آخر الأخبار

"انعزال الجنوب".. تقوقع أم سعي حثيث لمواجهة أمريكا وحلفائها؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تشهد العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة ظاهرة متنامية يطلق عليها الباحثون والإعلاميون "الانعزال العظيم"، إذ تتجه دول الجنوب العالمي إلى حماية نفسها من ارتدادات الأزمات التي تصنعها القوى الكبرى بدل الاكتفاء بدور المتلقي المتضرر.

فلم تعد هذه الدول تتقبل فكرة أن تكون مجرد ساحة لتصدير التضخم، أو مسرحا للحروب بالوكالة، أو خزانا للموارد، بل بدأت تبني بهدوء جدارا مناعيا يشمل الاقتصاد والسياسة وربما أكثر من ذلك.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 طهران تحذر من "كارثة لا يمكن إصلاحها" بعد استهداف محطة بوشهر
* list 2 of 3 تسلسل زمني لإنذارات ترمب بشأن مضيق هرمز
* list 3 of 3 نزيف الطائرات والمليارات.. كلفة الحرب الأمريكية على إيران تتفاقم end of list

ناقش هذه الظاهرة الباحث جانغ جي بنغ في مقاله المنشور على صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية بوصفها ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية، تسعى من خلالها دول الجنوب العالمي إلى عزل نفسها عن تداعيات السياسات الأمريكية.

لم تعد دول الجنوب العالمي تتقبل فكرة أن تكون مجرد ساحة لتصدير التضخم، أو مسرحا للحروب بالوكالة، أو خزانا للموارد، بل بدأت تبني بهدوء جدارا مناعيا

مشروع تراكمي

أوضح المقال أن هذه الظاهرة ليست صادرة عن القوى الكبرى، بل هي مشروع تراكمي من الدول الصغيرة والمتوسطة التي تعمل على بناء "جدار حماية" اقتصادي وجيوسياسي من القاعدة إلى القمة.

وشبَّه الكاتب النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بجهاز تكييف يبرد مركزه عبر ضخ الحرارة إلى الأطراف، فرفع أسعار الفائدة الأمريكية يصدّر التضخم إلى الأسواق الناشئة، والحروب بالوكالة تنقل الأخطار إلى مناطق بعيدة.

وأضاف أن دول الجنوب بدأت تغلق هذه الثغرات عبر تعزيز استقلالها الدفاعي والاقتصادي وتأكيد سيادتها على مواردها الطبيعية.

وفي هذا السياق، كانت تقارير لوكالة الأنباء الصينية (شينخوا) قد نقلت تصريحات للرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن دعوات الصين لإصلاح الحوكمة والمالية العالمية، قال فيها "إن النظام المالي الدولي الحالي يزيد من هشاشة الدول النامية أمام تقلبات سياسات النقد في الدول المتقدمة، وإنه بحاجة إلى إصلاح ليصبح أكثر عدالة وشمولا".

إعلان

قطار جاكارتا

واستحضر الكاتب مثال القطار السريع بين جاكرتا وباندونغ الذي تم دون أي رأس مال غربي، ولكنْ فقط من خلال زيادة التعامل بالعملات المحلية بين دول رابطة آسيان لتقليل أخطار تقلبات الصرف.

وأكد أن دول جنوب شرق آسيا تسير بخطى متسارعة نحو الاكتفاء الذاتي المالي دون الحاجة إلى التمويل الغربي. وتابع أن هذا الزخم المضاف إلى مبادرات، مثل مشروع "إمبريدج" (mBridge) بين الصين وتايلاند والإمارات والسعودية وهونغ كونغ، يبرهن على إمكانية تجاوز نظام التحويل المالي الغربي التقليدي.

أما في مجال الموارد الطبيعية، فقال الكاتب إن دولا مثل تشيلي وإندونيسيا وإكوادور قد اتخذت بالفعل خطوات عملية لإعادة السيطرة المحلية على ثرواتها.

"الانعزال العظيم" يمثل توافقا ضمنيا وتلقائيا بين دول الجنوب العالمي مدفوعا بغريزة البقاء في ظل نظام دولي مضطرب

انسحاب!

وبشأن تأكيد أن ظاهرة "الانعزال العظيم" لا تشكل انسحابا من بعض الدول بقدر ما هي إعادة تموضع وبناء قنوات بديلة تتجاوز احتكار الشمال، أورد موقع "شبكة إعلام الجنوب العالمي" الإخباري تقريرا عن لقاء قيادات إعلامية من دول الجنوب العالمي في مدينة شيآن الصينية.

وكان هدف اللقاء هو "إعادة تشكيل تدفقات المعلومات العالمية بما يعكس وجهات نظر دول الجنوب، ولكي لا تبقى مجرد متلقية لسرديات تُصاغ في الشمال".

ويرى التقرير أنه رغم الصعوبات السياسية والاقتصادية، فإن هذا "الانعزال العظيم" يمثل توافقا ضمنيا وتلقائيا بين دول الجنوب العالمي مدفوعا بغريزة البقاء في ظل نظام دولي مضطرب.

لكنَّ التحدي الأهم يكمن في قدرة هذه الدول على معالجة مشكلاتها الداخلية من فساد وفجوات اجتماعية، كي لا تتحول بدورها إلى "أداة ضغط" تهدد استقرارها من الداخل.

صحوة الجنوب العالمي

ولم تأتِ فكرة ظاهرة "الانعزال العظيم" من فراغ، بل تتقاطع مع سردية متنامية في الإعلام الصيني بشأن "صحوة الجنوب العالمي"، إذ تؤكد صحيفة غلوبال تايمز الصينية أن هذا الجنوب الذي يمثل 85% من البشرية لم يعد يقبل بدور هامشي، بل يبني أنظمة موازية ويتحدى الهيمنة المالية ويطالب بتعددية حقيقية.

وفي قراءة للصحيفة نفسها، فإن تدخلات واشنطن الأحادية -من فنزويلا إلى إيران- تدفع الدول النامية إلى نوع من "الحياد البراغماتي" عبر تسريع التكاملات الإقليمية وبناء احتياطات إستراتيجية "لتخفيف الصدمات وكسب القدرة على المناورة"، بما يجعل "الحياد ضرورة حين تصبح السيادة سلعة قابلة للمساومة".

ويخلص التقرير إلى أن دول الجنوب العالمي لم تعد تنتظر إذن القوى الكبرى لاستعادة سيادتها واستقرارها، فهي تبني جدارها الواقي بجهود ذاتية ومتزامنة.

تحركات دول الجنوب العالمي نحو "الانعزال العظيم" تعكس انتقالا من موقع المتأثر بالقرارات الخارجية إلى موقع الفاعل الساعي لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية

أما بالنسبة لواشنطن وحلفائها في الشمال العالمي، فالسؤال لم يعد إن كانوا يوافقون على هذا الاتجاه أم لا، بل إن كانوا قادرين على التأقلم معه في عالم متعدد الأقطاب، إذ ينبغي لكل قوة أن تتعلم كيف "تُبرّد بيتها بنفسها".

إعلان

وبالنتيجة، فإن تحركات دول الجنوب العالمي نحو "الانعزال العظيم" تعكس انتقالا من موقع المتأثر بالقرارات الخارجية إلى موقع الفاعل الساعي لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية بما يخدم مصالحه.

وتدل المؤشرات على أن بناء شبكات بديلة في التمويل والطاقة والإعلام لم يعد خيارا نظريا، بل مسارا عمليا يتقدم رغم العقبات، وهو ما يفرض على القوى الكبرى قراءة هذه التحولات بجدية أكبر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا