آخر الأخبار

إجابة صادمة لسؤال قديم.. لماذا يدعم الغرب إسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"يجب أن نُشكل من هناك (أي من فلسطين) جزءا من حصون أوروبا في مواجهة آسيا، وأن نكون قاعدة أمامية للحضارة في صراعها ضد البربرية"

بواسطة ثيودور هرتزل - كتاب دولة اليهود (1896)

بهذه الصياغة التأسيسية الصارمة، لم يكن ثيودور هرتزل يطرح مجرد مناورة تفاوضية لاستمالة القوى الإمبراطورية الأوروبية لدعم دولته المنشودة، إنما كان يكتب "الشيفرة الجينية" لعلاقة الغرب بـ"فكرة" إسرائيل على مدى أكثر من قرن من الزمان.

اليوم، ومع كل مواجهة عسكرية كبرى في الشرق الأوسط، تستنفر العواصم الغربية كامل آلتها السياسية والعسكرية، وهو استنفار يفرض علينا مجددا طرح السؤال المركزي: لماذا يدعم الغرب إسرائيل بهذا الشكل المطلق وغير المشروط؟ الإجابة الجاهزة في الصحافة والأكاديميا عادة ما تختزل هذا الدعم في مصطلح "التحالف الإستراتيجي". لكن استخدام مفردة "الحليف" هو مجرد تبسيط مخل لطبيعة علاقة الغرب بإسرائيل، وخطأ يمنع من إدراك الطبيعة الحقيقية للوجود الإسرائيلي في المنطقة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حوار في لانغلي.. قصة الصراع الذي غير هوية الاستخبارات الأمريكية للأبد
* list 2 of 2 "تكتيكات الثمانينيات".. لماذا يهدد حزب الله إسرائيل بـ"العقد الدامي"؟ end of list

سياسيا، عندما نستخدم مصطلح "التحالف"، فإننا نفترض ضمنيا وجود كيانين منفصلين، يمتلك كل منهما سياقه التاريخي والجغرافي المستقل، وتتقاطع مصالحهما مرحليا. التحالفات السياسية بطبيعتها تعاقدية ونفعية، وتخضع دائما لحسابات الربح والخسارة؛ فإذا أخطأ الحليف، أو تحول إلى عبء إستراتيجي أو أخلاقي، فإن حليفه يمارس عليه بعض الضغوط، أو يقلص دعمه، أو حتى يتخلى عنه تماما كما يعلمنا التاريخ السياسي الحديث. لكن السلوك الغربي تجاه إسرائيل لا يمكن تفسيره وفق المنطق المادي للتحالفات، ولا تعامل إسرائيل في دوائر صنع القرار كشريك يخضع للتقييم المستمر.

لنفهم كيف يرى الغرب إسرائيل فعلا، لا يكفي الوقوف عند حدود المصالح المشتركة، بل يجب تفكيك موقعها الحقيقي في الوعي الغربي. فالغرب لا ينظر إليها بوصفها دولة وطنية مستقلة أو شريكا سياسيا، لكن يتعامل معها كامتداد إستراتيجي وعضوي لنظامه الخاص، وهو امتداد لا يخضع لحسابات الربح والخسارة، لكن لحسابات الهوية والبقاء.

مصدر الصورة

أسطورة ترويض الشرق

تتضح هذه النظرة بشكل صارخ في اللغة التي تبرر الوجود الإسرائيلي ذاته. لفترة طويلة، وبترحيب بالغ، تبنى الخطاب الغربي السردية الإسرائيلية الكلاسيكية عن "رواد" مغامرين جاءوا من الخارج لـ"جعل الصحراء تزهر". عندما يسمع المواطن في أمريكا أو كندا أو أستراليا أو نيوزيلندا هذه الجملة، يستدعي لاشعوريا قصة "الرجل الأبيض" الذي يحمل عبء التنوير لـ"يروض الطبيعة القاسية والسكان الأصليين المتوحشين".

إعلان

يشرح المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه هذه الدينامية بدقة في كتابه "التطهير العرقي لفلسطين"، حين يؤكد أن الصهيونية لم تكن أبدا مجرد أيديولوجيا قومية، إنما كانت على الدوام "مزيجا متشابكا بشكل وثيق مع الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر". هذا التشابك يجعل الغرب يرى في إسرائيل امتدادا لتاريخه التوسعي. هم لا يدعمون كيانا غريبا، بل يدعمون نسختهم الخاصة من "ترويض الشرق"، مما يمنح هذه القاعدة الاستعمارية ألفة وجدانية تجعلها جزءا من السردية الغربية ذاتها.

"تبنى الخطاب الغربي السردية الإسرائيلية الكلاسيكية عن رواد مغامرين جاءوا من الخارج لجلب الازدهار إلى الصحراء"

يشرح إدوارد سعيد ذلك في نقده التأسيسي "الاستشراق"، بالقول إن الغرب هندس صورته كمركز للعقلانية عبر اختراع "شرق" فوضوي ومنفعل. وفي قلب هذا الشرق، زُرعت إسرائيل لتؤدي وظيفة "المركز العقلاني" الحديث المحاط ببحر من الفوضى العربية. هذا التطابق الهوياتي هو ما ينقل إسرائيل من خانة "الحليف" الخاضع للتقييم والمحاسبة، إلى خانة "الذات" الذي يجب الدفاع عنها بأي ثمن، وهو الأساس الذي بنيت عليه ترسانة الحجج الثقافية والأكاديمية لتبرير الوجود الإسرائيلي وحصانته المطلقة.

مصدر الصورة

"فيلا" في الغابة

تتبلور هذه النظرة الاستعلائية في واحدة من أشهر الاستعارات السياسية التي صاغها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ويتداولها الساسة الغربيون باستمرار، حين وصف إسرائيل بأنها "فيلا في الغابة". بتفكيك هذه الاستعارة، نجدها تلخص الجغرافيا السياسية للاستعمار بالكامل: "الفيلا" تمثل مساحة مغلقة، حديثة، وعقلانية، وهي قطعة من الغرب مقتطعة ومسيجة. بينما "الغابة" تمثل المحيط العربي؛ مساحة فوضوية، همجية، تفتقر إلى القانون والنظام.

تتجاوز هذه الاستعارة كونها مجرد دعاية لتبرير وجود إسرائيل؛ إنها في جوهرها تعبير مكثف عن الطريقة التي يرى بها الغرب نفسه وموقعه في العالم. فالمركز الأوروبي والأمريكي يتخيل ذاته دائما كـ "فيلا" عقلانية محاصرة بغابة عالمية تضج بالدول والشعوب الأقل شأنا التي تقاوم هيمنته وترفض استنزافه لمواردها. وحين صدرت هذه الاستعارة من تل أبيب، تلقفها العقل الغربي وتماهى معها فورا لأنها تطابقت تماما مع قناعته التاريخية بأنه مركز الحداثة الأوحد.

"وصف باراك إسرائيل بأنها فيلا في الغابة، وهي استعارة تلقفها العقل الغربي وتماهى معها لأنها تطابقت تماما مع قناعته التاريخية بأنه مركز الحداثة الأوحد"

لا تصف هذه الاستعارة عن الفيلا والغابة واقعا جيوسياسيا قائما، بقدر ما تصنع واقعا استعماريا مصمما بعناية. هي تضع رابطا بين إسرائيل التي ترى نفسها مجتمعا متعاليا قيميا وأخلاقيا على محيطه، وبين الغرب الذي يمنحها شرعية الوجود بناء على ارتباطها به. بهذا الشكل يصبح الدفاع عن "الفيلا" دفاعا عن الحضارة في مواجهة البربرية.

لكن ما يجعل استعارة "الفيلا المهددة" شديدة الخطورة وواسعة الانتشار أنها لا تعمل من تلقاء نفسها في الوعي الغربي. خلف "الفيلا المهددة" يقف جهاز ممول ومنظم يعمل على مدار الساعة لإنتاجها وتسويقها. هنا تظهر "الهسبارا"، وهي واجهة إعلامية بميزانيات ضخمة تهدف إلى تثبيت صورة إسرائيل كقاعدة متحضرة ومحاصرة في عقل المواطن الغربي. يبدو الدعم الغربي لإسرائيل أحيانا وكأنه تعاطف طوعي وعفوي، لكن هذا يحدث فقط عندما نتجاهل الجهد المؤسسي الضخم في صناعة الانطباع وتوجيه بوصلة الوعي.

إعلان

رغم ذلك كله، لا يمكن لهذه "الفيلا" أن تستمر بالاعتماد على الروابط الثقافية أو التسويق الإعلامي وحده، إنما تتطلب بنية عسكرية قادرة على ممارسة العنف الدائم للحفاظ على أسوارها. هنا تتقاطع الثقافة مع الوظيفة العسكرية البحتة. في كتابه "المثلث المحتوم"، يضع نعوم تشومسكي يده على هذه الفكرة الجوهرية، حين يشير إلى أن النخبة الغربية تنظر إلى إسرائيل بوصفها "إسبرطة فعالة، تعيش في حالة حرب دائمة مع أعدائها، وتستمر في الوجود بناء على رغبة الولايات المتحدة".

"النخبة الغربية تنظر إلى إسرائيل بوصفها إسبرطة فعالة، تعيش في حالة حرب دائمة مع أعدائها، وتستمر في الوجود بناء على رغبة الولايات المتحدة"

هكذا يتخيل التصور الغربي إسرائيل كـ"إسبرطة" مسلحة تحمي نفسها وسط غابة عدائية، لكنه يسوقها في المقابل كـ "أثينا" ديمقراطية وسط فضاء من التخلف. وهكذا فالعلاقة لم تبن يوما على التضامن الديمقراطي الخالص، بقدر ما بنيت على هندسة أمنية تديرها قلة عسكرية.

مصدر الصورة إيهود باراك (يمين) وصف إسرائيل بأنها "فيلا في الغابة" (الأوروبية)

احتكار دور الضحية

لضمان تشغيل هذه الآلة العسكرية دون مساءلة قانونية أو أخلاقية، كان لزاما أن تحتكر إسرائيل دور "الضحية الأوحد" في الوعي الغربي. وهو احتكار جاء نتيجة جهد مؤسسي منسق استثمر في أثقل عقدة ذنب أوروبية في التاريخ. اتخذت آلة الدعاية الإسرائيلية من مأساة الهولوكوست نقطة انطلاق إستراتيجية لهندسة مظلمة تاريخية عابرة للزمن، خالقة تماهيا مطلقا بين "اليهودي" كضحية تاريخية للاضطهاد الأوروبي، وبين "إسرائيل" كدولة قومية مسلحة.

عبر هذا الدمج المتعمد، جردت المأساة من سياقها الأوروبي وتحولت إلى درع سياسي عابر للحدود وللزمن؛ فأي نقد يوجه اليوم لعنف دولة إسرائيل أو سياساتها التوسعية يقمع فورا بسيف "معاداة السامية". لم تكتف إسرائيل بحصد التعاطف الغربي، بل أممت مفهوم "الضحية" بالكامل. لقد صنعت سردية حصرية تشترط محو أي مظلمة أخرى، وفي مقدمتها المظلمة الفلسطينية. هذا المحو المنهجي هو الضمانة الوحيدة لإبقاء هذا الرأسمال الأخلاقي والرمزي حصينا وغير قابل للمساءلة.

"استغلت الدعاية الإسرائيلية الهولوكوست لخلق تماه مطلق بين اليهودي كضحية للاضطهاد الأوروبي وبين إسرائيل كدولة قومية مسلحة"

لترجمة هذا الرأسمال الرمزي سياسيا، يعتمد العقل الغربي على هندسة لغوية دقيقة تعيد تعريف الضحية والجلاد، تتجلى بوضوح في تكريس "سردية الهشاشة الدائمة". ففي الخطاب السياسي والإعلامي في العواصم الغربية، توجد إسرائيل دائما على حافة الكارثة. تتعمد الآلة الإعلامية والسياسية الغربية تصوير إسرائيل باستمرار على أنها كيان ضعيف، محاط بالأعداء، ويقف على بعد خطوة واحدة من الفناء.

تغيب عن هذه السردية حقيقة أن إسرائيل هي القوة النووية الوحيدة والفاعل العسكري الأقوى والأكثر تسليحا في المنطقة، وهو تغييب متعمد وضروري يتخطى الانحياز الإعلامي العابر. فإسرائيل قطعا ليست بهذه الهشاشة، لكن سردية الضعف هذه هي جزء تكويني من هويتها في الغرب؛ إنها الأداة السياسية التي تمنحها حالة استثناء دائمة، وتبرر استخدامها للعنف الساحق بوصفه عملا طبيعيا يندرج تحت لافتة "الدفاع عن النفس". فما دمت أنت الطرف الأضعف والأكثر هشاشة فإنه من المبرر لك أن تستخدم كل ما تملك من قوة للدفاع عن نفسك.

"تعد سردية الضعف جزءا من هوية إسرائيل في الغرب؛ إنها الأداة السياسية التي تمنحها حالة استثناء دائمة"

لفهم كيف تترجم هذه المظلمة التاريخية وهندسة الهشاشة عمليا، نستدعي مفهوم "استحقاق الأسى" الذي صاغته الفيلسوفة جوديث باتلر في كتابها "أطر الحرب"، حيث تشرح كيف تقرر السلطة أي حيوات تعتبر ذات قيمة وتستحق الحداد، وأي حيوات تعد غير مرئية أو قابلة للمحو دون أسف.

إعلان

بتطبيق هذا المفهوم على التغطية الغربية للشأن الإسرائيلي، نرى بوضوح كيف تدار دائرة التعاطف الإنساني بصرامة. لقد تم وضع إسرائيل حصرا داخل هذه الدائرة؛ حيث تُضخّم مخاوفها الوجودية وحتى ادعاءاتها المزيفة لتصبح هما عالميا، ويُعطى الأولوية لأمنها، وتُسرد خسائرها بحميمية بالغة. إن المواطن الغربي يعرف تفاصيل القتلى الإسرائيليين ببساطة لأن النظام المعرفي يقدمهم كامتداد مألوف للذات.

في المقابل، يُدفع العرب والفلسطينيون بالكامل إلى خارج إطار الاعتراف الإنساني. تُؤطّر شعوب كاملة كحشود بلا ملامح، أو كأرقام مجردة تتساقط في تقارير إخبارية باردة، أو الأسوأ: كـ "تهديدات ديموغرافية". يختزل المحرر الغربي إبادة أحياء سكنية بأكملها في مصطلحات عسكرية باردة مثل "أضرار جانبية"، أو يُشار للضحايا بوصفهم "دروعا بشرية" لتبرير سحقهم بضمير مرتاح. في هذا الخطاب، تصبح الآمال السياسية لهذه الشعوب، ومطالبهم بالتحرر، وحياتهم نفسها، غير مرئية ولا تزن شيئا.

إسرائيل في عقل المحرر الصحفي

تثبت لغة الأرقام والتحليل الكمي للخطاب الصحفي الغربي هذا الانحياز بوضوح. ففي دراسة استقصائية نشرها موقع ذا إنترسبت الأمريكي مطلع عام 2024، شملت كبريات الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز، واشنطن بوست، ولوس أنجلوس تايمز، أظهرت الأرقام أن مصطلح "مذبحة" استُخدم لوصف مقتل الإسرائيليين مقابل الفلسطينيين بنسبة 60 إلى 1. كما استخدمت كلمة "مجزرة/ذبح" للقتلى الإسرائيليين أكثر بـ 22 مرة من استخدامها للفلسطينيين، رغم الفارق المهول في أعداد القتلى الفعليين.

يمتد هذا الانحياز الهيكلي إلى أوروبا أيضا. ففي تقرير ضخم أصدره "مركز مراقبة وسائل الإعلام " في بريطانيا بعد تحليل أكثر من 176 ألف مقطع إخباري، تبين أن الإعلام يستخدم "لغة عاطفية" لوصف الإسرائيليين كضحايا أكثر بـ11 مرة من الفلسطينيين. وحين يسقط إسرائيلي، يأتي الفعل مبنيا للمعلوم بفاعل واضح "قتل على يد"، بينما تُمَرّر دماء آلاف الفلسطينيين عبر أفعال مبنية للمجهول أو صياغات مبهمة تفرغ الحدث من الجاني وتجعله يبدو ككارثة طبيعية مثل "فقدوا حياتهم" أو "ماتوا" أو "قُتلوا".

"بعد تحليل أكثر من 176 ألف مقطع إخباري أوروبي، تبين أن الإعلام يستخدم لغة عاطفية لوصف الإسرائيليين كضحايا أكثر بـ11 مرة من الفلسطينيين"

لا نستدعي هذه الأرقام هنا لمجرد إثبات الانحياز، لكن لكشف طبيعته. فالأمر لا يقف عند مجرد "سياسات تحريرية" أو توجيهات تملى من أعلى في غرف الأخبار، وإنما يتخطى ذلك، فالمسألة هي بنية معرفية متكاملة يستبطنها العقل الغربي. لا يحتاج المحرر الصحفي على الأغلب إلى توجيه مباشر ليقوم بهذا التمييز اللغوي؛ فما تلقاه من تعليم ومعرفة وثقافة تكفل سلفا بترسيخ هذه النظرة الاستعمارية والاستشراقية تجاه الفلسطيني، في مقابل تماهيه العفوي مع الإسرائيلي كامتداد مألوف له.

هذا المحو المنهجي للمظلمة العربية هو أساس لا غنى عنه في العقل الاستعماري. فلكي يستمر الغرب في رؤية إسرائيل كواحة للحداثة ومرآة لتقدمه الأخلاقي، يجب عليه أن يجرد من يقفون خارج أسوار "الفيلا" من أهليتهم السياسية وإنسانيتهم معا، ليصبح موتهم حدثا روتينيا صامتا لا يستدعي الحزن ولا يتطلب المساءلة.

الأكاديميا الغربية في خدمة "الفيلا"

هذه الصورة النمطية لإسرائيل، بوصفها واحة للحداثة وسط محيط من البربرية، لم تكن لتصمد كل هذا الوقت لو اعتمدت فقط على الترويج الإعلامي أو الروابط الثقافية. لكي يتحول هذا الانحياز إلى حقيقة مستقرة، كان يحتاج إلى غطاء يمنحه "شرعية علمية". وهنا يبرز دور المؤسسة الأكاديمية الغربية؛ الفضاء الذي يفترض أنه حصن الموضوعية والعقلانية. في الحقيقة، لم تكن الأكاديميا يوما مراقبا محايدا للصراع، إنما المصنع الذي صاغ صورة إسرائيل، ولعب دور "حارس السردية" الذي يحول الانحياز الاستعماري إلى معرفة موثوقة ومقبولة.

تتشكل هذه الصورة داخل الأوراق البحثية المحكمة قبل أن تصل إلى غرف الأخبار. ففي دراسة استقصائية نشرت في مجلة "المجتمع والإعلام العربي"، مسح الباحثون عشرات الأبحاث الأكاديمية في قواعد بيانات علمية كبرى مثل "سيج" (Sage) و"جيستور" (JSTOR). النتيجة جاءت قاطعة: الأكاديميا تمارس انحيازا هيكليا صارخا لصالح إسرائيل.

"لكي يتحول الانحياز لإسرائيل إلى حقيقة مستقرة، كان يحتاج إلى غطاء يمنحه شرعية علمية"

يقدم العنف الإسرائيلي في هذه الأبحاث كـ"دفاع مبرر عن النفس" وسلوك نابع من "عقلانية الدولة". في المقابل تهمش السردية الفلسطينية وتقصى تماما، أو تدرس كـ "ظواهر راديكالية" بلا شرعية سياسية. هذا يعني أن الباحث الغربي، حين يكتب، ينطلق من قناعة مسبقة راسخة في لاوعيه بأن إسرائيل هي امتداد لحداثته، بينما العرب مجرد موضوع للدراسة والترويض.

إعلان

يتجاوز هذا الدور المعرفي حدود الأوراق البحثية، ليتجلى فجا في لغة "البيانات الرسمية" التي تصدرها إدارات الجامعات. في دراسة حديثة للباحث إبراهيم السميري وآخرين، حُللت بيانات جامعات رائدة مثل "كولومبيا" و"أكسفورد" عقب تصاعد الاحتجاجات الطلابية في أعقاب حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة، لتكشف بوضوح كيف تطوع المؤسسة الأكاديمية لغتها البيروقراطية لحماية "الفيلا" الإسرائيلية.

أفرغت هذه البيانات المظلمة الفلسطينية من محتواها السياسي والأخلاقي، فأدانت خسائر 7 أكتوبر/تشرين الأول بلغة حادة وواضحة، لكنها ميعت الإبادة الممنهجة في غزة باستخدام مصطلحات محايدة مثل "الأزمة الإنسانية"، وكأن ما يجري مجرد كارثة طبيعية أو زلزال بلا فاعل عسكري معلوم.

والأهم من ذلك، هندست هذه الجامعات بياناتها لتجريد الاحتجاجات المناهضة للحرب من طبيعتها كحراك أخلاقي، وإعادة تأطيرها كـ"تهديد للنظام الأكاديمي" ومصدر لـ"خلق بيئة معادية". وهي صياغة تعيدنا مباشرة إلى أسطورة "الغابة والفيلا". فالجامعة، بوصفها ممثل المركز العقلاني الغربي، ترى في مناصرة الحق الفلسطيني فوضى بربرية تهدد استقرارها الداخلي. لذا، تتطوع إداريا و"لغويا" لحماية إسرائيل، ليس بوصفها دولة أجنبية، إنما كجزء صلب من منظومتها القيمية وهويتها التي يمنع التشكيك فيها.

مصدر الصورة يقدم العنف الإسرائيلي في الأبحاث الأكاديمية الغربية كـ"دفاع مبرر عن النفس" وسلوك نابع من "عقلانية الدولة" (الفرنسية)

إسرائيل في لغة الساسة الغربيين

حين ننتقل من أروقة الأكاديميا وغرف الأخبار إلى مراكز صنع القرار الغربية، يبرز القاموس السياسي الغربي كموطن لأكثر التعبيرات فجاجة عن هذه البنية الاستعمارية. لا يخفي الساسة الغربيون رؤيتهم تلك؛ بالعكس يكرسون علانية ثنائية صارمة: إسرائيل تجسد الحضارة والعقل والتنوير، ومحيطها العربي يمثل الفوضى والبربرية والظلام. عوضا عن الركون إلى لغة "الواقعية السياسية" وتوازنات القوة، يستدعي صناع القرار في الغرب لغة الهوية المتمثلة في "القيم المشتركة" و"الروابط الثقافية". وهو خطاب يتجاوز منطق العلاقات الثنائية بين طرفين، ليعبر بوضوح عن "ذات" تتحدث عن امتدادها.

يتجاوز الدفاع عن إسرائيل في العقل الغربي كونها مجرد ملف للسياسة الخارجية، ليمثل دفاعا صريحا عن الذات الغربية نفسها وموقعها في العالم. فحين يوجه صناع القرار الغربيون أنظارهم نحو إسرائيل، هم يحدقون فعليا في مرآة تعكس تاريخهم، وتسقط عنها تماما أية صفة لكيان أجنبي. ما يفقد مقولة "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" حيادها المزعوم كوصف سياسي، لتتحول إلى أداة خالصة لإعادة إنتاج خطاب استشراقي مترسخ.

"يرفع الخطاب الغربي إسرائيل فوق المساءلة السياسية والقانونية، عبر تمويلها وتسليحها كعقيدة أمن قومي لا تقبل المساومة"

يتضح ذلك في استشهاد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بعبارة توم لانتوس الذي يُعرف بوصفه عضو الكونغرس الوحيد الناجي من الهولوكوست، والتي تقول: "قشرة الحضارة رقيقة كالورق. نحن حراسها ولا يمكننا أن نرتاح أبدا"، وكذلك في إقراره الصريح: "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لاضطررنا إلى اختراعها". هذا "الاختراع الإستراتيجي" يسوق دائما بوصفه جزءا من الهوية الحميمة للغرب. كما في عام 2013، حين ربط باراك أوباما بقاء إسرائيل بمصير المشروع الغربي بأكمله، مستدلا بمقولة هاري ترومان عام 1948: "أؤمن أن أمام إسرائيل مستقبلا مجيدا، ليس بوصفها مجرد دولة ذات سيادة، بل باعتبارها تجسيدا للمثل العليا لحضارتنا".

بالتوازي يربط الخطاب الإسرائيلي الموجه للغرب الدفاع عن إسرائيل بأبعاد دينية حضارية يتقبلها الغرب بترحيب تام. تجلى ذلك مثلا في خطاب بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة (2017)، حين وظف النص التوراتي ليعلن إسرائيل "نورا للأمم، وحاملة للخلاص حتى أقاصي الأرض". يتطابق هذا الخطاب مع سردية "الرسالة الحضارية" للإمبراطوريات القديمة. فإسرائيل تتجاوز مربع الدفاع عن المصالح الضيقة، لتتقمص دور حامل الرسالة الكونية المنوط به تبديد "الظلام" المحيط بها.

ينتهي هذا المسار الاستعماري بالضرورة إلى "الالتزام الحديدي" بالمصالح الإسرائيلية. عمليا، يرفع هذا الوصف إسرائيل فوق المساءلة السياسية والقانونية، عبر تمويلها وتسليحها كعقيدة أمن قومي لا تقبل المساومة. باختلاف السياقات الزمنية والمسؤولين، يبقى المحرك الأساسي واحدا وموروثا منذ عهد هرتزل: إسرائيل هي النظام والعقل، والمحيط هو الفوضى والبربرية. تقوم هذه الحالة بعملية إعادة إنتاج يومية ودقيقة لآليات الهيمنة الثقافية التي أسسها الغرب استعماريا، متجاوزة أي تفسير مبسط يختزلها في مجرد انحياز سياسي أو عاطفي عارض.

مصدر الصورة بايدن أقر بأنه "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لاضطررنا إلى اختراعها" (الأناضول)

لأن الغرب لن يحاكم ذاته

إذا وصلنا إلى هذه النقطة، فإن إدراكنا لإسرائيل كـ"امتداد عضوي" للغرب يسقط لغزا آخر طالما أرهق كاهل التحليل السياسي: لماذا يصاب القانون الدولي بالشلل التام أمام جرائمها؟

في العادة، يفسر الخطاب العربي الدعم الغربي المطلق لإسرائيل في مؤسسات مثل مجلس الأمن بأنه "نفاق" غربي أو "ازدواجية معايير". لكن استخدام مثل هذه الأوصاف "مضلل"، لأن ازدواجية المعايير تفترض أن هناك قانونا واحدا صالحا للجميع، لكن الغرب يتجاوزه استثناء من أجل عيون حليفته إسرائيل. بينما ما يحدث في الحقيقة مختلف تماما: الغرب لا يكسر القانون الدولي من أجل إسرائيل، بل يعتبرها بالأساس فوقه.

" الغرب لا يكسر القانون الدولي من أجل إسرائيل، بل يعتبرها فوقه من الأساس"

نستطيع بقليل من التجريد قراءة النظام الدولي "القائم على القواعد" والذي هندسه الغرب، كأداة لضبط الأطراف وإدارة "الغابة". وضع هذا النظام منذ البداية لمحاسبة الدول المتمردة على المصالح الغربية، مثل فنزويلا إلى كوبا وإيران والقائمة تطول، وليس لمحاسبة أصحاب "الفيلا" وساكنيها. وبما أن إسرائيل هي قطعة من هذا الغرب، فإنها تتمتع تلقائيا بالحصانة الممنوحة له.

منذ عام 1970، استخدمت الولايات المتحدة وحدها حق النقض في مجلس الأمن أكثر من 50 مرة لعرقلة قرارات تنتقد إسرائيل أو تطالبها بوقف إطلاق النار. وهذا ليس استخداما طبيعيا لأداة دبلوماسية لمساعدة حليف مأزوم. إنها ممارسة سيادية يعلن بها الغرب بوضوح: نحن نحمي امتدادنا، و"قوانين ضبط الأطراف" لا تسري علينا.

الأمر أعمق من مجرد حماية دبلوماسية. حين تساق إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية، لا تنظر العواصم الغربية إلى الأمر بوصفه محاكمة لدولة ارتكبت جرائم حرب، إنما ترى تاريخها الاستعماري كله يقف في قفص الاتهام. إدانة ما تفعله إسرائيل اليوم من إحلال، واستيطان، وسحق للسكان الأصليين، تعني ببساطة تجريم الأدوات التأسيسية التي بنى بها الغرب إمبراطورياته وهيمنته على العالم.

"إدانة إسرائيل تعني ببساطة تجريم الأدوات التأسيسية التي بنى بها الغرب إمبراطورياته وهيمنته على العالم"

لذلك، فإن تعطل القانون الدولي عند حدود إسرائيل ليس خللا في النظام العالمي، ولا هو خيانة للقيم الغربية كما قد يتخيل البعض، إنه النظام نفسه وهو يعمل بكفاءة تامة، وباتساق مع ذاته. الغرب هنا لا يمتلك معيارين، بل يمتلك قانونا واحدا صمم منذ اللحظة الأولى لحماية قواعده الاستعمارية، وعلى رأسها إسرائيل، من أي مساءلة. محاكمة هذه القاعدة ستعني بالضرورة محاكمة المركز الذي أوجدها، وهو ما لن يسمح به الغرب أبدا.

لكن إذا كانت إسرائيل امتدادا للغرب، فأي وجه من وجوهه ورثت؟ فهو يمتلك تاريخا مزدوجا؛ يرفع لافتات الحداثة والتنوير من جهة، ويخفي تاريخا طويلا من الإبادة والعنف المنظم من جهة أخرى. في الواقع، استنسخت إسرائيل أسوأ ما في هذا الإرث.

لم ترث إسرائيل قيم الليبرالية بقدر ما ورثت آلة الإبادة الاستعمارية. وما تمارسه اليوم من محو منهجي لا يختلف بنيويا عما فعله المستوطنون الأوروبيون بالسكان الأصليين. حين تستخدم تل أبيب أسلحة محرمة دوليا لسحق مدن بأكملها، فهي تستدعي ذات "العقل الإمبريالي" الذي ألقى القنبلة النووية على اليابان؛ عقل يرى في الإبادة المروعة أداة مشروعة بل وعقلانية لفرض الهيمنة وتأديب المارقين.

منذ عام 1970 استخدمت الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن أكثر من 50 مرة لعرقلة قرارات تنتقد إسرائيل (غيتي)

ليست مجرد حليف

هكذا تتأسس العلاقة بين إسرائيل والغرب على مصفوفة مركبة تتداخل فيها المصالح المادية الخالصة مع الإحساس المشترك بالهوية. يوظف الغرب إسرائيل كقاعدة متقدمة لضبط الإقليم وتأمين هيمنته، وتستثمر إسرائيل بدورها خطابات الهوية والإرث الاستعماري الأوروبي لابتزاز العواصم الغربية، والأهم؛ ترسيخ صورتها كامتداد عضوي وجزء أصيل من المركز الغربي.

لذلك فإننا لا نهدف من تفكيك صورة إسرائيل في الوعي الغربي إلى استجداء التعاطف من العواصم الغربية لتصحيح مسارها السياسي والأخلاقي. الغاية الحقيقية هي الكف عن تصور إسرائيل كمجرد "حليف إستراتيجي" لأمريكا وأوروبا، كون ذلك يعيد إنتاج الوهم، ويفصل هذا الكيان الاستعماري عن جذوره ومحركه الأساسي. كما لا يمكن، ولا ينبغي، التعاطي مع إسرائيل كدولة طبيعية نختلف معها على حدود جغرافية أو تسويات سياسية، بمعزل عن المركز الغربي الذي هندسها ويمدها يوميا بأسباب الحياة والاستثناء.

"إذا أدركنا أن إسرائيل مجرد فيلا بناها الغرب لتأديب الغابة، سنسقط تلقائيا وهم البحث عن العدالة عبر أدوات صممها أصحاب الفيلا أنفسهم"

يضعنا هذا التحرر من وهم "التحالف" وجها لوجه أمام سؤال أشد وطأة: ليس كيف نقنع الغرب بتغيير موقفه، بل كيف نتعامل مع كيان صمم أصلا ليكون امتدادا للمركز الاستعماري؟ فإسرائيل ليست دولة احتلال كلاسيكية يمكن مفاوضتها على ترسيم حدود، بل هي "التحقق الأخير للاستعمار الإحلالي" في نسخته الأكثر فتكا.

وإذا أدركنا أن إسرائيل مجرد "فيلا" بناها الغرب لتأديب "الغابة"، سنسقط تلقائيا وهم البحث عن العدالة عبر أدوات صممها أصحاب الفيلا أنفسهم. فمسارات التسوية والمناشدات الدولية لم توجد يوما لإنصافنا، إنما صممت حصرا لإدارة الصراع وحراسة أسوار الفيلا".

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا