطَّد، وصولا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. ويبدو أن هذا التغيُّر ارتبط بعوامل عديدة، في مقدمتها التوترات المتزايدة مع تركيا، وسعي كل من اليونان وإسرائيل إلى تعزيز مواقعهما في شرق البحر المتوسط، في ظل تنافس إقليمي متصاعد على النفوذ والموارد.

"تشكلت شراكة ثلاثية جمعت إسرائيل واليونان وقبرص، قامت على تداخل مسارات الطاقة والأمن والدبلوماسية"

في هذا السياق، تشكلت شراكة ثلاثية جمعت إسرائيل واليونان وقبرص، قامت على تداخل 3 مسارات رئيسية: أولها يتعلق بالطاقة، حيث أدت اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط إلى إعادة رسم أهمية المنطقة ضمن ما يعرف بـ"دبلوماسية الطاقة". وتدير إسرائيل حقولا بحرية كبيرة، مثل حقلي ليفياثان وتمار، في حين تمتلك قبرص حقل أفروديت، وتشكل اليونان بوابتها الجغرافية نحو الأسواق الأوروبية.

أما المسار الثاني، فيتصل بالتعاون الأمني، حيث شهدت العلاقات بين الدول الثلاث توسعا في التدريبات العسكرية المشتركة، وتبادلا للخبرات في مجالات مراقبة البحار وأمن الحدود. وتدعي إسرائيل بأن هذا التعاون يأتي وفق "تفاهمات مشتركة" حيال التحديات الأمنية في المنطقة، وضمن محاولات لتعزيز القدرات الدفاعية للدول الثلاث.

ويبرز المسار الثالث في المجال الدبلوماسي، حيث لعبت اليونان وقبرص دورا داخل الاتحاد الأوروبي في التخفيف من حدة بعض المواقف الناقدة لإسرائيل، ضمن توازنات داخلية معقدة في السياسة الأوروبية. لكن هذا الدور شهد تراجُعا ملحوظا بعد أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، في ظل تغيرات أوسع في المزاج السياسي الأوروبي.

أما أذربيجان، فتقدم نموذجا مختلفا ضمن هذه الخريطة من التحالفات، يعكس كيف يمكن لعلاقات كهذه أن تتشكل خارج الأطر التقليدية المرتبطة بالهوية أو الانتماء، وتقوم بدلا من ذلك على تقاطعات استراتيجية وأمنية محددة. فمنذ استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، سعت باكو إلى تنويع شراكاتها الخارجية، وكانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بها في ديسمبر/كانون الأول عام 1991، قبل أن تقام العلاقات الدبلوماسية رسميا في أبريل/نيسان عام 1992.

"تقدم أذربيجان نموذجا مختلفا في خريطة التحالفات الإسرائيلية يتجاوز أطر الهوية والانتماء"

في تلك المرحلة، كانت أذربيجان تواجه تحديات مركبة، على رأسها تداعيات حرب ناغورني قره باغ الأولى، وضعف بنيتها العسكرية والاقتصادية، ما دفع قيادتها، بقيادة الرئيس الراحل حيدر علييف، والد الرئيس الحالي إلهام علييف، إلى البحث عن شركاء قادرين على تقديم الدعم العسكري والتقني. وفي المقابل، رأت إسرائيل في هذه الدولة الناشئة فرصة لبناء موطئ قدم في منطقة حساسة جيوسياسيا قريبة من إيران، بما يحمله ذلك من قيمة في مجالات الرصد والاستخبارات.

شهدت العلاقات بين الطرفين دفعة مبكرة مع زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى باكو عام 1997، حيث التقى الرئيس الراحل حيدر علييف وبحث معه سبل التعاون الأمني، لا سيَّما في ما يتعلق بإيران. وخلال تلك المرحلة، تبلورت ملامح شراكة تقوم على تبادل المصالح، إذ أصبحت إسرائيل أحد أبرز موردي السلاح إلى أذربيجان، بينما تحولت باكو إلى مصدر مهم للطاقة بالنسبة لإسرائيل، إلى جانب تطوير قنوات تعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا.

ومع مرور الوقت، تعمقت هذه العلاقة عبر التعاون العسكري والاستخباري، وتكثيف الزيارات الرسمية، وبناء أطر مؤسساتية لتعزيز التقارب. وقد برز هذا التعاون بوضوح خلال حرب ناغورني قره باغ عام 2020، حيث استخدمت أذربيجان أنظمة تسليح إسرائيلية متقدمة، من بينها المُسيَّرات، ما عكس مستوى التطور الذي بلغته هذه الشراكة.

"تعبر الشراكات مع اليونان وقبرص وأذربيجان عن صيغة معدلة من مقاربة الأطراف، تقوم على بناء علاقات مع دول أصغر تتقاطع مصالحها مع إسرائيل في ملفات محددة"

تعبر الشراكات مع اليونان وقبرص وأذربيجان عن صيغة معدلة من مقاربة الأطراف، تقوم على بناء علاقات مع دول أصغر تتقاطع مصالحها مع إسرائيل في ملفات محددة، خصوصا في مجالي الأمن والطاقة. ويبدو أن هذه الصيغة تحمل "طابعا وظيفيا" يركز على تحقيق أهداف بعينها، دون أن يمتد إلى بناء تحالفات شاملة ذات أبعاد سياسية أو اجتماعية أوسع، وهي تحالفات مُوجَّهة للمفارقة ضد بلدان الأطراف السابقة، إيران وتركيا، بعد أن تدهورت علاقاتها بتل أبيب.

مصدر الصورة بنيامين نتنياهو (يسار) يتحدث مع حيدر علييف خلال لقائهما في مطار باكو في 29 أغسطس/آب عام 1997 (الفرنسية)

الهند.. الباب المفتوح نحو آسيا

تتجه إسرائيل في الوقت نفسه إلى استكمال هذه الشبكة بعلاقات مع قوى أكبر حجما وأكثر تأثيرا، وهو ما يفسر توجهه نحو شركاء جدد في دوائر أبعد جغرافيا وأكثر وزنا على المستوى الدولي، وتبرز الهند بوصفها نموذجا دالا على هذا التوجه.

ففي 26 فبراير/شباط الماضي، وصل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى مطار بن غوريون في تل أبيب، في زيارة تجاوزت الإطار البروتوكولي المعتاد. فالرجل القادم إلى إسرائيل رئيس وزراء الدولة الأكثر سكانا في العالم، وقائد رابع أكبر اقتصاد عالمي، وزعيم دولة صاعدة تسعى إلى تثبيت موقعها بين القوى الكبرى.

على مدار اليومين التاليين، وقع الجانبان 16 اتفاقية تعاون شملت الدفاع والأمن السيبراني والتكنولوجيا الزراعية والتجارة والعمالة، إلى جانب إعلان رفع مستوى العلاقة الثنائية إلى مرتبة "الشراكة الاستراتيجية الخاصة". ولعل أهمية هذه الزيارة تكمن في أنها كشفت طبيعة التحول الذي طرأ على العلاقة بين البلديْن من اعتراف دبلوماسي حذر في مطلع التسعينيات، إلى تعاون عميق في بناء القدرات العسكرية والتكنولوجية والأمنية.

"كشفت زيارة مودي إلى إسرائيل طبيعة التحول الذي طرأ على العلاقة بين دلهي وتل أبيب منذ التسعينيات وحتى اليوم"

لفهم أهمية هذه اللحظة، ينبغي العودة إلى المسار التاريخي للعلاقة الهندية الإسرائيلية. فالهند، منذ استقلالها عام 1947، تبنت موقفا منحازا إلى القضية الفلسطينية، وكانت من أبرز الديمقراطيات الكبرى التي ربطت سياستها الخارجية بخطاب التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار. واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 مُمثلا للشعب الفلسطيني، كأول دولة غير عربية تعترف بها، ثم اعترفت بدولة فلسطين عام 1988.

وجاء هذا الموقف نتاجا لعوامل متعددة، أهمها إرث رئيس الوزراء الأول جواهر لال نهرو وحركة عدم الانحياز، والعلاقة الوطيدة مع مصر وحركة القومية العربية وقت رئاسة عبد الناصر، والتضامن مع حركات التحرر في آسيا وأفريقيا، والحسابات الداخلية المرتبطة بوجود أقلية مسلمة ضخمة بنسبة تتراوح بين 15-20% من السكان، بجانب موقع فلسطين في الخطاب السياسي للعالم الثالث خلال الحرب الباردة.

مصدر الصورة جواهر لال نهرو يتوسط جمال عبدالناصر (يسار) وجوزيف تيتو وهم من مؤسسي حركة عدم الانحياز (الفرنسية)

بيد أن انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 فتح الباب أمام مراجعة واسعة في السياسة الخارجية الهندية. فقد فقدت نيودلهي أحد أهم مرتكزاتها الدولية، ووجدت نفسها أمام عالم جديد تتحرك فيه المصالح بأدوات أكثر مرونة وبراغماتية. وفي يناير/كانون الثاني عام 1992، أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، إلا أنها ظلت في بداياتها محكومة بالحذر والتدرج.

ويقول الباحثان رودرانى غارغ وفيشال سينغ بهدوريا في دراستهما "ما بعد عدم الانحياز: الدور الهندي الحازم في عالم متعدد الأقطاب"، إن نيودلهي طوَّرت قدرة على إدارة علاقاتها بالتوازي مع معسكرات متباينة، سواء في الغرب أو الشرق، إلى جانب الحفاظ على حضورها داخل فضاء دول العالم الثالث. ويعكس هذا التوجه "رؤية تقوم على التعامل مع السياسة الخارجية كشبكة مرنة من الشراكات، تُبنَى وفق اعتبارات المصلحة، وتعاد صياغتها بحسب التحولات الدولية، بما يتيح للهند تحقيق توازن بين متطلبات التنمية وتعزيز الأمن، عبر الانفتاح على شركاء يتمتعون بقيمة استراتيجية مرتفعة".

ثم جاء صعود رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014 ليمنح العلاقة مع إسرائيل دفعة جديدة وأكثر وضوحا. فتبنَّت حكومته سياسة عرفت في الأدبيات الهندية باسم "فك الارتباط"، أي فصل العلاقة مع إسرائيل عن الموقف من القضية الفلسطينية، بعدما ظل الملفان مرتبطين في السياسة الهندية لعقود. ووفق هذا التصور، باتت نيودلهي تتعامل مع إسرائيل باعتبارها شريكا في التكنولوجيا والأمن والدفاع، دون أن تجعل هذا التعاون مشروطا بحسابات الصراع في فلسطين.

"تبنَّت حكومة مودي سياسة عرفت في الأدبيات الهندية باسم فك الارتباط، أي فصل العلاقة مع إسرائيل عن الموقف التاريخي للهند من القضية الفلسطينية"

تجلى هذا التحول بوضوح في يوليو/تموز عام 2017، حين زار رئيس الوزراء مودي إسرائيل، كأول رئيس وزراء يزور دولة الاحتلال على الإطلاق. وكانت الرمزية الأهم في الزيارة أنها جَرَت من دون المرور بمدينة رام الله، خلافا لما اعتاد عليه الزعماء الهنود في زياراتهم السابقة للمنطقة حفاظا على توازن دبلوماسي تقليدي. وتشرح الأرقام أيضا جانبا مهما من طبيعة هذا التحول، ففي السنة المالية 2023-2024، تصدرت إسرائيل قائمة الدول المصدرة للأسلحة إلى الهند، بصادرات بلغت 122 مليونا و970 ألف دولارِ.

مودي (يسار) زار إسرائيل عام 2017 كأول رئيس وزراء هندي يزورها على الإطلاق (رويترز)

وقد عَكَس البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية الهندية في فبراير/شباط الماضي هذا المستوى الجديد من التعاون، إذ وضع خارطة طريق تشمل برامج مشتركة لتطوير التكنولوجيا العسكرية، وإنشاء مركز للتميز في الأمن السيبراني داخل الهند، وإطلاق برنامج استراتيجي في هذا المجال يتضمن تدريبات مشتركة وبناء قدرات وتبادل خبرات. كما تضمن البيان إمكانية إرسال ما يصل إلى 50 ألف عامل هندي إضافي إلى إسرائيل خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو بند يكشف أن العلاقة تتوسع من مجالات الأمن والدفاع إلى سوق العمل والاقتصاد وإدارة النقص في اليد العاملة داخل إسرائيل.

"ينظر اليمين الهندوسي إلى إسرائيل كدولة نجحت في تحويل الهواجس الأمنية إلى مشروع تكنولوجي وعسكري واقتصادي متماسك"

ولعل من المهم الإشارة إلى أن هذه الشراكة لا تنفصل عن التحولات الأيديولوجية داخل الهند نفسها. إذ يقود مودي تيارا قوميا هندوسيا يولي أهمية كبيرة لفكرة الأمن الوطني ومركزية الدولة والردع والهوية الحضارية. ومن هذه الزاوية، تنظر قطاعات داخل اليمين الهندوسي إلى إسرائيل بوصفها نموذجا لدولة نجحت في تحويل الهواجس الأمنية إلى مشروع تكنولوجي وعسكري واقتصادي متماسك. وهذا البعد يمنح العلاقة عمقا يتجاوز صفقات السلاح والتعاون الأمني، لأنه يربط بين رؤيتين سياسيتين تتقاطعان في مفهوم الدولة القوية والهوية الصلبة والتعامل الأمني الحاد مع المحيط.

يبرز البعد الإيراني بوصفه أحد عناصر اختبار التوازن الذي تحاول الهند إدارته عبر سياسة "فك الارتباط"، لا سيما في تعاملها المتزامن مع كل من طهران وتل أبيب. وتحمل العلاقة مع إيران بالنسبة لنيودلهي أبعادا متشابكة، تبدأ من موقعها بوصفها ممرا جغرافيا عبر ميناء تشابهار الإيراني الذي يفتح الطريق للهند نحو أفغانستان وآسيا الوسطى بعيدا عن القيود التي تفرضها باكستان، وتمتد إلى دورها في موازنة النفوذ الإقليمي، خاصة في ما يتصل باحتواء الضغوط الباكستانية.

ورغم هذه الأهمية، أبقت الهند على إيران ضمن إطارها الجيوسياسي الوظيفي، مع توسيع تعاونها في الوقت ذاته مع إسرائيل في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستخبارات. وضمن هذه المقاربة، باتت طهران توظف كركيزة لوجستية وإستراتيجية، بينما تتقدم الشراكة مع تل أبيب في الملفات ذات الطابع الأمني والعسكري.

"تحصر دلهي اليوم علاقتها مع إيران ضمن نطاق الضرورة الاستراتيجية، مقابل توسيع التعاون مع إسرائيل في الملفات الأمنية الحساسة"

تجلى هذا التوجه في الموقف الهندي من الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، إذ اكتفت نيودلهي بالدعوة إلى التهدئة والحفاظ على الاستقرار، دون تبني موقف منحاز. وعلى مستوى الاتصالات السياسية، ركز مودي خلال تواصله مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة، في حين شددت طهران على وقف العدوان. ويعكس هذا التباين في الخطاب مخرجات هذا التوازن، حيث تحصر دلهي علاقتها مع إيران ضمن نطاق الضرورة الاستراتيجية، مقابل توسيع التعاون مع إسرائيل في الملفات الأمنية الحساسة.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (يمين) والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان على هامش قمة البريكس عام 2024 (شترستوك)

الأرجنتين.. ذاكرة الدم وصعود اليمين

تبرز الأرجنتين مثالا على الطريقة التي توظف بها إسرائيل "المسألة الإيرانية" للوصول إلى أي نقطة مهما بَدَت بعيدة جغرافيا، حيث تتحول الذاكرة الأمنية لبعض الدول إلى مدخل لإعادة بناء علاقاتها مع إسرائيل. وتبرز الأرجنتين بوصفها حالة خاصة في هذا الصدد، إذ يأتي التقارب معها مستندا ذاكرة دامية ارتبطت بتفجيرات التسعينيات، وباتهامات ظلت تلقي بظلالها على موقع إيران في الحسابات الأمنية الأرجنتينية.

في 18 يوليو/تموز عام 1994، دوى انفجار عنيف في مبنى جمعية التعاضد اليهودية الأرجنتينية في قلب العاصمة بوينس آيرس. انهارت الواجهة الأمامية بالكامل، وتحول الشارع المكتظ إلى مشهد من الركام والجثث، وقُتِل 85 شخصا، وأصيب أكثر من 300 آخرين. كان ذلك الهجوم الأكثر دموية في تاريخ الأرجنتين الحديث. وقبل ذلك بعامين، في مارس/آذار عام 1992، استهدف تفجير السفارة الإسرائيلية في المدينة نفسها، وأسفر عن 19 قتيلا. تراكب الحدثان في الذاكرة الجمعية، فشكَّلا معا نقطة تحول في علاقة الدولة الأرجنتينية بالملف الإيراني.

"تستند علاقة إسرائيل مع الأرجنتين إلى ذاكرة دامية ارتبطت بتفجيرات التسعينيات، وباتهامات ظلت تلقي بظلالها على موقع إيران في الحسابات الأمنية الأرجنتينية"

تجاوز أثر هذين التفجيرين حدود كونهما حادثتيْن أمنيتيْن، إذ تحولا إلى قضية مفتوحة في الوعي العام، تتداخل فيها الاعتبارات القضائية مع الحسابات السياسية. ومع مرور السنوات، وجَّه القضاء الأرجنتيني عام 2006 اتهامات إلى عناصر من حزب الله، مع الإشارة إلى دور إيراني في التخطيط والدعم، وأصدر مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين الإيرانيين.

وازدادت تعقيدات هذا الملف مع توقيع مذكرة تفاهم بين رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا فيرنانديز دي كيرشنر وإيران في يناير/كانون الثاني عام 2013، والتي نصت على إنشاء لجنة مشتركة للتحقيق في تفجير الجمعية. وأثار هذا الاتفاق جدلا واسعا داخل الأرجنتين، إذ اعتبره قطاع من النخب السياسية والقضائية مدخلا لإعادة توجيه مسار التحقيق، مع اتهامات لكيرشنر بالتستُّر على المسؤولين الإيرانيين مقابل الحصول على النفط.

في هذا السياق، تقدم المدعي العام ألبرتو نيسمان بشكوى رسمية يتهم فيها الحكومة بالتواطؤ لحماية المتهمين. وبعد أيام قليلة، عثر عليه مقتولا في منزله قبيل مثوله أمام البرلمان. ومنذ ذلك الحين، تحولت قضية نيسمان إلى رمز سياسي وقضائي، يستدعى في كل نقاش يتعلق بعلاقة الدولة بالملف الإيراني وبحدود استقلال القضاء، رُغم أن المذكرة ألغيت بعد عاميْن على أي حال.

قضية تفجير مبنى جمعية التعاضد اليهودية الأرجنتينية في قلب العاصمة بوينس آيرس عام 1994 تداخلت فيها الاعتبارات القضائية مع الحسابات السياسية (رويترز/أرشيف)

تساعدنا هذه الخلفية في تفسير التحول الذي شهدته السياسة الأرجنتينية تجاه إسرائيل مع وصول اليميني الشعبوي خافيير ميلي إلى السلطة في ديسمبر/كانون الأول عام 2023. فقد جاء ميلي بخطاب سياسي واضح ومباشر، يضع قضايا الأمن والسيادة في القلب من رؤيته، ويعيد قراءة موقع الأرجنتين في النظام الدولي من منظور مختلف. وفي هذا الإطار، برزت إسرائيل في خطابه بوصفها شريكا يتقاطع مع هذه الرؤية، سواء على مستوى الأمن أو على مستوى التصورات "الأيديولوجية" المرتبطة بطبيعة الدولة ودورها.

منذ توليه الرئاسة زار ميلي إسرائيل عدة مرات، وحملت زياراته شحنات سياسية واضحة. ففي فبراير/شباط عام 2024، أعلن نيته نقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس، وهو موقف أعاد التأكيد عليه لاحقا في يونيو/حزيران عام 2025 أثناء خطاب أمام الكنيست. وفي أبريل/نيسان الماضي، وقع مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتفاقيات تعاون أطلق عليها اسم "اتفاقيات إسحاق"، في مسعى لتأطير العلاقة ضمن سردية تاريخية ودينية.

"يمكن فهم العلاقات الأرجنتينية الإسرائيلية بوصفها نتاج تداخل معقد بين الذاكرة والسياسة، حيث تتحول أحداث الماضي إلى عناصر فاعلة في تشكيل الخيارات الراهنة"

إلى جانب ذلك، تلعب البنية الاجتماعية دورا مهما في تشكيل هذا التوجه. فالأرجنتين تحتضن واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم يُقدَّر عددها بنحو 200 ألف شخص، وهي الأكبر في أمريكا اللاتينية. وتحمل هذه الجالية في ذاكرتها الجماعية آثار التفجيرات التي شهدتها البلاد، إضافة إلى إرث مرحلة الحكم العسكري بين عامي 1976 و1983، التي شهدت حالات اختفاء قسري طالت نسبة من اليهود تفوق نسبتهم في المجتمع.

يتجاوز التقارب بين ميلي ونتنياهو حدود العلاقات التقليدية، ليعكس تقاطعا في الرؤى السياسية حول دور الدولة وطبيعة التهديدات التي تواجهها. فكلاهما يقدم تصورا يقوم على مركزية الأمن، ويعبر عن تحفظات تجاه بعض الأطر الدولية التي يُنظَر إليها على أنها تُقيِّد سيادة الدول. ضمن هذا الإطار، يمكن فهم العلاقة الأرجنتينية الإسرائيلية بوصفها نتاج تداخل معقد بين الذاكرة والسياسة، حيث تتحول أحداث الماضي إلى عناصر فاعلة في تشكيل الخيارات الراهنة، وتستخدم الشراكات الدولية كوسيلة لإعادة تعريف موقع الدولة ودورها في عالم متقلِّب، مع تقاطع مُتكرِّر بين الأجندات اليمينية الشعبوية ودعم الصهيونية.

إسرائيل أيضًا تُفكِّر فيما بعد الغرب

حين صاغ ديفيد بن غوريون عقيدة الأطراف، انطلقت الفكرة من تصور يقوم على تجاوز الطوق الإقليمي عبر بناء علاقات مع قوى تقع خلفه. وقد أظهرت هذه المقاربة قدرة على تحقيق أهدافها في مرحلتها الأولى حتى نهاية السبعينيات. غير أن هذا البناء حمل في داخله حدودا واضحة، ظهرت مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، حين تبدلت طبيعة الأنظمة الحليفة أو انهارت، فانعكس ذلك مباشرة على استمرارية هذه العلاقات، كما في حالتي إيران وتركيا.

تكشف هذه المسارات عن نمط متكرر في إدارة التحالفات الإسرائيلية، يقوم على التعامل معها بوصفها أدوات مرتبطة بمرحلة معينة، تتبدل مع تغير الظروف، أكثر من كونها التزامات طويلة الأمد. ويبدو هذا النمط منسجما مع السياق الأوسع الذي تتحرك ضمنه إسرائيل ككيان استعماري، إذ إن التحالفات التي يقيمها مشروع نشأ على قاعدة اقتلاع سكاني وصراع مفتوح مع محيطه، غالبا ما تبقى محكومة بطابع وظيفي ومؤقت، ويصعب أن يتحول إلى شراكات مستقرة ومتجذرة.

"التحالفات التي يقيمها مشروع نشأ على قاعدة اقتلاع سكاني وصراع مفتوح مع محيطه، غالبا ما تبقى محكومة بطابع وظيفي"

ويمكن تتبع هذا المنطق من وقائع سابقة مثل عملية شيربورغ، وصولا إلى الخطاب السياسي المعاصر الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع اختلاف السياقات والأدوات. ومع ذلك، تبدو المرحلة الراهنة مختلفة من حيث نطاق التحدي الذي تواجهه إسرائيل، إذ يتعلق الأمر بإعادة ترتيب شبكة علاقات أوسع وأعقد، في ظل تراجع استقرار النظام الدولية.

ضمن هذا الإطار، يعبر ما يعرف بـ"التحالف السداسي"، الذي طرحه نتنياهو في فبراير/شباط الماضي، عن محاولة لبناء شبكة تحالفات متعددة الاتجاهات، تمتد من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، غير أن هذه الشبكة تحمل في داخلها تباينات واضحة في المصالح والخيارات السياسية، وتنطوي على طموح مُبالغ فيه من جانب تل أبيب.

فالهند، على سبيل المثال، تحتفظ بمواقف مستقلة في المؤسسات الدولية، وتواصل علاقاتها مع أطراف إقليمية مختلفة، بما في ذلك إيران وروسيا. والأرجنتين، رغم تقاربها السياسي مع إسرائيل، تعيش نقاشا داخليا حول طبيعة هذا التوجه وحدوده. أما الدول الإقليمية مثل اليونان وقبرص وأذربيجان، فتتعامل مع هذه العلاقات ضمن إطار المصالح المرتبطة بالطاقة والأمن، مع احتفاظها بهوامش حركة تسمح بإعادة التقييم عند تغيُّر المعطيات.

"يبقى السؤال المحوري هو: هل يمكن لأي منظومة تحالفات أن تحل محل الرصيد الذي منحه الغرب لإسرائيل طوال عقود؟"

في النهاية، يبرز سؤال مركزي يستدعي الوقوف عنده، هل يشير تراجع الدعم الغربي لإسرائيل إلى تحول بنيوي طويل الأمد، أم أنه لا يتجاوز لحظة توتر عابرة فرضتها الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية؟ وهل يمكن لأي منظومة تحالفات أن تحل محل الرصيد الذي منحه الغرب لإسرائيل طوال عقود؟

في ليلة شيربورغ، كان الأميرال ليمون يعرف وجهته بدقة، وكان يعرف أن ما يتركه خلفه لن يعود. أما اليوم، فإسرائيل تبحر نحو تحالفات جديدة وهي تعرف ما تتركه خلفها من رصيد غربي آخذ في التآكل، لكنها لم تثبت بَعْد أن ما تسير إليه قادر على سد ذلك الفراغ. وهذا الغموض هو ما يجعل المرحلة الراهنة مفتوحة على أكثر من سيناريو، ويجعل تحليلها ضرورة لكل من يريد أن يفهم كيف يُمكن أن تتشكل خرائط النفوذ في منطقتنا خلال العقد القادم.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا