بغداد- يضبط العراقيون عقارب ساعاتهم على توقيت البيت الأبيض بدلا من التوقيت المحلي، فما هي إلا ساعات فقط وتنتهي مهلة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي كان قد منحها لإيران لأجل تقديم تنازلات وفتح مضيق هرمز والتخلي عن الملف النووي، أو تعمل واشنطن على تدمير شامل للبنى التحتية في إيران بما تشمل من منشآت الطاقة والجسور وغيرها.
تهديد يتوقع أن يؤدي إلى رد فعل مقابل أكده الحرس الثوري الإيراني عبر تأكيده استهداف جميع منشآت الطاقة في دول الخليج وإسرائيل.
مآلات خطيرة وتبعات قد لا يمكن توقعها إذا ما حصل هذا السيناريو الذي سيؤثر بشكل كبير على دول الخليج و العراق الذي قد يكون الأكثر تضررا فعليا، لا سيما أنه ووفق غالبية المراقبين للشأن العراقي، فإن بغداد جُرَّت إلى هذه الحرب بطريقة غير رسمية عبر الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة تجاه المصالح الأمريكية وإقليم كردستان كذلك.
سجلت المصالح الأمريكية في العراق عشرات الضربات بعد بدء الحرب على إيران، وتعرضت السفارة الأمريكية ومعسكر الدعم اللوجستي داخل مطار بغداد الدولي لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ما أدى لإعلان واشنطن انسحابها من معسكر الدعم اللوجستي قبل أسبوعين وإعلان سفارة واشنطن ببغداد عن جائزة بقيمة 3 ملايين دولار تمنح لمن يبلغ عن الجهات التي تستهدف مصالح الولايات المتحدة.
وفي حال نفذت واشنطن تهديداتها بتدمير إيران وإعادتها للعصر الحجري، وفق ما يدعيه ترمب، فإن هناك احتمالا كبيرا لاستهداف سفارة واشنطن في بغداد، وذلك وفق ما يؤكده الخبير الأمني حسن العبيدي، الذي أضاف أنه من غير المستبعد أن تحاول مجموعات مسلحة اقتحام المنطقة الخضراء وصولا إلى مقر السفارة بما قد يؤدي إلى تدخل واشنطن عسكريا في هذه الحالة واندلاع مواجهات ستُحدد بموجبها سيناريوهات عديدة.
وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح العبيدي أن الحكومة قد تكون مضطرة لتحديد موقف صريح لا لبس فيه وأن تخرج من المنطقة الرمادية التي تحاول من خلالها -منذ بدء الحرب على إيران- تجنب مواجهة مسلحة مع مجموعات وفصائل استهدفت البعثات الدبلوماسية وكذلك المصالح العراقية وآبار النفط والقواعد العسكرية للبلاد، بما قد يعني مواجهة مسلحة بين الحكومة وأجهزتها الأمنية من جهة وبين هذه الفصائل من جهة أخرى، الأمر الذي قد يفجر الأوضاع الأمنية في العديد من المدن العراقية.
من جانبه، يرى الباحث السياسي والإستراتيجي رعد هاشم -في حديثه للجزيرة نت- أن توقع اقتحام السفارة يبدو سيناريو صعبا للغاية وقد يولد اصطداما مباشرا مع قوات جهاز مكافحة الإرهاب العراقي الذي تولى حمايتها، وهو ما لا يرغب به الساسة في البلاد، مضيفا "لكن تبقى جميع الخيارات مفتوحة بما فيها محاصرة السفارة وتطويقها والضغط على الحكومة بصورة أكبر".
وبالتحول من بغداد إلى إقليم كردستان، حيث لا تكاد الهجمات تتوقف عليه منذ نحو 5 أسابيع، وهو ما أكدته بيانات حكومة إقليم كردستان التي رصدت 25 هجوما بطائرات مسيّرة في ليلة واحدة فقط مع خسائر مادية كبيرة.
ويعلق الصحفي الكردي كيلان ميرو على احتمالية زيادة استهداف إقليم كردستان في حال تنفيذ ترمب لوعيده بالقول "هم منذ أسابيع يقصفون أربيل ودهوك والسليمانية، ما الذي قد يفعلونه أكثر! نحن في الإقليم نواجه أخطر مرحلة منذ عام 2003 وتعجز حكومة بغداد عن محاسبة المهاجمين الذين تعلم من هم بل وتجلس معهم".
وفي مداخلة هاتفية مع الجزيرة نت، يرى ميرو أنه لا يمكن للفصائل المسلحة أن تصعِّد بصورة أكبر مما حصل، فقد فعلت كل ما بوسعها، وحكومة الإقليم واعية بما يجري وتعمل جاهدة للحد من تأثير الأوضاع الحالية على حياة المواطنين، وفق تعبيره.
وبالعودة إلى رعد هاشم، يرى أن الفصائل المسلحة قد تتجه فعليا في حال تصاعد الأوضاع إلى استهداف أشد للقنصلية الأمريكية في أربيل، فضلا عن احتمالية استهداف أربيل بالكامل بما فيها الأهداف المدنية كذلك.
ومنذ بدء الحرب على إيران، تتبنى الفصائل المسلحة في العراق منذ أسابيع استهداف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة عبر بيانات يومية، حيث تحصي هذه الفصائل أعداد عملياتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ وتنشرها على منصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي.
في غضون ذلك، يشير الباحث السياسي رياض العلي أن الفصائل المسلحة في العراق تجنبت حتى الآن الإعلان عن استهداف إسرائيل في محاولة قد تبدو لتجنب ضربات إسرائيلية مباشرة، مبينا أنه ورغم أن مقرات هذه الفصائل ومقرات الحشد الشعبي تتعرض منذ 4 أسابيع لغارات جوية في العاصمة بغداد وفي محافظات بابل والأنبار وكركوك وصلاح الدين ونينوى، فإنها تبدو ردا أمريكيا على استهداف مصالح واشنطن.
وفي مكالمة هاتفية مع الجزيرة نت، بيّن العلي أن الفصائل المسلحة أعلنت صراحة عن استهداف دول الخليج، لا سيما أنها بثت مقاطع فيديو لعمليات حربية بالطائرات المسيّرة والصواريخ ومن مناطق حدودية على ما يبدو، علاوة على ذلك، فإنه وفي حال أقدم ترمب على وعيده، فإن هذه الفصائل قد تدخل فعليا على خط استهداف واسع لمنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه في الكويت بسبب القرب الجغرافي من الحدود الجنوبية للعراق، وفق قوله.
ويختتم العلي حديثه بالإشارة إلى أن أي فعل من هذا القبيل قد يؤدي لرد دول الخليج عسكريا على استهداف الفصائل العراقية لها، مع احتمالية كبيرة للرد واستهداف الأطراف المتسببة بذلك، وفق قوله.
وكانت الأسواق العراقية قد شهدت منذ بدء الحرب على إيران ارتفاعا كبيرا في أسعار السلع الغذائية التي تدخل في صلب الحياة اليومية للعراقيين، فضلا عن ارتفاع سعر صرف الدولار في الأسواق الموازية بما لا يقل 7% ليصل إلى 1550 دينارا للدولار مقابل 1440 دينارا قبل 5 أسابيع.
وسجلت أسعار بعض المواد الغذائية ارتفاعا ملحوظا بحوالي 30% في زيت الطهي ومعجون الطماطم والأرز وغيرها من المواد الغذائية، مدفوعا بانقطاع سلاسل التوريد الغذائية التي كانت تعتمد بالدرجة الأولى على النقل البحري عبر مضيق هرمز الذي لا تزال إيران تمنع المرور منه.
ويقول الخبير الاقتصادي، ميثم محمد، إن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي لارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، مبينا أنها قد تشهد ارتفاعا بنسبة 50% خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، فضلا عن تأثر البلاد بسلاسل التوريد وتعقيد الوضع الاقتصادي والسياسي داخل العراق، مشيرا إلى أن المنافذ الحدودية التي يستورد منها العراق هي تركيا والأردن بصورة رئيسية إضافة إلى الموانئ على الخليج العربي.
وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح أن الاستيراد من تركيا يواجه معضلة داخلية تتمثل باستيفاء إقليم كردستان للتعرفة الجمركية، إضافة إلى استيفائها من قبل الحكومة عن السلع ذاتها، بما يسهم في ارتفاع أسعار السلع الغذائية، في حين أن العراق يستورد من الأردن كميات أقل من الغذاء مع استمرار تعطل كبير في المنافذ الحدودية مع سوريا التي لا تزال مؤشراتها لا تقارن بما كانت عليه قبل سنوات الثورة السورية، وفق قوله.
وفي ظل تصاعد الأوضاع الإقليمية، تناقلت وسائل إعلام محلية أنباء تفيد بنقل سلطة الطيران المدني أسطول طائرات الخطوط الجوية العراقية خارج البلاد لحمايتها من أي استهداف، في الوقت الذي نفت فيه سلطة الطيران المدني ذلك وأكدت أن جميع الطائرات جاثمة في المطارات العراقية.
وفي حديث صحفي، نفى جهاد الديوان المتحدث باسم سلطة الطيران المدني إجلاء طائرات الخطوط الجوية إلى خارج البلاد، مبينا أنه وفي حال اتخاذ هكذا قرار، فإن سلطة الطيران المدني ستعلنه بشكل رسمي.
وتعليقا على ذلك، أوضح الخبير الإستراتيجي رعد هاشم أن نفي سلطة الطيران المدني لذلك قد يفهم منه أن الحكومة لا تريد إعلان ذلك انطلاقا من سعيها فعليا لحماية هذه الطائرات من الاستهداف وعدم متابعة وملاحقة حركة هذه الطائرات من قبل المجاميع المسلحة التي سبق وأن استهدفت مصالح اقتصادية عراقية مثل طائرة الشحن العسكرية من طراز "أنتونوف" في إحدى القواعد الجوية العراقية وتدميرها، فضلا عن استهداف الحقول النفطية جنوب البلاد، وفق قوله.
ستحدد الساعات المقبلة مصير منطقة الشرق الأوسط والعراق بشكل خاص، فالبلاد التي تشهد شللا سياسيا منذ 5 أشهر وصعوبات اقتصادية بالغة، تسببت الحرب على إيران بمزيد من الصعوبات السياسية والأمنية والاقتصادية لها على أمل أن تتجنب البلاد تبعات حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة