توقفت الحرب مؤقتا.. لكن سؤال الردع صداه يقوى، فلم يعد الردع كما كان. هذه ليست مجرد ملاحظة نظرية، بل خلاصة مسار إقليمي متسارع كشف أن الخليج دخل مرحلة ما بعد الردع، ولم تعد القوة العسكرية التقليدية كافية لمنع التهديد، كما لم يعد الامتناع عن الحرب مرادفا للاستقرار.
رغم أن الصراع بين الأطراف المنخرطة فيه دخل منعطفا مهما تمثل بعقد هدنة لمدة أسبوعين برعاية باكستانية، لكن مجريات الأحداث التي تعيشها دول المنطقة تستدعي بحث سبل وأدوات جديدة في منظومة الأمن الخليجية، إذن أن ما نشهده اليوم هو انتقال من منطق "منع الفعل" إلى واقع تُدار فيه الأزمات تحت سقف التصعيد المستمر، دون الوصول إلى حرب شاملة ودون تحقيق ردع حقيقي.
في هذه البيئة الجديدة، يطرح السؤال: كيف يردع الخليج إيران أو غيرها، ويعيد تشكيل معادلة الكلفة والعائد، بحيث يصبح التصعيد بكل أشكاله خيارا غير مربح منذ البداية؟
تكمن المشكلة في أن طبيعة التهديد نفسها أعيد تعريفها. فالسلوك الإيراني لم يعد يقوم فقط على المواجهة المباشرة أو التهديد التقليدي، بل تطور إلى نمط أكثر مرونة وتعقيدا: ضربات محسوبة، رسائل عسكرية محدودة، استخدام للوكلاء، واستهداف انتقائي للبنية الحيوية والاقتصادية، بما يسمح بتحقيق ضغط إستراتيجي دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هذه الإستراتيجية لا تكتفي بتجاوز الردع التقليدي، بل تعيد صياغته عبر استغلال "المنطقة الرمادية" بين الحرب والسلام، حيث يصبح الرد القوي مكلفا سياسيا وقد يؤدي إلى الانخراط في الحرب، وفي نفس الوقت الرد المحدود غير كافٍ لإعادة التوازن.
الأخطر في التحولات الأخيرة ليس فقط تصاعد هذا النمط، بل اتساع مجاله ليشمل استهدافا أكثر مباشرة للبنية الحيوية، ورفعا تدريجيا لسقف المخاطرة، واختبارا مستمرا لحدود رد الفعل الخليجي والدولي.
هنا، يتحول الردع من كونه معادلة واضحة إلى لعبة مفتوحة من الإشارات المتبادلة، حيث لا يقاس النجاح بمنع الهجوم، بل بقدرة الأطراف على إدارة وتيرة التصعيد دون فقدان السيطرة عليه.
بمعنى آخر، إيران لا تراهن على الحرب، بل على قابلية الخليج للاستنزاف. وهي تفعل ذلك عبر فرضيتين أساسيتين:
الخطوة الأولى تبدأ من نزع القيمة الإستراتيجية للضربة المحدودة. فالهجوم، مهما كان دقيقا، يفقد معناه إذا لم يحقق أثرا ملموسا.
عندما تصبح المنشآت الحيوية أكثر قدرة على الصمود، وعندما يتم احتواء الأثر بسرعة، وعندما لا ينعكس الهجوم على القرار السياسي أو الاقتصادي، فإن العائد من التصعيد يتآكل.
هنا، تتحول المرونة، وليس فقط القوة، إلى عنصر أساسي في الأمن. حماية البنية التحتية، وتعدد مسارات الإمداد، والقدرة على التعافي السريع، كلها أدوات تحرم الضربة من أثرها، وبالتالي من قيمتها.
لكن كسر الفرضية الإيرانية لا يكتمل دون إدخال عنصر عدم اليقين في حساباتها. تعتمد طهران على فكرة أن بإمكانها قياس سقف الرد الخليجي مسبقا، وأن أي تصعيد سيبقى ضمن حدود يمكن التحكم بها؛ لأن دول الخليج لا ترغب منطقيا بالتصعيد.
هذه القناعة هي ما يجعل التصعيد المحسوب ممكنا. لذلك، فإن أحد أهم التحولات الخليجية يجب أن يتمثل في إنهاء هذه القدرة على التوقع. ليس عبر التصعيد العشوائي، بل عبر بناء نمط رد غير متماثل، غير فوري، وغير قابل للقياس المسبق.
عندما تصبح نتائج أي تصعيد غير واضحة بالنسبة لإيران، سواء من حيث التوقيت أو الساحة أو الأداة، فإن تكلفة القرار ترتفع حتى قبل تنفيذ الهجوم.
عمليا، يمكن أن يأخذ هذا النمط عدة أشكال.
كون هذه المرة الأولى التي تقوم إيران بالهجوم على دول الجوار، والمرة الثانية على قطر، فيمكن العمل على رد بشكل فردي لكل دولة أول ككتلة خليجية لرسم الخط الأحمر مع إيران خلال هذا التصعيد أو في مرحلة ما بعد التصعيد.
هنا، لا يكون الرد ضربة مقابلة، بل إعادة تشكيل تدريجية للبيئة التي تعتمد عليها طهران، فالنظام الإيراني يعتمد على شرعيته الدينية.
في هذا السياق، لا يكون الهدف الرد على كل ضربة، بل كسر منطق الضربة المحدودة نفسه. إذا لم تعد إيران قادرة على ضمان أن الضربة ستبقى محدودة في أثرها أو في ردود الفعل عليها، فإن جاذبية هذا النمط من السلوك تتراجع. هنا، يتحول الرد من فعل مباشر إلى عملية مستمرة لإعادة تشكيل بيئة القرار لدى الخصم.
أما الفرضية الثانية، والمتعلقة بشبكة الوكلاء، فهي أكثر تعقيدا. فالوكلاء ليسوا مجرد أدوات عسكرية، بل منظومة ضغط متعددة المستويات، تسمح لإيران بتوزيع التصعيد عبر ساحات مختلفة، وإبقاء الخليج في حالة استنزاف دائم. لذلك، فإن التعامل مع كل وكيل بشكل منفصل لا يكسر هذه المنظومة، بل يستهلك الجهد ويمنح إيران أفضلية توزيع الضغط.
كسر هذا الحصار يتطلب تحويل الوكلاء من أصل إستراتيجي إلى عبء.
أما في بيئة أكثر تنسيقا، خليجيا وإقليميا، فإن قدرته على المناورة تتراجع. التنسيق هنا لا يعني التطابق الكامل، بل وجود حد أدنى من الفهم المشترك بأن استهداف أي دولة هو استهداف للمنظومة ككل.
لكن الأهم من ذلك كله هو توسيع مفهوم الأمن نفسه. في مرحلة ما بعد الردع، لا يقاس الأمن بغياب الهجمات، بل بقدرة الدولة على امتصاصها وتقليل أثرها.
عندما تصبح الضربة غير قادرة على تعطيل الاقتصاد، أو إرباك القرار، أو فرض تغيير في السلوك، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية. بهذا المعنى، فإن المرونة الاقتصادية والمؤسساتية ليست عنصرا ثانويا، بل جزء من معادلة الردع الجديدة.
في النهاية، لا يسعى الخليج إلى منع كل تهديد، بل إلى إعادة تعريف نتائجه. الهدف ليس القضاء على التصعيد، بل جعله غير مجدٍ. وهذا يتطلب مزيجا دقيقا من المرونة، وعدم اليقين، والتنسيق، والقدرة على امتصاص الصدمات.
هذه هي معادلة ما بعد الردع: ليس منع الفعل، بل كسر منطقه. وعندما يفقد التصعيد المحدود قيمته، وتتحول شبكة الوكلاء إلى عبء، تصبح إيران أمام واقع جديد، ليس فيه الردع كما كان، ولكن فيه التصعيد أكثر كلفة، وأقل قابلية للنجاح.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة