وصفت دراسات حديثة وتقديرات محللين القرارات التي اتخذها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في 2 أبريل الماضي، بإعادة هيكلة القيادة العسكرية وتعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسا للأركان، بأنها تمثل تحولا بارزا في إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الجيش، وخطوة واضحة نحو ترسيخ السيطرة العسكرية على القرار السياسي في السودان.
قراءة في الخلفيات الأيديولوجية
وذكرت دراسة تحليلية حديثة أصدرها مركز التقدم للسياسات Progress Center for Policies أن إحالة عدد من الضباط إلى التقاعد لا يمكن فصلها عن خلفياتهم الأيديولوجية، مشيرة إلى أن بعضهم يرتبط بشبكات إسلامية متنفذة تعود إلى حقبة الرئيس المعزول عمر البشير.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه التغييرات تأتي في ظل تصاعد الحساسيات الإقليمية والدولية تجاه جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان، ما يضفي على القرارات أبعادا تتجاوز الإطار العسكري إلى اعتبارات سياسية وأمنية أوسع.
وتتقاطع هذه القراءة مع تقديرات مراقبين ومحللين سياسيين، وتقارير تشير إلى أن البنية المؤسسية للجيش السوداني ما تزال تحمل إرثا طويلا من "التمكين" الذي عزز حضور الإسلاميين داخل الأجهزة العسكرية والأمنية.
إعادة بناء القيادة أم تركيز السلطة؟
وأضافت الدراسة أن إعادة الهيكلة شملت مفاصل أساسية داخل المؤسسة العسكرية، من العمليات إلى الاستخبارات واللوجستيات، ما يعكس توجها نحو إعادة بناء شاملة لسلسلة القيادة، وليس مجرد تعديل إداري محدود.
ورأت أن هذه الخطوة تعكس إدراكا متزايدا بفشل البنية القيادية السابقة في إدارة حرب طويلة ومعقدة، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام تركيز أكبر للسلطة داخل الدائرة الضيقة للقيادة العسكرية.
وتدعم تحليلات أخرى صادرة عن مراكز بحثية غربية هذا الاتجاه، معتبرة أن الجيوش في سياقات الحروب الممتدة غالبا ما تلجأ إلى إعادة هيكلة قياداتها، ليس فقط لتحسين الأداء، بل لإعادة إحكام السيطرة السياسية والعسكرية معا.
وفي هذا السياق، يرى أليكس دي وال، الباحث المتخصص في الشؤون السودانية، أن العنف في سياقات النزاعات يستخدم كأداة ضمن التنافس السياسي وإعادة تشكيل موازين القوة، وهو ما يعكس ميل القيادات إلى إعادة ترتيب النفوذ داخل المؤسسات خلال الحروب الممتدة.
السودان في قلب التوازنات الإقليمية
ولفتت الدراسة إلى أن استمرار ارتباط بعض مكونات السلطة العسكرية بشبكات أيديولوجية أو محاور إقليمية، خاصة تلك المرتبطة بإيران، يثير قلقا متزايدا لدى أطراف دولية وإقليمية، لا سيما في ظل حساسية موقع السودان على البحر الأحمر.
واعتبرت أن هذه الارتباطات قد تجعل السودان ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، بما يهدد الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز تحليلات صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن تنامي الحضور الإيراني في البحر الأحمر و القرن الإفريقي يزيد من حساسية موقع السودان، ويضعه ضمن دائرة التوتر الإقليمي، بما قد يثير استجابات حادة من الأطراف الإقليمية المعنية بأمن هذا الممر الحيوي.
صراع نفوذ أم إعادة تموضع؟
وبحسب الدراسة، فإن إعادة هيكلة الجيش السوداني لا تمثل مجرد خطوة تنظيمية، بل تعكس صراعا داخليا على النفوذ، ومحاولة لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية سياسيا وأيديولوجيا.
وفي هذا السياق يقول جمال الدين حسين، مقدم متقاعد من الجيش السوداني، لسكاي نيوز عربية: "في حين يتم إلهاء الناس بتركيز أنظارهم على وجود الإسلاميين داخل الجيش، يتناسون وجودا أكبر لهم داخل أجهزة استخباراتية وأمنية أخرى".
وأضاف حسين: " جهاز المخابرات العامة تابع بالكامل للحركة الإسلامية السودانية، وهو أحد أذرعها الرئيسية. جميع ضباطه إسلاميون منظمون مئة بالمئة، وإذا أضفنا إليهم الكتائب والمليشيات الإسلامية التي تحارب بجانب الجيش، والتي غالب أفرادها، إن لم يكن جميعهم، يحملون بطاقات عسكرية تابعة للمخابرات، فيمكنك حينها معرفة حجم الخداع الذي يمارسه الإسلاميون".
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن قيادة الجيش السوداني، التي تحني رأسها حاليا أمام التوجه الإقليمي والدولي المتشدد ضد الجماعات الإسلامية، تسعى في الواقع إلى تكريس سلطة عسكرية نافذة في الحكم، تحول دون أي انتقال مدني ديمقراطي حقيقي، تعيد إنتاج الإسلاميين من بوابة الحكم، لا سيما أنهم يمثلون حاضنة سياسية له.
ويمتد وجودهم إلى الحضور العسكري داخل جهاز المخابرات، الذي ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره خاضعا بالكامل لسيطرة الحركة الإسلامية، خصوصا بعد أن تحول إلى قوة عسكرية كبيرة عقب استيعابه لكتائب ومليشيات مرتبطة بالإسلاميين.
وعليه، فإن ما يجري لا يبدو كعملية تفكيك لنفوذ الإسلاميين، بقدر ما هو إعادة تموضع أكثر تعقيدا داخل بنية السلطة، لمواجهة أي تسوية سياسية تقود إلى حكم مدني.
المصدر:
سكاي نيوز