غادر المغني التركي الشهير إبراهيم تاتليس مستشفى أجيبادم ألتونيزاده في إسطنبول، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال المرارة إثر إدخاله المستشفى في 7 أبريل/نيسان، مؤكدا نجاح العملية واستقرار حالته الصحية.
وفي أول تصريحات له بعد خروجه، كشف تاتليس عن توتر علاقته ببعض أبنائه، مشيرا إلى أنه منع عددا منهم من زيارته خلال فترة علاجه بناء على رغبته الشخصية، موضحا أن تصرفاتهم لم تكن على المستوى الذي كان يتوقعه، وأضاف: "لو كان والدي في وضع مماثل لما تركته وحيدا".
وألمح إلى خلاف مع ابنه أحمد تاتليس من خلال قوله إنه "حذف حرف الألف من الأبجدية"، في مقابل تأكيده على علاقته القوية بابنته توغتشي التي وصفها بأنها "روحه" والأقرب إليه.
وتصاعدت لهجته عندما تطرق إلى ثروته، إذ أعلن أنه لا يعتزم ترك أي ميراث لأبنائه، مؤكدا أن جميع ممتلكاته ستؤول إلى الدولة التركية، وقال إن ما بناه جاء "بجهده الشخصي"، وإنه يستخدم أمواله كما يشاء، مضيفا أن "أعظم إرث" تركه لأبنائه هو اسمه وشهرته اللذان يفتحان لهم الأبواب، لكنهم "لا يعرفون قيمتهما"، على حد تعبيره.
ودعا تاتليس إلى إنشاء مستشفى جديد في مسقط رأسه بمدينة شانلي أورفا، في خطوة تعكس اهتمامه بالخدمات الصحية في منطقته، كما أعلن عن إطلاق أغنيته الجديدة "بابوش" خلال الأسبوع الجاري.
لا يمكن فصل هذه التصريحات عن شخصية تاتليس ومسيرته الاستثنائية، فالرجل الذي بدأ حياته عاملا في البناء تحول إلى فنان ورجل أعمال ومليونير، واسم مؤثر في الثقافة الشعبية التركية، ووُصف في مراحل مختلفة بأنه "إمبراطور" الأغنية الشعبية ورمز جماهيري واسع النفوذ.
وقد صدم الجمهور التركي بنجاته من هجوم مسلح عام 2011 أصيب فيه برصاصة في الرأس، وأدت الإصابة إلى تراجع قدرته على الغناء، لكنه احتفظ بقدرته على الكلام والمشي والكتابة، واستمر في الظهور والتفاعل مع جمهوره عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بعد سلسلة عمليات جراحية في الدماغ وفترات طويلة من العلاج الطبيعي.
يكمن جانب من تأثيره في قدرته على مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة ومباشرة، فقد قدم نفسه دائما بوصفه واحدا من الناس، وسمح لهم بالاطلاع على تفاصيل حياته الخاصة منذ وقت مبكر، قبل انتشار مواقع التواصل، إذ عاش وغنّى وظهر أمام الكاميرات باستمرار، مما رسخ حضوره في الوجدان الشعبي، حتى لدى من ينتقدونه في الأوساط الثقافية.
ولد إبراهيم تاتليس باسم "إبراهيم تاتلي" في شانلي أورفا جنوب شرقي تركيا، وهو أكبر إخوته السبعة، في عائلة فقيرة جدا، وقد لخّص هويته بقوله: "والدي من أصل عربي، ووالدتي كردية، أما أنا فتركي".
ولا يزال تاريخ ميلاده موضع جدل، فبينما تشير الوثائق الرسمية إلى أنه ولد في 1 يناير/كانون الثاني 1952، صرّح هو في أكثر من مناسبة بأنه ولد في نوفمبر/تشرين الثاني 1954.
نشأ في منزل بسيط ووالده في السجن، ويروي أن أول ذكرى له عن أبيه كانت رؤيته خلف القضبان. لم يتلق تعليما نظاميا، لكنه دافع لاحقا عن الأميين في جنوب شرقي تركيا، قائلا بسخرية: "لو كانت هناك جامعة أكسفورد في حران، لكنت تخرجت منها".
مع انتقال العائلة إلى إسطنبول، عمل في الشوارع، فكان يبيع الماء للمارة ويعمل في مواقع البناء، بينما يغني في حفلات الزفاف والتجمعات الشعبية لكسب المال.
سجل تاتليس أولى محاولاته الغنائية بشكل هاوٍ عام 1965، ثم أصدر أول تسجيل احترافي عام 1970 بعنوان "فتاة سمراء" (Kara Kız)، قبل أن يلفت الأنظار بقوة عام 1974 مع أغنية "حذاء في قدميه" (Ayağında Kundura)، التي حققت انتشارا واسعا وفتحت له أبواب الشهرة.
بفضل نجاح الأغنية، دخل عالم السينما، حيث شارك في فيلم يحمل الاسم نفسه، ثم توالت مشاركاته في عشرات الأفلام بين أواخر السبعينيات والتسعينيات، مما رسخ صورته نجما غنائيا وسينمائيا في آن معا.
نجح تاتليس في تقديم مزيج موسيقي جمع بين الفلكلور التركي والموسيقى العربية والبوب الحديث، في فترة كانت تركيا تشهد تحولات سياسية واقتصادية، خاصة بعد انقلاب 1980، وهو ما دفع قطاعات واسعة من الجمهور إلى البحث عن متنفس ثقافي تعبيري، فبرز مع أسماء أخرى مثل سيزين أكسو بوصفه أحد أبرز وجوه تلك المرحلة.
غلب الاضطراب أيضا على حياته العائلية، إذ انتقل من أورفا إلى إسطنبول وارتبط لاحقا بعلاقات وزيجات متعددة، أنجب منها ستة أطفال من أربع نساء.
في المقابل، وسّع نشاطه خارج الفن، فأسس شركات للإنتاج الموسيقي، واستثمر في قطاعات مثل السياحة والنقل والإعلام ومطاعم الوجبات السريعة، حتى أصبح اسمه علامة تجارية مستقلة.
ومع ظهور القنوات الخاصة في التسعينيات، أطلق برنامجه الشهير "إيبو شو"، الذي مزج بين الغناء والحوار واستمر لسنوات طويلة، قبل أن يتوقف بعد محاولة اغتياله عام 2011. وكان تاتليس قد تعرض أيضا لإطلاق نار في ساقه عام 1990، غير أن هذه الحوادث لم تمنعه من الإبقاء على حضوره العام.
خاض كذلك تجربة سياسية محدودة، إذ أعلن رغبته في الترشح للبرلمان، قبل أن يتراجع لاحقا بسبب الظروف السياسية في جنوب شرقي تركيا، بينما ظل تأثيره الفني والاجتماعي ممتدا عبر العقود، رغم تعدد الأزمات والجدل الذي يرافق شخصيته حتى اليوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة