"التاريخ لا يكرر نفسه لكنه عادة ما يتناغم"، مقولة للكاتب الأمريكي مارك توين استدعتها للذهن الأحداث الجارية حاليا في منطقتنا.
في 26 يوليو/تموز 1956، أعلن الرئيس جمال عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس التي كانت تدار بواسطة إنجلترا، وفرنسا أكبر مساهمَين فيها.
تبع ذلك في أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام قيام بريطانيا، وفرنسا، ومعهما إسرائيل بالهجوم على منطقة قناة السويس؛ بهدف الاستيلاء عليها، وهو ما أصبح يعرف بالعدوان الثلاثي.
وانتهت هذه الحقبة بانسحاب بريطانيا، وفرنسا في شهر ديسمبر/كانون الأول من نفس العام، وتلاه انسحاب إسرائيل من سيناء في شهر مارس/آذار 1957.
وقد جاء كل هذا نتيجة موقف الرئيس الأمريكي أيزنهاور، حيث إن العدوان تم بدون معرفة الولايات المتحدة، وقد هدد بفرض عقوبات اقتصادية شديدة على بريطانيا التي كانت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة في ذلك الوقت.
أضف إلى ذلك موقف الاتحاد السوفياتي، حيث ألمح الرئيس نيكيتا خروتشوف إلى إمكانية استخدام السلاح النووي إذا لم تنسحب كل من بريطانيا، وفرنسا.
وعودة إلى الاقتباس الذي أشرنا إليه في بداية المقال، وإذا ما اتفقنا على أن "التناغم" لا يعني "التطابق"، وإنما يحتمل أوجها للتشابه أو الاختلاف فقد يكون هناك مجال لمقارنة ما حدث عام 1956 وما هو حادث الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى؛ في محاولة لاستكشاف ما هو هناك من تشابه أو اختلاف بين الحالتين، وما يمكن استقراؤه بالنسبة للنتائج المحتملة.
وإذا بدأنا بأوجه التشابه، فسنجد أنه في حالة حرب 1956 استغلت الأطراف المعتدية واقعة معينة، هي تأميم مصر قناة السويس، للقيام بعملية عسكرية تتعدى أهدافها هذه الواقعة بالذات لتتقاطع في هدف تتفق عليه الأطراف الثلاثة المشاركة في العدوان، وهو العداء للنظام القائم في مصر آنذاك، وعلى رأسه الرئيس جمال عبدالناصر.
فبالنسبة لبريطانيا، فقد كان تأييد مصر حركات التحرر في أفريقيا- والتي كان العديد من دولها ما زال تحت الاحتلال البريطاني- يمثل مشكلة كبيرة لها سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
وبالنسبة للخلاف الفرنسي المصري، فقد كان يرجع أساسا إلى الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه مصر لجبهة التحرير الوطني الجزائري منذ عام 1954.
أما بالنسبة لإسرائيل فقد كان واضحا العداء الذي تكنه مصر لتلك الدولة، بما في ذلك عدم تقبلها وجودها في المنطقة أساسا.
ومن هنا، فقد وجدت الأطراف الثلاثة أنه قد تكون هناك فرصة مواتية للتخلص من هذا النظام التي تتشارك جميعها في معاداته.
وبالنسبة للوضع الحالي، فإن التشابه الواضح مع الوضع في عام 1956 يتمحور حول الهدف المعلن لبدء الحرب، وهو في هذه الحالة منع إيران من الحصول على قدرات نووية عسكرية، بينما في نفس الوقت هناك رغبة في تغيير النظام القائم منذ عام 1979 لما يتبناه من سياسات معادية لكل من إسرائيل، والولايات المتحدة، وتأييد حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
وإذا ما انتقلنا إلى أوجه الاختلاف بين الحالتين، فإن العنصر الذي يدفع بنفسه إلى المقدمة، هو أن القوة الرئيسية التي وضعت نهاية لحرب 1956- وهي الولايات المتحدة- هي الآن طرف في الحرب الدائرة مع إيران، في نفس الوقت الذي أدى فيه التغير في النظام الدولي- الذي كان سائدا منذ سبعين عاما أثناء أزمة السويس عندما كان هناك قطبية ثنائية تعتمد على توازن دقيق للقوى فيما بين المعسكرين الغربي والسوفياتي- إلى ما نراه الآن من قطبية أحادية تنفرد فيها الولايات المتحدة بالسيطرة التامة، الأمر الذي لا يسمح بوجود القوة القادرة على وضع نهاية للنزاع مثلما حدث في السابق.
الاختلاف الآخر، هو أنه مع وجود ممرين مائيين ذوَي أهمية قصوى للعالم ككل، قناة السويس ومضيق هرمز، إلا أنه في الحالة الأولى كان الممر هو السبب الأساسي في بدء الحرب، بينما في الوضع الراهن فإن إشكالية مضيق هرمز ظهرت كإحدى نتائج الحرب.
أضف لذلك أنه في الحالة الأولى كان الوضع القانوني لقناة السويس واضحا طبقا لاتفاقية القسطنطينية التي تحكم وضع وإدارة القناة، والتي أعلنت مصر تمسكها بها بعد قرار التأميم، بينما لا ينطبق مثل هذا الأمر على ممر هرمز الذي رغم أنه يقع داخل المياه الإقليمية المتشاركة بين كل من إيران وعُمان، فإن محاولة الأطراف للسيطرة المنفردة عليه ستواجه بالعديد من العقبات والمحاذير القانونية والسياسية، وربما العسكرية.
اختلاف ثالث بين الحالتين، يتعلق بالتطور الكبير في مجال العتاد العسكري والذي حدث خلال العقود السبعة الماضية منذ حرب السويس، مما جعل تأثير العمليات العسكرية الحالية يفوق بكثير ما حدث عام 1956 سواء من حيث القدرات التدميرية، أو توسيع نطاق المواجهات بما يتعدى الأطراف المباشرة ليشمل نطاقا أبعد إقليميا بل وربما دوليا.
وبالنسبة للنتائج، فإن ما يمكننا النظر فيه بقدر من اليقين، هو ما تمخضت عنه حرب 1956.
ففيما يتعلق بتغيير الأوضاع على الأرض، فقد بقيت قناة السويس تحت السيطرة المصرية التي أدارتها بكفاءة لم تكن متوقعة آنذاك.
وبالنسبة لتغيير النظام القائم في مصر أو على الأقل تغيير سياساته تجاه أطراف العدوان الثلاثي، نجد أن وضع النظام داخليا قد حظي بقوة إضافية نتيجة للالتفاف الشعبي حول القيادة الذي يحدث عادة في مواجهة أي عدوان خارجي، إضافة إلى أن انسحاب قوى العدوان، رغم أنه جاء أساسا نتيجة لتدخل قوى خارجية- الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي- فإنه اعتبر نصرا لمصر، وبالتالي للنظام.
وبالنسبة لسياسات النظام المصري الخارجية، فقد استمر، بل تزايد التأييد لحركات التحرر من الاستعمار البريطاني في أفريقيا، وكذلك التأييد القوي لجبهة التحرير الجزائرية في صراعها مع فرنسا، وهو ما انتهى بسقوط حكومة رئيس الوزراء أنتوني إيدن في بريطانيا، ووضع نهاية لما كان يعرف بالإمبراطورية البريطانية، وفي فرنسا كان الانسحاب من الجزائر، ووصول الجنرال ديغول إلى الحكم.
أما العداء بين مصر وإسرائيل فإنه استمر في التزايد حتى وصل ذروته مع حرب 1967 وما تبعها.
ومن ناحية الآثار على التسليح، فإن الفترة التالية لحرب 1956 شهدت التوسع الكبير في اعتماد مصر على التسليح من الكتلة الشرقية والذي كان قد بدأ عام 1955 بصفقة أسلحة من تشيكوسلوفاكيا، الأمر الذي تواكب معه دخول الاتحاد السوفياتي إلى الشرق الأوسط.
وعلى الجانب المواجه، فإن فرنسا في عام 1960 أصبحت رابع قوة نووية بعد أن قامت بتفجير أول قنبلة نووية في صحراء الجزائر.
وبالنسبة لإسرائيل فإن غالبية التقديرات تشير إلى حصولها على القنبلة النووية في الفترة من 1966-1967، حيث أصبحت سادس قوة نووية على مستوى العالم.
ورغم أنه قد يكون من الصعب إيجاد علاقة في حالة فرنسا بين حصولها على القنبلة النووية وما حدث في حرب 1956، فإن الوضع بالنسبة لإسرائيل يختلف، حيث إنه بعد تعرضها لضغط من الولايات المتحدة للانسحاب آنذاك، فقد كان التقدير أنها كقوة نووية ستكون في وضع أفضل لمقاومة مثل هذا الضغط في المستقبل، أو لفرض ما تراه من شروط في أي نزاع مسلح بوجه عام.
وهو ما ترى بعض التقديرات أنه تحقق في بدايات حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 عندما ألمحت إسرائيل للولايات المتحدة إلى إمكانية استخدام قدراتها النووية ما لم تمدها تلك الأخيرة بالعتاد اللازم وبالسرعة الكافية لمواجهة احتمال هزيمتها من مصر.
وفيما يتعلق بموضوع السلام بصفة عامة، فبعد حرب السويس تطلب الأمر ثلاثة وعشرين عاما تخللتها حربان للتوصل لعقد معاهدة للسلام بين مصر، وإسرائيل، وهو الذي ما زال يوصف بأنه "سلام بارد".
ومع استدعائنا ما ذكرناه من أن "التناغم" لا يعني "التطابق"، فهل نتوقع أن يتمخض الصراع الحالي عن بعض من نتائج صراع الماضي.
ليس أمامنا إلا الانتظار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة