في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في قلب البلدة القديمة في القدس، حيث تتقاطع الأزقة الحجرية وتتداخل الحكايات كما تتداخل البيوت، تقف الذاكرة شاهدا على قرن من التحولات التي لم تغير المكان بقدر ما غيرت روايته.
وعلى بعد خطوات من باب العمود، تبدأ القصة كما روتها مراسلة الجزيرة من القدس منى العمري.. قصة مدينة لا تقرأ من خرائطها الحديثة، بل من وجوه سكانها وأصواتهم.
تقول منى العمري في مستهل تقريرها: "لو وقفت قبل 100 عام عند هذا التقاطع الشهير في البلدة القديمة في القدس، والذي يبعد عن باب العمود خمسين مترا، وسألت الناس: أين يقع حي اليهود وحي النصارى أو حي المسلمين؟ لرمقوك بنظرة استغراب؛ من أين جئت بهذه الأسماء؟".
بهذه العبارة، تفتح بابا واسعا لفهم مدينة لم تكن تعرف نفسها وفق القوالب التي فُرضت عليها لاحقا.
ويؤكد أحد سكان البلدة القديمة، في شهادة تختصر تحولات الزمن، وكيف تم إحلال اليهود بالقوة في بيوت العرب قائلا "إحنا الموجودين هون، إحنا بس العرب اللي في الدار هاي والدار هاي، وفي دار لقبل شوي.. عند المخبز. كانت هذه المنطقة كلها عرب، هسا هاي هون مين؟ اليهود".
كلمات بسيطة، لكنها تحمل ثقل قرن كامل من التبدلات الديموغرافية والسياسية.
توضح منى العمري أن "فكرة تقسيم الأحياء في البلدة القديمة بناء على الدين هي فكرة مستحدثة، أتت مع الأوروبيين قياسا على أحياء الغيتو التي أُجبر اليهود على العيش بها في أوروبا"، مضيفة أن هذا التقسيم ظل ساريا يخدم سياسة "فرق تسد" التي خدمت سياسات الانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي.
وفي مدينة مثل القدس، التي نشأت على تداخل طبيعي بين البشر والعقائد، لم يكن الفصل يوما أمرا سهلا أو حتى ممكنا.
ففي محيط المسجد الأقصى، تمتد الأحياء الإسلامية، بينما تتجمع الكنائس حول كنيسة القيامة، لكن التداخل العمراني يظل السمة الغالبة. تشير منى العمري موضحة: "هذه المساجد تقع في حارة النصارى، وهذه الكنائس تصطف امتدادا لدرب آلام السيد المسيح الموجود في الحي الإسلامي"، في صورة تعكس واقعا معقدا يتجاوز أي تقسيم نظري.
أما ما يعرف اليوم بحارة اليهود، فتشير العمري إلى أنها لم تتجاوز حتى عام 1948 الـ13% من حارة الشرف، وأن جزءا منها عبارة عن بيوت مستأجرة من أملاك المسلمين. لكن ما جرى بعد ذلك غير ملامح المكان بشكل جذري، وتتابع "فيما بعد وعقب النكسة، هدم الاحتلال الإسرائيلي حي المغاربة وما يحيط به من أملاك ليست يهودية داخل حارة الشرف".
وسط هذا التحول، يقف المسجد العمري شاهدا صامتا. تقول منى العمري "هذا المسجد العمري هو الشاهد الأخير على ما كان يعرف هنا بحارة الشرف. هدمت الحارة وبُني مكانها حي اليهود، وبجانبه هذا الكنيس ذو القبة المعروفة بقبة تيفيرت إسرائيل".
لكن القصة لا تتوقف عند إعادة رسم الجغرافيا، بل تمتد إلى صراع قانوني وإنساني معقد. ففي مطلع السبعينيات، اقتحمت القوات الإسرائيلية بيت عائلة برقان المالكة لبيتها منذ 200 عام، وحاولت إجبارهم على الإخلاء، وتحصنت العائلة بإثباتات ملكيتها للعقار التي تعود للفترتين العثمانية والانتدابية.
ورغم أن المحكمة العليا أقرت بملكية العائلة، إلا أنها أدرجت بندا يقول "من أجل التعايش المشترك في البلدة القديمة، يُمنع غير اليهود من السكن في حارة اليهود".
مفارقة قانونية تلخص جوهر الصراع، خصوصا عند مقارنتها بقرار لاحق قضى بإخلاء عائلة فلسطينية من منزلها خارج حدود الحي نفسه.
في هذا السياق، يوضح المحامي محمد دحله والخبير في القانون الدستوري والمختص في قضايا الاستيطان بالقدس أن "هذه البؤر الاستيطانية لها تكلفة باهظة لأنها موجودة داخل أحياء عربية إسلامية"، مشيرا إلى أن "المستوطنين لا يسكنون هذه البؤر إلا بوجود حراسة على أكثر من مستوى؛ كاميرات 24 ساعة.. بالإضافة إلى حراسة مشددة من الشرطة سبعة أيام في الأسبوع".
ويضيف "هذا أمر مكلف للجمعيات الاستيطانية نفسها وأيضا لدافعي الضرائب الإسرائيليين".
ورغم كل ذلك، يرى الباحث المختص في شؤون القدس نظمي الجعبة أن المشروع الاستيطاني لم يحقق أهدافه كاملة، إذ يقول "هذا المكان لم يكن جاذبا للإسرائيليين للسكن فيه"، موضحا أن غالبية المباني إما مدارس دينية فيها طلاب مؤقتون، أو يملكها أغنياء يهود يعيشون في مناطق مختلفة من العالم، ما يجعل الحي خاليا من السكان إلا من الزوار والسياح.
وتكشف الأرقام جانبا آخر من القصة. تشير منى العمري إلى أن 192 عقارا هو عدد أملاك اليهود الذي رصدته الحكومة الأردنية بين عامي 1948 و1967، أي ما نسبته 2% فقط من كافة عقارات البلدة القديمة. ورغم ذلك، فإن السيطرة توسعت لاحقا عبر وسائل متعددة، من بينها البحث في الوثائق القديمة لإثبات ملكيات سابقة.
في مواجهة هذه الضغوط، يروي أحد أصحاب العقارات، المعروف بـ"أبو خديجة"، تجربته قائلا: "أول عرض انعرض علينا بالـ98.. رفضنا. ثاني عرض.. رفضنا. ثالث عرض كان قيمته 40 مليون دولار".
ثم يطرح سؤاله المؤلم: "يا جماعة الخير كيف بدنا نبيع شيء لا نملكه؟ كيف بدنا نبيع شيء وقف إسلامي؟ إحنا هون مجرد حراس".
وتضيف منى العمري أن معارك وجود داخل البلدة القديمة تجمعها حرب تحت عنوان "الديموغرافيا والسيطرة على الحيز العام"، وهي حرب لا تخاض فقط بالقوانين أو العقارات، بل بالرموز والهوية.
وفي هذا الإطار، يقول محمد دحلة: "قناطر المدينة.. لغة الناس.. مآذن المدينة.. أصوات الأذان.. كل هذا يتكلم حضارة عربية إسلامية"، مضيفا أن "الاحتلال يحاول أن يبرز الهوية الإسرائيلية عن طريق رموز مفتعلة؛ الأعلام والأسلحة والجنود".
ولا تتوقف المواجهة عند الأزقة، بل تمتد إلى ما تصفه العمري بـ"حرب المطلات". تروي أنه "قبل أكثر من عشرة أعوام، وقف وفد من وزارة السياحة الإسرائيلية يشرحون عن الهوية اليهودية"، ليرد أحد الحاضرين: "لا يمكن أن ينطلي هذا الكلام على أحد"، في إشارة إلى وضوح هوية المدينة من أي نقطة تطل عليها.
وتتابع: "لتظهر في المشهد بعد سنوات قبتان يهوديتان؛ قبة تيفيرت إسرائيل.. والثانية قبة كنيس خراب الهيكل، التي لا تبعد عن قبة الصخرة سوى 300 متر"، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد البصري للمدينة.
لكن رغم كل هذه التحولات، تبقى العلاقة بين الإنسان والمكان عصية على التغيير. يقول أحد السكان: "ما في إنسان ببيع هون عندنا بالقدس.. كل إنسان بيتمنى يعيش تحت بيت درج في البلدة القديمة.. المهم إنه ما يطلع".
وهكذا، لا تبدو البلدة القديمة مجرد مساحة جغرافية، بل حكاية مستمرة، تُكتب كل يوم بين حجر وآخر، وبين ذاكرة تحاول أن تبقى، وواقع يسعى إلى إعادة صياغتها.
إنها قصة مدينة لا تزال تقاوم أن تُختصر في أسماء أحيائها، أو أن تُعاد كتابتها خارج روحها الأصلية.
المصدر:
الجزيرة