تفتح التهديدات الأميركية باستهداف محطات الطاقة في إيران بابًا واسعًا أمام سيناريوهات معقدة تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، إذ يضع هذا الخيار البنية التحتية الحيوية في قلب المواجهة، بما يحمله من انعكاسات مباشرة على المدنيين والاقتصاد، ومخاطر تصعيد قد تمتد إلى كامل المنطقة.
لم تعد منشآت الطاقة في إيران بعيدة عن دائرة الاستهداف، بعدما طالت الضربات خلال الأسابيع الماضية مواقع لإنتاج الغاز ومستودعات النفط وطرق النقل. غير أن الانتقال من ضرب هذه المرافق إلى استهداف محطات توليد الكهرباء نفسها يرفع مستوى التصعيد إلى مرحلة مختلفة، نظرًا إلى ما تمثله هذه المنشآت من عنصر أساسي في استقرار الحياة اليومية وعمل القطاعات الاقتصادية.
وتضم إيران نحو 90 محطة لتوليد الكهرباء، فيما يعتمد هذا القطاع بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي الذي يؤمن قرابة 79 بالمئة من الكهرباء المنتجة في البلاد، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. وتتركز هذه المحطات حول المراكز الحضرية والصناعية الكبرى، ولا سيما في الشمال قرب طهران، إضافة إلى مواقع على ساحل الخليج حيث تتركز احتياطات الغاز.
وبحسب مجموعة مابنا الإيرانية للبنية التحتية للطاقة، تتصدر محطة دماوند هذه المنشآت من حيث القدرة الإنتاجية، تليها محطة الشهيد سليمي نكا في محافظة مازندران، ثم محطة الشهيد رجائي في محافظة قزوين، ما يعكس حساسية أي استهداف قد يطال هذا القطاع.
لا يأتي الحديث عن ضرب محطات الكهرباء في إيران من واقع مستقر، بل من قطاع يعاني أساسًا اختلالات مزمنة سبقت اندلاع الحرب. وفي هذا السياق، نقلت وكالة "فرانس برس" عن خبيرة الطاقة في كلية الدراسات العليا البحرية الأميركية بريندا شافير أن إيران كانت تواجه أزمة طاقة حادة حتى قبل التصعيد، مع نقص مزمن في الكهرباء والغاز الطبيعي والمنتجات النفطية المكررة.
وانطلاقًا من هذا الواقع، فإن أي استهداف إضافي لمحطات التوليد من شأنه أن يفاقم الأزمة القائمة، ويؤدي إلى زيادة حدة الانقطاعات في التيار الكهربائي.
كما أن اضطراب الشبكة الكهربائية سينعكس مباشرة على قطاعات صناعية رئيسية مثل الصلب والإسمنت والبتروكيميائيات وصناعة السيارات، التي تعتمد على إمدادات مستقرة من الطاقة.
ويمتد التأثير كذلك إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المستشفيات، التي تعتمد على مولدات ديزل تحتاج إلى تزويد مستمر بالوقود، ما يجعل قدرتها على الاستمرار مرتبطة باستقرار الإمدادات.
لا تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على الصناعة والخدمات الصحية، بل تشمل أيضًا قطاعات شديدة الحساسية في الحياة اليومية.
وفي ما أوردته وكالة "فرانس برس" عن خبير الطاقة في الشرق الأوسط لدى شركة رايستاد إنرجي نيشانت كومار، فإن استهداف محطات التوليد سيؤدي إلى زعزعة استقرار الشبكة الكهربائية، والتسبب بانقطاعات محلية متكررة.
ويشير التقدير نفسه إلى أن القطاعين المصرفي والاتصالات من بين أكثر القطاعات هشاشة، إذ تعتمد أجهزة الصراف الآلي وفروع المصارف على طاقة احتياطية محدودة، فيما تعتمد أبراج الاتصالات على بطاريات لا تدوم عادة أكثر من ساعتين إلى أربع ساعات، ما يعني أن أي انقطاع طويل قد يؤدي إلى شلل واسع في هذه الخدمات.
ورغم ارتباط شبكة الكهرباء الإيرانية بشبكات دول مجاورة مثل تركيا وأرمينيا، فإن قدرتها على تعويض أي نقص كبير تبقى محدودة.
في المقابل، لا يبدو أن استهداف محطات الكهرباء يحقق مكاسب عسكرية حاسمة، وفقًا لتقديرات مراكز أبحاث غربية.
فقد كتب المحللان جوزيف ويبستر وجينجر ماتشيت في المجلس الأطلسي أن الجيش الإيراني لا يرتبط بشكل كبير بشبكة الكهرباء الوطنية، بل يعتمد أساسًا على وقود مثل الديزل ووقود الطائرات.
وبذلك، فإن هذا النوع من الضربات قد يؤدي إلى إلحاق ضرر واسع بالبنية التحتية المدنية والسكان، من دون تأثير جوهري على القدرات العسكرية، ما يثير تساؤلات حول جدواه العسكرية.
وفي السياق نفسه، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن استهداف البنى التحتية المدنية قد يشكل جريمة حرب، في ظل التحذير من تصاعد الخطاب التحريضي.
في حال استهداف هذا القطاع، لا تبدو طهران في وارد تركه من دون رد. فقد أظهرت خلال التصعيد الحالي توجهًا نحو الرد بالمثل، عبر استهداف منشآت طاقة لدى خصومها أو في محيطهم.
وقد تجلى ذلك عندما تم استهداف حقل غاز بارس الجنوبي، حيث ردت إيران بإلحاق أضرار بمنشأة رئيسية لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر.
كما لوح الحرس الثوري الإيراني بإمكانية تنفيذ خطوات قد تؤدي إلى حرمان الولايات المتحدة وحلفائها من النفط والغاز في المنطقة لسنوات، في إشارة إلى احتمال استهداف منشآت حيوية في دول الخليج، مثل الموانئ وخطوط الأنابيب.
ولا يستبعد أن تمتد هذه التهديدات إلى محطات تحلية المياه، التي تشكل مصدرًا رئيسيًا لمياه الشرب في عدد من دول الخليج.
مع اتساع أي مواجهة، قد تدفع إيران بحلفائها، وخصوصًا الحوثيين في اليمن، إلى الانخراط بشكل أكبر في العمليات.
وقد يؤدي ذلك إلى تهديد الملاحة في البحر الأحمر، على غرار ما حدث خلال الحرب الإسرائيلية على غزة.
وفي هذا الإطار، نقلت وكالة فرانس برس عن الباحث في مركز تشاتام هاوس في لندن فاريا المسلمي أن الحوثيين هم "أقرب وأفضل موقعًا" من إيران لاستهداف بنى تحتية سعودية وقواعد غربية في الخليج.
لا يبدو استهداف محطات الطاقة في إيران مجرد خطوة عسكرية إضافية، بل خيارًا محفوفًا بتداعيات واسعة، تمتد من الداخل الإيراني إلى محيطه الإقليمي، وتشمل أبعادًا إنسانية واقتصادية وأمنية، ما يجعله عاملًا قد يدفع نحو تصعيد يصعب احتواؤه.
المصدر:
يورو نيوز