كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعتقد أنه يستطيع الاعتماد على قادة اليمين الشعبوي في أوروبا، لكنهم بدؤوا ينقلبون عليه بسرعة بسبب الحرب في إيران، وذلك في وقت رفض فيه القادة التقليديون التعاون معه لفتح مضيق هرمز.
وأشارت صحيفة تلغراف البريطانية -في مقال مشترك بين عدة صحفيين- إلى أن قطاعات واسعة من اليمين المتطرف الأوروبي فقدت الآن حماسها للرئيس الذي كانت تمجده سابقا، وتبنت شعاره "اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا" بصيغة أوروبية "اجعلوا أوروبا عظيمة مجددا".
وأفادت مصادر من هذا التيار للصحيفة بأنها لا تكنّ أي تعاطف لإيران، ولكنها غاضبة من تبني ترمب لما وصفته بالحروب الخارجية الدائمة، لأن سياسته الخارجية "السامة" قد تجرهم إلى التراجع معه، في ظل انخفاض شعبيته وتصدع تحالفاته.
وفي بريطانيا، ابتعدت شخصيات يمينية -من بينها نايجل فاراج زعيم حزب "الإصلاح"- عن دعم حرب ترمب، مشيرة إلى أن تأييد الرئيس في هذا النزاع قد يعد انتحارا سياسيا.
وقد أثارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الدهشة بعد أن رفضت حكومتها السماح للقاذفات الأمريكية باستخدام قاعدة جوية في صقلية أثناء توجهها إلى الشرق الأوسط هذا الأسبوع، وأظهرت أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران غير شعبية في إيطاليا.
ورغم أن ميلوني كانت من أقوى داعمي ترمب في أوروبا، فإنها تعرضت للضعف سياسيا بعد خسارة استفتاء على إصلاحات قضائية قبل عام من انتخابات جديدة، وهي تسعى للنأي بنفسها عن ترمب الذي وصفها سابقا بأنها "قائدة عظيمة".
وقالت ديبورا بيرغاميني النائبة عن حزب "فورتسا إيطاليا" وأحد مكونات الائتلاف الحاكم: "لقد وُجهت اتهامات قاسية لهذه الحكومة بأنها خاضعة لإرادة ترمب، وهذا غير عادل تماما"، وأضافت "إيطاليا ليست في حالة حرب ولا تنوي الدخول فيها".
وفي فرنسا ورغم العلاقة الأكثر برودة مع ترمب، لم تتردد زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في انتقاد "الأهداف المتقلبة" للحرب، معتبرة أن الضربات على إيران نُفذت "بشكل أعمى" دون النظر إلى تأثيرها على أسعار الوقود.
وأشارت مصادر من حزب " التجمع الوطني" إلى أن الولايات المتحدة تبدو "عالقة" في النزاع، وأن التدخلات الخارجية لا تنجح، بل قد تعزز النظام الإيراني بدل إضعافه.
وفي ألمانيا، تراجعت العلاقة بين حزب "البديل من أجل ألمانيا" وإدارة ترمب بعد فترة من التقارب الوثيق، وقد عبّر تينو خروبالا -وهو أحد قادة الحزب- عن "خيبة أمله الشديدة" من "رئيس الحرب" ترمب، ودعا إلى انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا.
وفي بولندا ورغم العلاقات الطويلة مع ترمب، ظهرت بوادر خلاف بعد انتقاد مستشار السياسة الخارجية للرئيس كارول ناوروكي عدم تشاور الولايات المتحدة مع حلفائها قبل ضرب إيران.
أما في المجر، فلا يزال رئيس الوزراء فيكتور أوربان من أقرب حلفاء ترمب، لكنه اتخذ موقفا متحفظا، وحذّر من إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران، خاصة في ظل حساسية أسعار الطاقة داخليا.
ويقود أوربان تحالف "وطنيون من أجل أوروبا" اليميني في البرلمان الأوروبي، وهو تحالف يضم أحزابا مثل حزب البديل الألماني والتجمع الوطني الفرنسي وحزب "الرابطة" الإيطالي وحزب الشعب الدانماركي، الذي أثار غضبه طلب ترمب شراء غرينلاند.
وقال أندرس فيستيسن عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الدانماركي: "ترمب وعد بسحب القوات الأمريكية من مناطق النزاع، وكان يتباهى بجهوده لتحقيق السلام، لكن هذا الخطاب انهار تماما بعد تهديداته بشأن غرينلاند وهجماته على فنزويلا وإيران".
وفي إسبانيا، دعم حزب "فوكس" وزعيمه سانتياغو أباسكال -في البداية- الهجوم على إيران، لكنه التزم الصمت لاحقا، مما يعكس تراجع الحماس.
ومع ذلك، لم يبتعد الجميع عن ترمب، إذ واصل الهولندي خيرت فيلدرز دعمه له، مشيدا بالهجمات على إيران، في موقف يجعله استثناء داخل هذا التيار.
ويرى محللون أن ما يحدث ليس قطيعة كاملة، بل "اختبار حرارة" للعلاقة، حيث يبدي معظم اليمين الأوروبي فتورا تجاه الحرب، مع استمرار الإعجاب بسياسات ترمب الداخلية دون تأييد حروبه الخارجية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة