آخر الأخبار

جوهرة تدين إمبراطورية.. ممداني يعيد إحياء الجدل حول درة التاج البريطاني

شارك

استبق عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، لقاءه بملك بريطانيا تشارلز الثالث بمطالبته علنا بإعادة ماسة كوهينور -وهي درة التاج البريطاني التي توصف بأكبر جواهر العالم- إلى الهند، مجددا بذلك الجدل حول الموروث الاستعماري والمسروقات النفيسة التي سرقت من الدول التي احتلتها بريطانيا.

تصريحات ممداني ذي الأصول الهندية للصحفيين بهذا الشأن جاءت قبل ساعات من لقائه الملك تشارلز في حفل تأبين ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وقال فيها "لو تحدثت إلى الملك بمعزل، لربما شجّعته على إعادة ماسة كوهينور".

لكن لم يثبت بعد إن كان ممداني قد طرح بالفعل هذه المطالبة خلال لقائهما اللاحق الذي بدا وديا، ومن غير الواضح ما إذا كان قد تطرق إلى موضوع الألماسة، خصوصا أن مكتب ممداني وكذلك قصر باكنغهام لم يصدر عنهما أي تفاصيل حول هذا اللقاء أو ما جرى فيه، ما يشي بأن ممداني ربما اكتفى بإثارة الأمر إعلاميا.

درة التاج

تزن هذه الماسة الفريدة 105 قراريط، وتعد جزءا رئيسيا من جواهر التاج البريطاني، وبقدر ندرتها وبريقها بقدر تاريخها بالغ التعقيد والتشابك والمسار الطويل من انتقالها بين سلاطين وملوك وإمبراطوريات متعاقبة "مغول، أفغان، سيخ"، قبل أن تستقر في يد بريطانيا .

لطالما كانت ماسة كوهينور، التي تعني "جبل النور" بالفارسية، مادة للغزو والمؤامرات على مر القرون، إذ انتقلت ملكيتها عبر أيدي أمراء المغول، والمحاربين الإيرانيين، والحكام الأفغان، ومهراجات البنجاب.

في منتصف القرن التاسع عشر، ومع توسع النفوذ البريطاني في شبه القارة الهندية انتهى المطاف بالماسة إلى الوقوع في يد شركة الهند الشرقية ثم التاج البريطاني، بعد اتفاقات وعمليات ضم ينظر إليها اليوم في كثير من الأوساط الآسيوية على أنها استيلاء ونهب قسري تحت مظلة الاحتلال حتى وإن غُلِّفت بصيغ قانونية أو بروتوكولية.

مصدر الصورة ماسة كوهينور تعلو تاج ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية الموضوع على نعشها أثناء مرور موكبها الجنائزي في لندن (غيتي)

"جبل النور"

بالنسبة للهند وباكستان وأفغانستان، لا تُختزل القضية في قيمة الماسة المادية، بل ينظر إليها على أنها رمز للثروة المنهوبة خلال قرون من الهيمنة والاستغلال الاستعماري. كما أن حضور الماسة في التاج البريطاني وفي المناسبات الملكية يُقرأ في جنوب آسيا بوصفه استعراضا لإرث الإمبراطورية الاستعمارية على حساب شعوبٍ منهوبة.

إعلان

لذلك، فإن كل ذكر للماسة يقترن في الخطاب الشعبي والنخبوي هناك بكلمات مثل: النهب، والسلب، والاستعمار، والتعويض التاريخي.

الهند ترى نفسها الوريث الأبرز لإرث المناطق التي خرجت منها الماسة، وتعتبر أن استعادتها ستكون إنصافا تاريخيا وتعبيرا عن استقلالية كاملة عن الماضي الاستعماري.

باكستان بدورها أشارت في مراحل سابقة إلى أحقيتها أو على الأقل أحقية مشاركتها في أي نقاش حول مصير الماسة، لكونها جزءا من الجغرافيا التاريخية التي تنتمي إليها قصة الحجر الكريم حيث كانت ضمن شبه القارة الهندية قبل تقسيمها عام 1948.

الرواية الأفغانية

وإلى جانب الهند وباكستان تمتلك أفغانستان كذلك روايتها عن مرور الماسة عبر حكامها وسلاطينها، حيث ظلت ماسة كوهينور في حوزة الحكام الأفغان لما يقارب 70 عاما (1739-1813)، وكان هؤلاء الحكام يتخذون من قندهار وكابل مقرا لهم، وذلك بعد أن استولى عليها أحمد شاه الأبدالي من الحاكم المغولي نادر شاه.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2000 طالبت حكومة حركة طالبان في نسختها الأولى بإعادة ماسة كوهينور إلى أفغانستان، قائلة إن على الملكة إليزابيث الثانية إعادة الجوهرة "في أسرع وقت ممكن" لعرضها في متحف كابل المدمر.

وفي تصريح أثار حينها قلق مسؤولي الأمن في برج لندن، حيث تُحفظ الجوهرة ضمن جواهر التاج، صرح المتحدث باسم طالبان للشؤون الخارجية في ذلك الوقت، فايز أحمد فايز، بأن الماسة "ملكية شرعية" لأفغانستان.

تصريحات فايز شددت على أن طالبان تريد استعادة "أشياء أخرى كثيرة" سُرقت من أفغانستان خلال الحقبة الاستعمارية، وذلك في إطار مساعيها لإعادة بناء بلدها الذي مزقته الحرب. مؤكدا أن تاريخ الماسة "يُظهر أنها نُقلت من أفغانستان إلى الهند، ومنها إلى بريطانيا. لدينا مطالبة أقوى بكثير من مطالبة الهنود".

مَن الأَولى بالجوهرة؟

وقبل 6 أشهر من تصريحات مسؤول طالبان التي مضى عليها ربع قرن، طالبت لجنة برلمانية هندية بإعادة الجوهرة إلى نيودلهي. واعتبر مسؤولون بريطانيون آنذاك أن "تعدد المطالبات" يجعل من المستحيل تحديد مالك الجوهرة.

مع ذلك، يعتقد العديد من الباحثين أن للأفغان موقفا قويا، فقد سُلمت ماسة كوهينور إلى الملكة فيكتوريا عام 1850 من قِبل الأمير السيخي المهراجا داليب سينغ، البالغ من العمر 11 عاما، عندما ضم البريطانيون مملكته بالقوة. ولكن طوال معظم القرن الـ18 وأوائل القرن الـ19، ظلت الماسة في حوزة العائلة المالكة الأفغانية.

وعندما اغتيل الإمبراطور المغولي نادر شاه عام 1747، استولى قائده الأفغاني أحمد شاه الأبدالي على الجوهرة ونقلها إلى كابل، ثم ورثها ابنه ومن بعده حفيده، شاه شجاع الملك. وعندما خُلع الملك شاه شجاع، يُقال إنه أهدى الجوهرة عام 1813 إلى الرجل الذي أطلق سراحه من السجن، وهو والد داليب سينغ، المهراجا رانجيت سينغ.

وترى طالبان أن سينغ، حاكم لاهور، سرق الجوهرة. وفي افتتاحية لصحيفة كابل بوست عام 2000، وُصف سينغ بأنه "خائن عظيم".

الموقف البريطاني

هذا التداخل والتعدد في الروايات يسمح لبريطانيا بأن تطرح -ضمنيًا- سؤالًا معقدا: حتى لو قررنا إعادة الماسة كوهينور فإلى من نعيدها؟!

إعلان

وخلال زيارة قام بها إلى الهند عام 2013، صرح رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون بأن إعادة ماسة كوهينور إلى الهند ليس "أمرا منطقيا".

كما عارض أيضا فكرة إعادة القطع الأثرية الموجودة في المؤسسات البريطانية. وجادل كاميرون بأن مثل هذه القطع يجب أن تبقى في المملكة المتحدة، مقترحا مشاركتها عالميا بدلا من إعادتها، مرددًا بذلك مواقف مماثلة بشأن منحوتات البارثينون.

ومنحوتات البارثينون مجموعة من الزخارف الرخامية اليونانية التي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وتضم إفريزا وأعمدة وتماثيل من البارثينون في أثينا.

وقد أزيلت هذه المنحوتات على يد اللورد إلجين، وهو بريطاني مهتم بالأثريات، في أوائل القرن الـ19، ويوجد ما يقارب نصفها في المتحف البريطاني، بينما يُحفظ الباقي في متحف الأكروبوليس في أثينا، مما أثار جدلا واسعا حول إعادتها إلى موطنها الأصلي.

تصحيح التاريخ

وبالعودة إلى مطالبة عمدة نيويورك زهير ممداني الهندي الأصل التي ثبت إعلاميا صدورها عنه لكن لم يثبت عمليا بعد أنه أبلغ الملك تشارلز بها، فإن البعض يرى أن خصوم ممداني قبل أنصاره يقرون بامتلاكه موهبة في تبني القضايا التي تلامس قاعدة ناخبيه التقدميين بشدة. وتُعد فكرة تصحيح أخطاء التاريخ الاستعماري واستعادة ما نهبه المستعمرون في أي مكان، حتى لو كان على بُعد آلاف الأميال، من أولوياته.

والجديد هنا كما يرى المراقبون أن المطالبة تأتي هذه المرة من مسؤول منتخب في مدينة أمريكية كبرى (نيويورك) لا من عاصمة آسيوية.

ويعني ذلك نقل ملف كوهينور من كونه خلافا تاريخيا بين بريطانيا ودول جنوب آسيا، إلى نقاش عالمي حول العدالة التاريخية تشارك فيه أصوات من داخل الغرب نفسه، ويبحث في الاستعمار، والتعويضات، وإعادة الآثار، والعلاقات البريطانية الهندية، وصورة الملك تشارلز كرمز لدولة ذات ماض استعماري.

كما أن ربط زيارة تشارلز، بوصفه رأس دولة ذات ماض استعماري، بمطالبات واضحة برد ما تم نهبه من مستعمرات الأمس، يعد إحراجا للمؤسسة الملكية البريطانية أمام جمهور أمريكي وغربي بات أكثر تقبلا اليوم لخطاب "استعادة الآثار والمقتنيات".

ويعزز ذلك أن السنوات الأخيرة شهدت ضغطا من الداخل الغربي على الإمبراطوريات السابقة وتعرضت دول أوروبية عدة (مثل فرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وبريطانيا) لضغط متزايد من حركات طلابية وحقوقية، ونواب وسياسيين من خلفيات مهاجرة، وأكاديميين ومؤرخين، للاعتراف بجرائم الاستعمار، وتقديم اعتذارات رسمية، وإعادة بعض الآثار والمقتنيات.

وتمثل تصريحات ممداني في المطالبة بجوهرة كوهينور امتدادا لهذا المسار: صوت من داخل الغرب يطالب الغرب نفسه بمراجعة ماضيه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا