آخر الأخبار

مصير الذهب في خزائن القرض الحسن | الحرة

شارك

بقي على “أم حسن” قسط شهري واحد فقط لتستعيد سلسلتها الذهبية التي رهنتها مقابل قرض نقدي، قبل أن تتكثّف الغارات الإسرائيلية على فروع جمعية القرض الحسن. منذ ذلك اليوم، لم يعد سؤالها متى تسدد، بل أين ذهب ذهبها؟

في بلد انهارت فيه المصارف، وتبخرت الودائع، لم يعد الذهب في لبنان مجرد زينة أو إرث عائلي. صار الملاذ الأخير عند المرض، والبطالة، وإيجار المنزل، والأقساط المدرسية. وحين فقد اللبنانيون القدرة على الوصول إلى أموالهم في البنوك، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى رهن ما يملكونه من مصاغ مقابل سيولة سريعة.

ومن قلب هذا الانهيار، تمدد دور جمعية القرض الحسن، الذراع المالية لحزب الله، والتي استقطبت آلاف اللبنانيين عبر قروض نقدية مقابل رهن الذهب، لتؤدي دوراً مالياً موازياً خارج النظام المصرفي الرسمي، ومن دون الخضوع للرقابة والضمانات المفروضة على المؤسسات المالية المرخصة.

ومع استهداف عدد كبير من فروع الجمعية خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، انفجر سؤال يتجاوز الأمن والسياسة معاً: أين ذهب الناس؟

هل بقيت الأساور والخواتم والسلاسل داخل الفروع المستهدفة، أم نُقلت مسبقاً إلى خزائن سرية؟ ومن يضمن استردادها في مؤسسة تعمل خارج الأطر القانونية والرقابية المعتادة، ومن دون شفافية معلنة حول آليات الحفظ والتخزين؟

من الفروع إلى الخزائن

خلال تتبع آلية العمل داخل الجمعية، تبدو الفروع نقطة خدمة، لا مراكز تخزين رئيسة.

وبحسب تقارير صحفية، فإن وظيفة الفروع تقتصر على استقبال الزبائن، وتقييم الذهب، وإنجاز المعاملات، وحفظ كميات محدودة مرتبطة بالحركة اليومية، مثل عمليات التسليم والاسترداد القريبة. أما الرهونات، فتنقل إلى أماكن محصنة وسرية.

وتشير هذه التقارير إلى آلية استرداد الذهب نفسها، فحين يسدد الزبون كامل القرض، لا يحصل على رهوناته فوراً، بل يُطلب منه الانتظار أياماً قد تصل إلى أسبوعين، ريثما يتم جلبها من أماكن التخزين.

هذا التفصيل الإداري البسيط، يكشف بنية أكثر تعقيداً مما يبدو من الخارج: شبكة فروع مرئية، يقابلها نظام تخزين غير مرئي.

خزائن تحت الأرض

بحسب تقارير صحفية فإن مواقع التخزين لا تشبه تلك الخاصة بالمصارف التقليدية، بل هي عبارة عن خزائن محصّنة أسفل أبنية عادية لا تحمل أيّ طابع مالي ظاهر، كما أن عدد الأشخاص الذين يعرفون مواقع هذه الخزائن يبقى محدوداً للغاية، وإن فلسفة العمل تقوم على مبدأين ثابتين: السرية والتوزيع، السرية تحول دون تحديد المواقع، والتوزيع يمنع تجميع كميات كبيرة في نقطة واحدة.

وسبق أن اتهم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي حزب الله بإخفاء أموال أسفل مبانٍ سكنية.

ففي أكتوبر 2024، أعلن عن “ملجأ أموال بملايين الدولارات” تابع للحزب تحت مستشفى الساحل في الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيراً إلى مدخل مخفيّ يؤدي إلى سرداب تُخزن فيه الأموال.

وفي مارس 2026، كرر اتهامات مماثلة، قائلاً عبر منصة “ إكس ” إن الحزب أخفى ملايين الدولارات تحت مبنى سكني في حي الباشورة، داخل مجمع يقع في الطابق السفلي الثاني ويمكن الوصول إليه عبر موقف السيارات، مضيفاً إن الموقع كان يخضع لحراسة مسلحة وذلك قبل استهداف المبنى.

لماذا هذا الغموض؟

يرى المحلل السياسي الدكتور خالد الحاج أن هذا النمط ينسجم مع منهج أمني يعتمده حزب الله منذ سنوات، يقوم على حماية بنيته المالية كما يحمي بنيته العسكرية.

ويقول الحاج لموقع “الحرة” إن الحزب “استخلص دروساً من حروب سابقة، حين تعرّضت فروع للقرض الحسن للاستهداف وتطايرت الأموال منها، ما دفعه إلى اعتماد نماذج أكثر تشدداً في حفظ الأموال والذهب”.

ويضيف إن التخزين تحت الأرض “يبدو خياراً منطقياً في ظلّ عاملين متوازيين: خطر الاستهداف العسكري من جهة، والعقوبات الدولية وتشديد الرقابة على مسارات تمويله من جهة أخرى”.

ويستعيد الحاج تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، “حين كانت تخفي الأموال والأسلحة في أنفاق ومستودعات سرية، بحيث تبقى المعلومات محصورة بعدد قليل جداً من الأشخاص. وفي بعض الحالات، أدى مقتل أو غياب هؤلاء إلى ضياع مواقع الأموال لسنوات”.

هل تصمد الخزائن؟

في موازاة الحديث عن خزائن سرية، يبرز سؤال تقني: هل يمكن لخزنة أن تنجو من غارة جوية أو انهيار مبنى؟

مسؤول في شركة متخصصة بالأنظمة الأمنية يوضح لموقع “االحرة” أن الجواب يرتبط بنوعية الخزنة وتصنيفها الهندسي.

فثمة خزائن عالية التحصين مصممة لتحمل درجات حرارة مرتفعة جداً، والضغط، والصدمات، ومحاولات القص، وحتى انهيار مبنى فوقها، بحيث يمكن استخراجها سليمة من تحت الركام.

ويشير المسؤول في الشركة إلى أن أسعار هذا النوع من الخزائن تبدأ من مستويات مرتفعة، وقد تصل خزنة صغيرة الحجم، بحجم جهاز ميكروويف تقريباً، إلى نحو عشرة آلاف دولار، تبعاً لسماكة الفولاذ، وطبقات العزل وأنظمة الإقفال.

رهنت السلسلة لتعيش

بعيداً عن التحليلات والهندسة الأمنية، يقف أصحاب الذهب أنفسهم.

“أم حسن”، تروي لموقع “الحرة” أنها رهنت سلسلة ذهبية تزن نحو 15 غراماً، وحصلت مقابلها على 700 دولار، تسددها بأقساط شهرية تبلغ 35 دولاراً على مدى سنتين. تقول إنها تلقت وصلاً يثبت إيداع الذهب، وأُبلغت بأنها تستعيده بعد تسديد القسط الأخير بنحو 10 أيام.

لكن مع تصاعد التوترات الأمنية وبدء الحديث عن احتمال الحرب، راودها الخوف. سألت أحد الموظفين إن كان الذهب في أمان، فأجابها، وفق قولها، بأنه محفوظ خارج الفروع، وأن الجمعية ستتواصل مع الزبائن لاستكمال الأقساط أو تسديد كامل المبلغ واستلام الذهب.

خلال الحرب، حاولت “أم حسن” التواصل مع جمعية القرض الحسن للحصول على إجابات بشأن مصير ذهبها المرهون، إلا أنها لم تتلقَّ أيّ رد، في ظل إغلاق ما تبقى من الفروع التي لم يطلها القصف.

“أنا لا أفكر بالسياسة والأمن. هذا الذهب تعبي. إذا ضاع، ماذا يبقى لي؟”، تسأل “أم حسن”، وهو سؤال يبحث آلاف اللبنانيين عن إجابة له، وهم الذين لم يرهنوا الذهب للاستثمار، بل للبقاء.

الحماية القانونية

على المستوى القانوني، تقول الباحثة في الجرائم الاقتصادية والمالية محاسن مرسل إن “القرض الحسن مسجّل كجمعية خيرية بموجب علم وخبر، وليست مصرفاً مرخصاً أو مؤسسة مالية خاضعة لقانون النقد والتسليف اللبناني”.

وهذه الجمعية التي تأسست عام 1982، طوّرت نشاطها تدريجياً إلى ما يشبه عمل المصارف التجارية، حيث بدأت تستقبل الودائع النقدية والذهبية، وتقديم قروض، وبات لديها أجهزة صرّاف آلي.

وتوضح مرسل لـ”الحرة” أن العلاقة بينها وبين المتعاملين معها “تقارب ضمن الإطار المدني، لا ضمن المنظومة المصرفية التي تفرض قواعد رقابية وملاءة مالية وضمانات محددة.

وترى أن “الإشكالية الأساسية تظهر عند وقوع نزاع يتعلق باسترداد الذهب أو تنفيذ الالتزامات، إذ لا توجد الآليات نفسها التي تنظّم حقوق العملاء في القطاع المالي الرسمي”.

وتضيف إن “هذا النموذج يمكن وصفه بأنه جزء من اقتصاد الظل أو الاقتصاد الموازي الذي نشأ خارج الأطر القانونية اللبنانية الناظمة للعلاقة بين أي مؤسسة مالية والمتعاملين معها”.

ومع تصاعد الضغط الدولي لسحب سلاح الحزب وتجفيف قنوات تمويله، أصدر المصرف المركزي اللبناني في يوليو الماضي تعميماً منع من خلاله المؤسسات المالية الخاضعة لترخيص مصرف لبنان، بما فيها شركات الوساطة وهيئات الاستثمار الجماعي، إجراء أيّ تعامل ماليّ أو تجاريّ مع مؤسسات غير مرخصة مثل جمعية القرض الحسن.

خلال متابعة هذا الملف، يظهر أن السرية ليست تفصيلاً جانبياً، بل جزءاً أصيلاً من نموذج عمل الجمعية. فلا تُعلن مواقع التخزين، ولا حجم الرهونات، ولا توجد جهة مستقلة يمكنها التحقق من حجم الموجودات أو سلامة حفظها.

وإذا كانت هذه الإجراءات الأمنية تمثّل أولوية بالنسبة للجمعية، فإن جلّ ما يريد المتعاملون معرفته هو ما إذا كان الذهب سيعود إليهم عندما يسددون ما عليهم.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا