بينما يشتبك مقاتلوه مع الجيش الإسرائيلي في أقصى الجنوب اللبناني، فتح حزب الله جبهة جديدة في الداخل بهجوم سياسي غير مسبوق على رئيس الحكومة نواف سلام، واكبه حراك لشارعه على مدى أيام نحو السراي الحكومي.
ورُفعت خلال التظاهرات الكبيرة التي نظّمت خلال الأيام الماضية أعلام حزبية وإيرانية، ورددت هتافات طائفية واتهامات بالتخوين لرئيس الحكومة، فيما سُجّلت حالات إطلاق نار في الهواء وأعمال شغب وإشكالات متنقلة في شوارع بيروت، ما أثار حالة من الهلع بين السكان.
وسارع الجيش اللبناني إلى التدخل، حيث نفّذ انتشاراً واسعاً ونشر دوريات، لاحتواء الوضع ومنع تفاقمه.
وجاءت هذه التحركات بعد رفض رئيس الحكومة أن تفاوض إيران عن لبنان، بالتوازي مع موافقة إسرائيل على عقد مفاوضات مباشرة مع بيروت، إضافة إلى قرار حكومي سابق يقضي بحصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة.
في المقابل، رفض حزب الله هذه التوجهات، فيما توقع القيادي فيه محمود قماطي “تسونامي شعبياً يجرف الحكومة”.
أثارت مشاهد التوتر في بيروت مخاوف متزايدة من انزلاق الوضع نحو مواجهات داخلية، في ظل استمرار الحرب وتداعيات النزوح التي تضغط على العاصمة وسكانها.
ودفعت التطورات الميدانية سلام إلى تأجيل سفره إلى الولايات المتحدة لمتابعة الأوضاع، كما أكد، فيما حذّرت أوساط سياسية وشعبية من أن ما يجري في الشارع يتجاوز حدود حرية التعبير، وقد ينزلق إلى احتكاكات خطيرة بين المواطنين، في ظل ذاكرة لا تزال مثقلة بتداعيات أحداث 7 أيار 2008، حين هاجم حزب الله وحلفاؤه بيروت ومناطق في جبل لبنان عقب قرار حكومي استهدف شبكة اتصالاته.
وفي هذا السياق، يؤكد مصدر رسمي لبناني لموقع “الحرة” أن التحركات الحالية “تندرج في إطار محاولة للضغط لإسقاط الحكومة في الشارع، على غرار ما شهدته البلاد بعد حرب يوليو 2006 خلال حكومة فؤاد السنيورة”، مشيراً إلى أن “التظاهرات أمام السراي مرشحة للتصاعد، خاصة بعد انتهاء الحرب بين الحزب وإسرائيل، فيما لا يخفي الحزب هذا التوجه”.
ويضيف المصدر: “في الوقت الذي يصعّد فيه حزب الله في الشارع لإسقاط الحكومة، يواصل وزراؤه حضور جلساتها من دون حتى التلويح بالانسحاب”.
يذكر أنه، ومع اعتقاد الحزب بأنه مشمول بالهدنة بين إيران والولايات المتحدة، تصاعدت دعوات حلفائه ومناصريه لإسقاط الحكومة، من بينها ما قاله رئيس تيار المردة سليمان فرنجية “إذا انتصر خطنا في الميدان، ينبغي أن تسقط الحكومة بعد الحرب، وإذا انتصر خطهم فستستمر”.
وعقب ما شهدته بيروت من تظاهرات ومسيرات بالدراجات النارية وافتعال إشكالات، حذّر الجيش اللبناني، في بيان، من أنه “سيتدخل بحزم لمنع أيّ مساس بالاستقرار الداخلي”.
بلغت الحملة مستوى غير مسبوق مع توجيه مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، رسالة تحذيرية إلى رئيس الحكومة نواف سلام، إذ كتب عبر منصة “ إكس ” أن “على رئيس حكومة لبنان أن يعلم أن تجاهل دور المقاومة وحزب الله سيعرّض لبنان لمخاطر أمنية”، مضيفاً إن استقرار البلاد “يعتمد على تضافر جهود الحكومة والمقاومة”.
بالتوازي، تعرّض سلام لتهديدات شخصية طالت حياته، إلا أنه أكد في مقابلة إعلامية أنه لا يخشى على سلامته، انطلاقاً من ثقته بأن غالبية اللبنانيين تساند المواقف الدولية وتدعم قرارات الحكومة، ما يمنحه شعوراً بالاطمئنان وراحة الضمير.
وعلى وقع التصعيد الحزب وأنصاره، يقول النائب إلياس حنكش “هم غير معتادين على رئيس حكومة وطني مثل الرئيس نواف سلام، الذي يعمل لمصلحة لبنان أولاً. هذا الأمر غير مألوف لديهم، إذ اعتادوا تقديم مصالح إيران وولاية الفقيه على مصلحة الدولة اللبنانية”.
ويرى حنكش، في حديث لموقع “الحرة”، أن هذا السلوك “ليس غريباً عن حزب الله كلما اقترب لبنان من استعادة موقعه الطبيعي”، مشدداً على أن “هناك دولة لبنانية ومؤسسات وأجهزة أمنية معنية بفرض سلطة الدولة وهيبتها على كامل الأراضي، بدءاً من حصر السلاح، وصولاً إلى حفظ الأمن في بيروت وسائر المناطق”.
من جهته، يعتبر المحلل السياسي جورج العاقوري أن أيّ محاولة لإسقاط الحكومة في الشارع تمثل “خطيئة كبرى”، مؤكداً لـ”الحرة” أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن تلك التي سبقت أحداث 7 أيار 2008 ومشيراً إلى أن “لبنان يواجه اليوم واقعاً داخلياً وإقليمياً ودولياً مختلفاً، لاسيما في ظل ضغط إسرائيلي مباشر، ما يجعل أي سيناريو مشابه غير قابل للتكرار”.
ويرى العاقوري أن ما يحصل في الشارع “من باب التهويل ويأتي في سياق سعي الحزب إلى شدّ العصب داخل بيئته والحفاظ على وجود خصم سياسي”. يضيف أن “الاتهامات الموجّهة لسلام بالعمالة لإسرائيل من قبل الحزب التابع لإيران معيبة”.
في المقابل، يرى مصدر وزاري أن ما يجري “يعكس وجود وجهتي نظر مختلفتين داخل البلاد”، معتبراً أن مجمل التطورات الراهنة “تندرج ضمن هذا الانقسام السياسي، ولا تحمل أيّ مؤشرات غير مألوفة حتى الآن”.
وفي كلمة له عشية ذكرى الحرب الاهلية اللبنانية، توجه سلام إلى اللبنانيين قائلاً “أفهم غضبكم، وحاجتكم لأن يُسمَع صوتكم، حتى عند أبواب السراي”، مؤكداً “مستمرون بجهودنا لوقف الحرب، وفي مقدّمتها المبادرة التي قدّمها فخامة الرئيس للتفاوض لوقف الحرب، وتمكين مؤسسات الدولة الشرعية من القيام بدورها الكامل في حماية لبنان واللبنانيين جميعاً”.
اتخذ مجلس الوزراء، يوم الخميس الماضي، قراراً بتكليف الجيش اللبناني والقوى الأمنية تنفيذ خطة لتعزيز بسط سلطة الدولة في بيروت، وحصر السلاح بيد الجهات الشرعية. وبينما ربطت بعض الأوساط هذا القرار بمعلومات عن تحضيرات من قبل حزب الله لإسقاط الحكومة في الشارع، ينفي مصدر رسمي أن يكون الإجراء مرتبطاً بتهديد أمني مباشر أو مؤشرات على تحركات انقلابية.
ويوضح المصدر لـ”الحرة” أن “النقاش حول هذه الخطوة بدأ قبل أسابيع، في إطار خطة أوسع لحماية العاصمة، لا سيما في ظل الكثافة السكانية الناتجة عن النزوح”، مشيراً إلى أن “الانتشار الأمني كان قد بدأ فعلياً من خلال تكثيف الدوريات وإقامة الحواجز، بهدف ضبط الوضع الأمني”.
ويؤكد المصدر أن هذه الإجراءات “تندرج أيضاً ضمن مسعى الدولة اللبنانية لإظهار جديتها أمام المجتمع الدولي في فرض الأمن الداخلي وتعزيز سلطتها على أراضيها”.
سبق أن خاض لبنان “تجربة سلام قصيرة الأمد” مع إسرائيل عام 1983، من خلال “اتفاق 17 أيار” الذي وقّع في عهد الرئيس أمين الجميّل بعد اجتياح بيروت. ورغم أن الاتفاق حظي بموافقة البرلمان اللبناني بأغلبية كبيرة، إلا أنه ألغي عام 1984 تحت ضغط سوري.
ويرى حنكش أن ما يقوم به سلام، بالتعاون مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، من خلال خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، يهدف إلى “وضع حد للمغامرة التي أقحم الحزب فيها لبنان”، معتبراً أن هذا المسار “يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح”.
بدوره، يشدّد العاقوري على أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل خطوة ملحّة للبنان في ظل ما اقحمه الحزب به.
وفي تطور لافت، أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية، في بيان، أن اتصالات دولية وعربية قادها عون أفضت إلى تكليف وزارة الخارجية الأميركية بدور الوسيط بين لبنان وإسرائيل.
وبحسب البيان، جرى أول اتصال هاتفي بين الجانبين، حيث مثّل لبنان سفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض، فيما مثّل إسرائيل سفيرها في واشنطن يحئيل ليتر، وذلك بمشاركة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، على أن يُعقد أول اجتماع يوم غد الثلاثاء في مقر وزارة الخارجية الأميركية لبحث وقف إطلاق النار ومسار التفاوض.
في المقابل، أكد السفير الإسرائيلي في واشنطن أن بلاده ستبدأ مفاوضات سلام مع لبنان، مشيراً، وفق ما نقل موقع “أكسيوس”، إلى أن إسرائيل لم توافق حتى الآن على وقف إطلاق النار مع حزب الله.
وعلى عكس ما هدفت إليه التحركات، أدت الأحداث إلى إطلاق موجة تضامن داخلي مع سلام.
فقد حذّر “تجمع العشائر العربية في لبنان” من الانجرار إلى تحركات تهدد السلم الأهلي، مشدداً على أن زمن فرض الأمر الواقع بالقوة قد انتهى، وأن الدولة، عبر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، وبإرادة اللبنانيين، قادرة على فرض سيادتها وحماية الاستقرار، مؤكداً التمسك بمنطق الدولة والسلاح الشرعي.
من جانبه دعا النائب وضاح الصادق إلى منع التظاهرات والدراجات النارية في بيروت، تفادياً لانزلاق الوضع إلى سيناريو “شارع مقابل شارع”، فيما طالب النائب وليد البعريني حزب الله بوقف ما وصفه بالنهج الاستفزازي والمكابرة، داعياً إلى العودة إلى كنف الدولة.
من جهته، اعتبر النائب فيصل كرامي، الذي كان يُحسب سابقاً على محور “الممانعة”، أن ما يجري في بيروت “فوضى سياسية في غير مكانها وتوقيتها”، معتبراً أن التظاهرات “مضللة”، خصوصاً أن خيار التفاوض جاء بتوافق الرؤساء الثلاثة.
في ظل هذه التطورات، يقف لبنان بين مسار تفاوضي يلوح في الأفق، وشارع قابل للاشتعال في أيً لحظة، ما يجعل مهمة الدولة في احتواء التوتر أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
المصدر:
الحرة