آخر الأخبار

"يعمل كالسحر".. كيف يدير مشروع ميفين الضربات الأمريكية على إيران؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في اليوم الأول من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، نفذ الجيش الأمريكي أكثر من ألف ضربة على أهداف مختلفة داخل البلاد، في وتيرة عملياتية غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة.

وقد جعل نظام الذكاء الاصطناعي العسكري المعروف باسم "مشروع ميفين" هذا الرقم الكبير من الأهداف ممكنا، في ظل أدائه دورا هاما في تحديد الأهداف العسكرية للجيش الأمريكي.

وأدى الاعتماد المتزايد على "مشروع ميفين" خلال العمليات العسكرية ضد إيران إلى تغيير طبيعة الحرب نفسها، إذ أصبحت الخوارزميات تحلل البيانات وتقترح الأهداف بسرعة تفوق قدرة البشر.

إدارة ساحة المعركة

أطلقت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) "مشروع ميفين" عام 2017 لمعالجة مشكلة التدفق الهائل من صور الطائرات المسيّرة، بعدما كان المحللون العسكريون يقضون ساعات طويلة في مراجعة تسجيلات فيديو بحثا عن تفاصيل قد تظهر لثوان معدودة، مما جعل عملية تحديد الأهداف بطيئة.

وصُمم المشروع في البداية كأداة تقنية تساعد على تسريع هذه المهمة، عبر استخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحليل الصور والفيديو تلقائيا، والتعرف إلى الأجسام والأنماط العسكرية، ثم عرض النتائج على القادة العسكريين.

ومع توسع استخدام المسيّرات والأقمار الصناعية وارتفاع حجم البيانات العسكرية، لم يعد تحليل الصور وحده كافيا لإدارة العمليات.

لذلك تطور النظام تدريجيا ليجمع معلومات من مصادر متعددة، تشمل صور الأقمار الصناعية والرادارات وتقارير الاستخبارات، في منصة واحدة تساعد على فهم المشهد العملياتي بشكل أسرع.

وبحسب مسؤول عسكري في القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، يعتمد النظام على تدفق معلومات من 179 مصدر بيانات مختلفا، تشمل الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار وتقارير الاستخبارات، مما يسمح ببناء صورة عملياتية متكاملة في وقت قصير، وفق ما نقلته صحيفة واشنطن بوست.

إعلان

وقال مدير مركز وادواني للذكاء الاصطناعي -ومقرّه واشنطن– إن "ميفين" يحلل صور الأقمار الصناعية بسرعة عالية لرصد تحركات أو تحديد أهداف، بينما "يرسم صورة فورية للمسرح العملياتي" لتحديد أفضل خطة للضربة المقرّر تنفيذها.

كذلك، وصف مسؤول في البنتاغون -خلال عرض أُقيم مؤخرا عبر الإنترنت- "ميفين" بأنه يحوّل "كالسحر" التهديد الذي رُصد إلى عملية استهداف، ويقيّم الحلول المتاحة، كما يوفر للقيادة مجموعة من الخيارات.

وبذلك تحول المشروع إلى نظام يدعم التخطيط واتخاذ القرار، ويختصر الوقت بين رصد الهدف وتنفيذ الضربة.

تسريع "سلسلة القتل"

وأحدث "مشروع ميفين" تغييرا هاما فيما يعرف عسكريا باسم "سلسلة القتل"، وهي المدة الزمنية بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة. ففي الحروب التقليدية، كانت هذه العملية تستغرق ساعات أو أياما، بسبب الحاجة إلى مراجعة المعلومات والتأكد من صحتها.

لكن مع إدخال الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن تقليص هذه المدة إلى دقائق أو ثوان. إذ يقوم النظام بتحليل البيانات فور وصولها، وتحديد موقع الهدف بدقة، ثم اقتراح خيارات عسكرية للقادة، بما في ذلك نوع السلاح المناسب وتوقيت الضربة.

وتشير تقارير أمريكية إلى أن النظام أصبح جزءا من الاستخدام اليومي داخل الجيش الأمريكي، ويستخدمه 20 ألف جندي لتحليل المعلومات اللوجستية والاستخباراتية، وتخطيط العمليات، وحتى تقييم نتائج الضربات بعد تنفيذها.

مصدر الصورة "سنتكوم" تنشر بشكل شبه يومي مشاهد لعمليات استهداف في إيران لكنها لم تُفصح عن استخدام "ميفين" (رويترز)

قصة الملكية

لكن "مشروع ميفين" لم يأت نتاج عمل مؤسسة عسكرية فقط، بل نتيجة تعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة، وهو تعاون أثار جدلا واسعا حول دور الذكاء الاصطناعي في الحروب.

في البداية، كانت شركة غوغل المزود الرئيسي للتكنولوجيا في "مشروع ميفين"، بعدما وقعت عقدا مع البنتاغون لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تساعد في تحليل صور المسيّرات.

غير أن الشركة واجهت احتجاجات داخلية عام 2018، عندما وقع أكثر من ثلاثة آلاف موظف رسالة مفتوحة تندد بمشاركة الشركة في هذا المشروع العسكري. كما استقال عدد من المهندسين اعتراضا على إبرام هذا العقد مع البنتاغون، معتبرين أنه يتجاوز الحدود الأخلاقية.

وتحت ضغط هذه الاحتجاجات، قررت غوغل الانسحاب من المشروع، وأعلنت لاحقا مبادئ جديدة تحظر المشاركة في تطوير أنظمة أسلحة. لكن هذا القرار فتح الباب أمام شركات أخرى لتولي المهمة.

ففي عام 2024، برزت شركة بالانتير -التي تأسست بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية- كمزود رئيسي للنظام، ووفرت البنية التشغيلية الأساسية التي يعتمد عليها "ميفين" في تحليل البيانات وإدارة العمليات.

وبحسب رئيس شركة بالانتير التنفيذي ألكس كارب، فقد بات العالم مقسوما بين شقّين: أولئك الذين يملكون هذه التكنولوجيا، والآخرين الذين لا يملكونها.

وفي الوقت نفسه، دُمج نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يعرف باسم "كلود" من شركة أنثروبيك، مما سمح للمستخدمين بالتفاعل مع النظام عبر اللغة الطبيعية، وطرح أسئلة مباشرة للحصول على توصيات عسكرية.

إعلان

ومع الوقت، رفضت أنثروبيك استخدام تقنياتها في تطوير أسلحة تعمل بشكل كامل دون تدخل بشري، أو في برامج مراقبة جماعية، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار باستبدال تقنياتها تدريجيا، مع دخول شركات أخرى مثل "أوبن أيه آي" و"إكس أيه آي" التابعة لإيلون ماسك في سباق للحصول على عقود مستقبلية.

دور حاسم في حرب إيران

وبرز دور "مشروع ميفين" في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران. فبحسب تقارير إعلامية غربية، ساعد النظام في تحديد مئات الأهداف خلال وقت قصير، وتوفير إحداثيات دقيقة للقوات العسكرية، مما سمح بتنفيذ ضربات متزامنة على نطاق واسع.

ويشير خبراء عسكريون إلى أن هذا النوع من الأنظمة يمنح الجيوش ميزة إستراتيجية كبيرة، لأنه يقلل زمن اتخاذ القرار، ويزيد قدرة القوات على الاستجابة السريعة، خاصة في بيئات قتالية معقدة.

كما يستخدم النظام في تقييم نتائج الضربات بعد تنفيذها، من خلال تحليل الصور الجديدة ومقارنتها بالبيانات السابقة، لتحديد ما إن كان الهدف قد دُمّر بالكامل أم يحتاج إلى ضربة إضافية.

كارثة الذكاء الاصطناعي

لكن الضربة التي استهدفت مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في اليوم الأول من الحرب شكلت مثالا قاسيا على كلفة الخطأ عندما تدخل الخوارزميات في مسار القرار العسكري. فقد أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 165 طفلة.

ورجحت صحيفة نيويورك تايمز أن موقع المدرسة كان ضمن قائمة أهداف حددها "مشروع ميفين" خلال بداية الحرب، فيما أعلن البنتاغون فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الاستهداف، وكيفية إدراج الهدف ضمن بنك الضربات.

وتشير تقديرات داخل المؤسسة العسكرية إلى أن القادة أصبحوا يعتمدون على النظام إلى درجة يصعب معها الاستغناء عنه، حتى مع الخلافات مع الشركات المطورة، وهو ما يزيد احتمالية ارتكاب "أخطاء كارثية" أخرى، وفق واشنطن بوست.

ومع تطور أنظمة مثل "ميفين"، يتجه العالم نحو مرحلة جديدة من الصراعات يمكن وصفها بـ"حرب الخوارزميات"، فالجيوش التي تمتلك القدرة على تحليل البيانات بسرعة أكبر، واتخاذ قرارات أسرع، ستمتلك ميزات إستراتيجية، مما يعني أن التفوق التكنولوجي قد يحدد النتائج الحاسمة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا