استند الكاتب الأمريكي جيسون ويليك إلى نظرية الفيلسوف والسياسي الإيطالي الشهير نيكولو مكيافيلي لتحليل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، معتبرا أن ترمب يشترك مع مكيافيلي في النزوع للجرأة والمخاطرة، لكنه لم يستوعب الدرس الأعمق لمؤلف "الأمير": الاستعداد لدوائر الزمن وبناء الضمانات قبل وقوع الأزمات.
وفي مقال رأي بصحيفة واشنطن بوست، يرى ويليك أن مشكلة ترمب ليست في جرأته المفرطة بحد ذاتها، بل في عجزه عن بناء وسائل الحماية ضد عواقب رهاناته الفاشلة كما حصل في الحرب على إيران.
يوضح ويليك أن ترمب يبدو منسجما غريزيا مع نصيحة مكيافيلي الشهيرة للحاكم بأن يكون "مندفعا أكثر من كونه حذرا" إذا أراد الحفاظ على السلطة. ويقول إن اندفاع ترمب تجلى بوضوح في قرارين كبيرين هما الحرب على إيران وإعادة رسم الدوائر الانتخابية لصالح الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.
وعلق الكاتب على القرار الثاني بالقول إن إعادة رسم الدوائر الانتخابية في منتصف الدورة الانتخابية يُعد خطوة غير معتادة ومحفوفة بالمخاطر، لأن فريق ترمب كان يعتقد أن الجمهوريين قد يحققون مكاسب أكبر من الديمقراطيين.
وبالمثل، في السياسة الخارجية، أطلق ترمب عملية عسكرية واسعة ضد إيران بعد عملياته السابقة في فنزويلا، معتقدا على ما يبدو أنه قادر على تحقيق انتصار سريع يمنحه مكسبا إستراتيجيا وسياسيا.
لكن ويليك يرى أن كلا الرهانين بدأ ينقلب ضد ترمب. فقد رد الديمقراطيون على محاولة إعادة رسم الدوائر في تكساس بإعادة رسم هجومية للخريطة الانتخابية في كاليفورنيا، كما دفع الديمقراطيون في ولاية فرجينيا نحو خطة مشابهة وافق عليها الناخبون.
وبدلا من حماية الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب، قد تؤدي هذه الخطوة إلى خسارة مقاعد إضافية للحزب الجمهوري. ويكتب ويليك أن ترمب "بالغ في تقدير قدرته على فرض خرائط انتخابية مواتية للجمهوريين، وقلّل من شراسة الرد الديمقراطي".
أما الحرب على إيران، فقد أفرزت النتيجة نفسها تقريبا. فقد توقع ترمب أن تستمر الحرب من أربعة إلى ستة أسابيع فقط، لكنها بعد ثمانية أسابيع ما تزال عالقة في وقف إطلاق نار هش.
كما أن النظام الإيراني ما يزال قائما، ومخزونه من الصواريخ والطائرات المسيّرة لم يُدمّر بالكامل. والأخطر سياسيا، يضيف الكاتب، أن الملاحة في مضيق هرمز ما تزال معطلة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في أمريكا وتراجع شعبية ترمب.
هنا ينتقل الكاتب إلى الدرس الأعمق عند مكيافيلي. فالحظ، بحسب الفيلسوف، يلعب دورا في السياسة، لكن القائد الحكيم هو من يستعد للانتكاسات. وقد شبّه مكيافيلي الحظ بنهر خطير قد يفيض فجأة ويجرف كل شيء أمامه.
ويحذر مكيافيلي من أن مياه النهر عندما تجري بشكل طبيعي فإن ذلك لا يمنع من الاستعداد للمشكلات، داعيا الحكام إلى بناء "السدود والحواجز" حتى يمكن احتواء الفيضان عندما يأتي.
وهنا تحديدا، بحسب ويليك، يختلف ترمب عن مكيافيلي، فهو "لم يبنِ الكثير من السدود أو الحواجز" لمواجهة سوء الحظ، بل قام برهانات خطرة كثيرة، فأشعل معركة انتخابية داخلية متقلبة ثم شن حربا غير شعبية قبل الانتخابات النصفية.
ويختم ويليك بالقول إن الحاكم الناجح هو من يتكيف مع تغير الظروف بدل الاعتماد الدائم على الحظ، كما يفعل الحاكم المقامر، موضحا أن الجرأة والحظ خدمتا ترمب طوال مسيرته السياسية، لكن مكيافيلي حذّر من الثقة المطلقة بالحظ وحده.
المصدر:
الجزيرة