أجبرت الحرب في الشرق الأوسط دول الخليج على إعادة النظر في مسارات التجارة وتصدير النفط والغاز الطبيعي المسال، ضمن تحولات استراتيجية معقدة تصطدم بقيود بنيوية وتنافسات اقتصادية إقليمية، بحسب خبراء.
وقد دفعت التطورات الميدانية، خصوصا تعطّل الملاحة في مضيق هرمز بعد التصعيد العسكري، دول الخليج إلى تسريع التعاون اللوجستي والبحث عن ممرات بديلة للتصدير، في محاولة لتقليل الاعتماد على نقطة عبور شديدة الحساسية جيوسياسيا.
يرى محللون أن أزمة المضيق أعادت طرح سؤال تنويع طرق التصدير بحدة. وفي هذا السياق، يشير بدر جعفر إلى أن الاعتماد على ممر بحري ضيق يقع تحت تأثير دولة غير مستقرة استراتيجيا لم يعد خيارا آمنا، ما سيدفع دول المنطقة إلى توسيع خطوط الأنابيب، ورفع قدرات الموانئ، وربط شبكات الطاقة والمياه والممرات التجارية بشكل أكثر تكاملا.
ويظل مضيق هرمز أحد أهم الممرات العالمية للطاقة، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام ومشتقاته. وهو المنفذ البحري الوحيد للكويت وقطر والبحرين، ما يجعلها تعتمد عليه بشكل شبه كامل. أما السعودية والإمارات فتملكان بدائل جزئية عبر أنابيب إلى البحر الأحمر وخليج عُمان، لكنها تبقى محدودة القدرة مقارنة بالنقل البحري.
غير أن تطوير بدائل كاملة يواجه تحديات زمنية وتقنية. فإيجاد مسارات تصدير جديدة يتطلب وقتا طويلا واستثمارات ضخمة، بينما تظل مشاريع خطوط أنابيب الغاز العابر للمنطقة، رغم طرحها المتكرر، غير منفذة بسبب الكلفة العالية والتعقيدات السياسية وصعوبة المنافسة مع النقل البحري.
مع اضطراب الملاحة البحرية، برز النقل البري كخيار داعم، إذ توجهت سفن الحاويات إلى موانئ بديلة في سلطنة عمان أو الساحل الغربي للسعودية، على أن تُنقل البضائع لاحقا برا إلى دول المنطقة. كما تعمل السعودية على تطوير ممرات لوجستية تعتمد على الطرق والسكك الحديدية لربط الخليج بالبحر الأحمر والأردن، ضمن طموحها لتصبح مركزا إقليميا للنقل.
لكن هذا التحول لا يخلو من قيود، إذ تبقى الطاقة الاستيعابية لهذه المسارات محدودة، وتكلفة النقل البري أعلى بكثير من النقل البحري. كما أن المشاريع الكبرى، مثل شبكة السكك الحديدية الخليجية، لا تزال تواجه تأخيرات رغم الخطط السابقة لإنجازها بحلول 2030.
ويُطرح أيضا مشروع ممر اقتصادي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، يهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وقناة السويس عبر دمج النقل البحري والبري والسككي. إلا أن المشروع لا يزال في مرحلة أولية ويواجه تحديات سياسية وجغرافية، من بينها مسارات تمر عبر مناطق حساسة سياسيا.
تشير تقديرات إلى أن التوترات في مضيق هرمز قد تمنح زخما لمشاريع التكامل الإقليمي، لكنها ستصطدم بواقع اقتصادي وسياسي معقد. فالدول الخليجية، رغم إدراكها لأهمية التعاون، تظل مركزة على أولوياتها الوطنية، ما يحد من سرعة تنفيذ المشاريع المشتركة.
كما أن انخفاض عائدات النفط، وارتفاع الإنفاق العسكري، وكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، كلها عوامل تضغط على ميزانيات الدول، وقد تزيد من حدة التنافس الاقتصادي بينها، خصوصا بين السعودية والإمارات. ويرى خبراء أن الأزمات السابقة في المنطقة لم تنجح في خلق تعاون مؤسسي مستدام، ما يجعل فرص التكامل الكامل محدودة في المدى القريب.
ورغم أن أزمة المضيق تُعد صدمة جيوسياسية كبيرة، إلا أنها لا تكفي وحدها لتجاوز غياب الإرادة السياسية والتنسيق المؤسسي اللازمين لتنفيذ مشاريع بنية تحتية إقليمية كبرى.
على المستوى اللوجستي، تكشف بيانات تتبع الملاحة عن تأثير مباشر للأزمة. فقد بلغ عدد السفن التجارية في الخليج 913 سفينة في 29 نيسان/أبريل، مقارنة بـ1114 سفينة قبل بدء التصعيد، أي بانخفاض يقارب 18%. وتشمل هذه الأرقام ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات، مع بقاء أكثر من 270 ناقلة نفط وعدد من ناقلات الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال في المنطقة.
كما أظهرت البيانات أن جزءا من السفن لا يزال عالقا أو يعمل داخل المنطقة دون مغادرتها، فيما تشير إحصاءات شركات التحليل إلى انخفاض عدد ناقلات الحاويات من 155 إلى 118 سفينة خلال الفترة نفسها. وفي ظل المخاطر الأمنية، ارتفعت نسبة السفن التي تستخدم إشارات "جي بي إس" (GPS) معطلة أو مزيفة إلى 31% مقارنة بـ16% قبل اندلاع الحرب، ما يعكس مستوى القلق في قطاع الشحن البحري.
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW