آخر الأخبار

واشنطن بلا بوصلة.. أين ذهب خبراء أمريكا في الشأن الصيني؟

شارك

لم تعد الإشكالية في التنافس بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على الرسوم الجمركية أو سباق النفوذ الجيوسياسي، بل تجاوزتها لتصل حد قدرة واشنطن نفسها على فهم الصين من الداخل.

فبينما تواصل بكين تعزيز حضورها العالمي بثبات، يجد صانع القرار الأمريكي نفسه أمام خصم معقّد تتباين معه الرؤى والقيم، وتغدو أدواته لفهم الصين بلا فعالية ولا عمق يتطلبه هذا التحدي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من الذي حل محل أمريكا في تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخبارية؟
* list 2 of 2 جدعون ليفي: حرب إيران أسوأ من 7 أكتوبر في سجل نتنياهو end of list

ويحذّر خبراء من أن أدوات المعرفة التقليدية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في قراءة خصمها الآسيوي تتآكل تدريجيا، بما يفتح الباب أمام قرارات وسياسات تستند إلى تصورات منقوصة أو أحادية، ويطال هذا التآكل بالدرجة الأولى ما يُعرَف في الأوساط الأمريكية بـ"خبراء الصين" وهم المتخصصون الذين راكموا خبرة طويلة في دراسة الصين المعاصرة وتاريخها ومجتمعها ودولتها.

وكشف تحقيق مطول نشرته صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية استنادا إلى تقرير صادر عن "صندوق التعليم الأمريكي‑الصيني" أن عدد الطلاب والباحثين الأمريكيين الذين يدرسون في الصين تراجع تقريبا إلى خمس مستواه قبل عام 2019.

مصدر الصورة لقاء في كوريا الجنوبية بين الرئيسين الصيني والأمريكي (غيتي)

وهذه الأرقام لا تعني مجرد انخفاض في حركة التبادل الأكاديمي، بل تعكس انحسار قاعدة بشرية كان يُعوَّل عليها لتشكيل جسور معرفية بين المجتمعين الأمريكي والصيني، ولرفد مؤسسات صُنع القرار في واشنطن بخبرات ميدانية دقيقة عن الصين.

أزمة مركّبة

ويلفت التقرير إلى أن الأزمة لا تقتصر على الجامعات ومراكز البحث، بل تمتد أيضا إلى الدوائر السياسية، حيث يشهد عدد المسؤولين الأمريكيين الذين يمتلكون تجربة مباشرة وطويلة في التعامل مع الصين تراجعا ملحوظا. ويستشهد التحقيق بمقالة رأي نُشرت في صحيفة " نيويورك تايمز" تدعو قادة الولايات المتحدة إلى "رؤية الصين بأعينهم"، في إشارة إلى اتساع فجوة الخبرة الميدانية لدى الطبقة السياسية الأمريكية مقارنة بالماضي.

الأرقام لا تعني مجرد انخفاض في حركة التبادل الأكاديمي بل تعكس انحسار قاعدة بشرية كان يُعوَّل عليها لتشكيل جسور معرفية بين المجتمعين الأمريكي والصيني

وفي تعريفه لـ"خبراء الصين"، يشير المقال إلى أنهم أولئك الباحثون والدبلوماسيون والمختصون الذين يدرسون الصين من زاوية السياسة والإستراتيجيات والعلاقات الدولية، وغالبا ما يجمعون بين العمل الأكاديمي والخبرة العملية.

إعلان

ويستعرض نماذج من الجيل المخضرم، في مقدمتهم هنري كيسنجر الذي لعب دورا محوريا في تطبيع العلاقات بين بكين وواشنطن وحافظ على شبكة واسعة من العلاقات داخل الصين، إلى جانب أسماء أخرى مثل كينيث ليبرثال وتوماس كريستنسن.

غير أن كثيرا من رموز هذا الجيل المخضرم عادوا في السنوات الأخيرة إلى الجامعات ومراكز البحث، ما أثر في تلاميذهم الذين فضّل العديد منهم المسار الأكاديمي على الانخراط المباشر في أجهزة الدولة، ليساهم هذا الفراغ في توسيع نفوذ مراكز الأبحاث برسم ملامح السياسة الأمريكية تجاه الصين، ويخلق ما يشبه الانقسام بين معسكر "أكاديمي" أكثر حذرا وتعقيدا في مقاربته، ومعسكر "سياسي" يقوده باحثون وخبراء يميلون إلى التركيز على الأبعاد الأمنية والواقعية في العلاقة مع بكين.

وعلى مستوى الجيل الأصغر من المتخصصين الأمريكيين في الشأن الصيني، يلاحظ التقرير أن الاتجاه السائد يميل نحو مجالات الأمن والدفاع والعسكر، على حساب دراسة المجتمع والثقافة والتاريخ الصينيين بصورة شاملة.

مصدر الصورة هنري كيسنجر الذي لعب دورا محوريا في تطبيع العلاقات بين بكين وواشنطن (أسوشيتد برس)

وإلى جانب التحولات داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية، يسلط التحقيق الضوء على ما يصفه بـ"التأثير المانع" الذي أنتجته البيئة السياسية الأمريكية تجاه كل ما يتعلق بالصين منذ اعتماد واشنطن إستراتيجية "المنافسة بين القوى الكبرى"، وتكريس خطاب "المنافسة الشاملة" مع بكين عام 2017، فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعا في التمويل الفدرالي المخصص للدراسات الصينية في الجامعات، وتعليق عدد من برامج التبادل، وتشديد القيود على سفر الطلاب والأكاديميين إلى الصين تحت ذرائع أمنية.

كما يتوقف المقال عند "مبادرة الصين" التي أطلقتها وزارة العدل الأمريكية واستهدفت علماء من أصول صينية أو ذوي صلات بحثية بالصين، قبل إلغائها رسميا في عهد الرئيس جو بايدن، غير أن النهج الأمني -وفق التحقيق- لم يتوقف؛ إذ استمرت القيود على التعاون البحثي مع المؤسسات الصينية، وأقدمت جامعات أمريكية على إيقاف شراكات قائمة، بل ووجهت تحذيرات لطلابها من أن الدراسة في الصين قد تحمل "مخاطر أمنية" مثل الاحتجاز التعسفي.

وعلى المستوى السياسي يربط المقال بين هذه التحولات وبين تراجع نفوذ بعض "الصقور" المتشددين الذين تبنوا خطاب "التهديد الصيني" خلال إدارة دونالد ترمب الأولى، مشيرا إلى أن إدارة ترمب الثانية، رغم استمرارها في نهج التشدد تجاه الصين، فإنها أبعدت بعض هؤلاء من دائرة التأثير المباشر، ويرى التقرير أن ذلك يعكس توجها إضافيا نحو قرارات لا تستند بالضرورة إلى خبرة معمّقة أو نقاش موسّع مع المتخصصين.

وفي النهاية يقرر المقال أن الأزمة الراهنة ليست مجرد نقص عددي في المتخصصين الأمريكيين بالشأن الصيني، بل هي خطر أوسع إذ تتمثل في صياغة سياسة تجاه بلد بحجم الصين دون قاعدة معرفية راسخة ومتنوعة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا