آخر الأخبار

ينتظرون أخبارا سيئة من الكنيست.. أحاديث حزينة لأهالي الأسرى الفلسطينيين

شارك

غزة- ليس المرض وحده ما يثقل كاهل المُسن "أبو إبراهيم" من مدينة غزة، بل القلق المضاعف على مصير ابنه "محمد"، المعتقل في السجون الإسرائيلية منذ عامين، ولا سيما في ظل الأنباء المتداولة عن اقتراب مصادقة الكنيست على مشروع قانون يقضي بإعدام أسرى فلسطينيين.

وبجوار الجد، يجلس حفيداه "عمر وإبراهيم"، وهما طفلا الأسير "محمد"، صامتين، يحدّقان في وجوه الكبار بحثًا عن إجابات للكثير من الأسئلة.

الأسير محمد، الأب لأربعة أطفال، اختطفه الاحتلال من شقته غرب مدينة غزة في مارس/ آذار 2024، ومنذ ذلك الحين، دخلت العائلة في نفق مظلم من التكهنات والمخاوف.

مصدر الصورة قانون إعدام الأسرى سيعرض على الهيئة العامة للكنيست هذا الأسبوع للتصويت عليه (الجزيرة)

مراحل التشريع النهائية

وتجسد عائلة الأسير الفلسطيني مأساة مئات العائلات التي تلقت أخبار مصادقة لجنة برلمانية إسرائيلية على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وترفض الحديث لوسائل الإعلام، وإن تحدثت تخفي هويتها حرصا على أبنائها لكثرة خوفها على مصيرهم، كما حدث مع ذوي أسرى تحدثوا للجزيرة نت.

وصدّقت لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، الثلاثاء الماضي على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بعد إدخال تعديلات عليه، وأحالته للهيئة العامة للتصويت عليه هذا الأسبوع بالقراءتين الثانية والثالثة حتى يكون نافذا.

ويستهدف مشروع القانون، أسرى فلسطينيين متهمين بقتل أو المشاركة في قتل إسرائيليين، دون أن يشمل إسرائيليين متهمين بقتل فلسطينيين.

وقالت صحيفة "هآرتس" الأربعاء، إن اللجنة وافقت على المشروع تمهيدا لطرحه للتصويت النهائي قبل دخول الكنيست (البرلمان) عطلة عيد الفصح مطلع أبريل/ نيسان المقبل.

شهادات: المرض والتعذيب

يقول والد الأسير الغزيّ -بنبرة يملؤها الحزن والخوف- إن أخبار قانون الإعدام زادت من تخوفهم خاصة أنه منذ اعتقال محمد "لا نعرف عنه أي شيء بشكل رسمي، لا نعرف ما تهمته، ولماذا هو معتقل، الاحتلال يرفض الإفصاح عن أي معلومة".

إعلان

ويكمل "نعيش على فتات الأخبار التي يحملها لنا الأسرى المحررون، يطرقون بابنا ويخبروننا فقط أنه لا يزال على قيد الحياة".

الخوف في منزل عائلة أبو إبراهيم ليس مجرد شعور عابر، بل هو نتيجة لشهادات مروعة نقلها معتقلون سابقون قابلوه في السجن "أخبرنا المعتقلون المحررون عن تعذيب متواصل لا يتوقف، وظروف قاهرة لا ترحم أحدا، حتى الأمراض لم تترك جسده، فقد أصيب بمرض جلدي خطير، داخل السجن قبل أن يتعافى منه".

هذه التفاصيل الصحية والإنسانية المتردية تجعل من "قانون الإعدام"، خبرا مقلقا للعائلة، فبالنسبة لهم، فإن الاحتلال الذي يحرم الأسير من العلاج والزيارة ويمارس بحقه التعذيب الممنهج، لن يتوانى عن تنفيذ القتل بدم بارد إذا ما مُنح الغطاء القانوني.

ويوجّه الأب رسالة استغاثة للعالم: "ارحموا أسرى غزة.. اضغطوا على إسرائيل للتخفيف عنهم، لا يوجد رادع لهذا الاحتلال إلا الله، ونخشى أن تسرق هذه القوانين الظالمة ما تبقى لنا من أمل".

مصدر الصورة لقاء أسرى محررين بعائلاتهم في مستشفى شهداء الأقصى بغزة خلال مارس/آذار (الجزيرة)

قلق وقهر.. وصبر

واقتحمت أخبار تسارع وتيرة إقرار قانون إعدام الأسرى منزل الأسير "أحمد"، لتزيد من ثقل "الانتظار" لدى زوجته "إسراء"، بعد الانقطاع الكامل لأي معلومات عنه.

وردا على سؤال حول تأثير نبأ "قانون الإعدام" على الأسرة، تقول زوجة الأسير بعد أن ارتجف صوتها "انتفضت قلوبنا وارتعشت… أصابنا القلق والقهر، لكننا فوّضنا الأمر لله".

وتضيف أنها لاحظت تغيّرًا في حال الأبناء، بينما كان طفلها الصغير يشدّ ذراعها بتوتر، موضحة أنها لم تُطلع أطفالها الأصغر سنًا على ما نقلته وسائل الإعلام حول "قانون الإعدام"، في حين بدا الكبار أكثر قدرة على الاحتمال، مُردفة "الكبار مطمئنون بأن الله سيحفظه".

وتذكر زوجة الأسير أنها فقدت أي معلومة عنه في الأسابيع الأولى من اعتقاله "لمدة شهر كامل"، وظلت تجهل مصيره، وأن أول تأكيد باعتقاله وصلها في أبريل/نيسان 2024 عبر أسير محرر كان برفقته، فتمسكت بذلك "الخيط الوحيد" الذي وصلها منه.

ألم جديد لعائلات الأسرى

أما آلاء، زوجة الأسير "م، ر" فتصف أخبار "قانون الإعدام"، بأنها "سدّ منيع أمام الأمل والرغبة في استمرار الحياة"، وتشير إلى أن زوجها اعتُقل في مارس/آذار 2024 خلال اقتحام مستشفى الشفاء في قطاع غزة، بينما استُشهد ابنها البكر.

وتروي أنها كانت تتصفّح المواقع الإخبارية حين وصلها خبر التقدم في تشريع قانون الإعدام، لتجد نفسها تتساءل على الفور "ماذا أقول للأولاد؟".

وبعد أن علمتْ ابنتها الكبرى "سما" بالنبأ انهارت باكية، وهي تصرخ "أين أبي؟ ماذا سيفعلون به؟".

وتضيف زوجة الأسير "البيت لم يبرأ بعد من جرح الأسر حتى داهمه حديث الإعدام، فقبل أن يهدأ وجع الغياب، جاء خوف جديد أثقل من الاحتمال نفسه".

مصدر الصورة أهالي الأسرى خلال اعتصام سابق وسط مدينة نابلس (الجزيرة)

بين الخوف والصمود

تستهل والدة الأسير "أسامة" حديثها عن مساعي حكومة الاحتلال لإقرار قانون إعدام الأسرى، بتلاوة آيات كريمة تحث على الصبر والاحتساب، في محاولة واضحة للتشبث بالإيمان كملاذ في مواجهة القلق المتصاعد.

إعلان

وتقول إن الألم الناتج عن فراق ابنها وشدة الشوق إليه أمران طبيعيان لا يمكن إنكارهما، خاصة في ظل الغياب الطويل وانعدام اليقين حول مصيره، إلا أنها تشدد في الوقت ذاته على أن الإيمان بقضاء الله وقدره يخفف من وطأة هذا الألم، ويمنحها قدرًا من السكينة الداخلية والقدرة على الصمود "نحن نتألم، نعم، لكننا نحتسب ونصبر، ونؤمن أن الله لا يضيعنا".

وفيما يتعلق بالتصريحات المتكررة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي يقود جهود إقرار قانون إعدام المعتقلين، تقول إن هذه التهديدات، رغم قسوتها، لم تنجح في كسر إرادة عائلات الأسرى.

الإعدام نهج مطبق

يرى ثائر شريتح، الناطق الرسمي باسم هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، أن إعدام الأسرى ليس ممارسة مستحدثة، بل هو نهج "معمول به ومنفذ فعليا منذ سنوات طويلة".

ويعتقد في حديثه -للجزيرة نت- أن المحاولة الحالية لإقرار قانون إعدام الأسرى، رسميا، "ليست إلا محاولة لشرعنة ما يحدث في الظلام، وتحديدا منذ بدء الحرب على قطاع غزة".

وتكشف بيانات الهيئة عن أرقام صادمة؛ حيث تم توثيق 89 حالة إعدام داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية عُرفت هوياتها خلال العامين الماضيين، في حين لا يزال عشرات الأسرى الآخرين في عداد المفقودين ويرفض الاحتلال الإفصاح عن مصيرهم، حسب شريتح.

مصدر الصورة رغم تحرر الآلاف في صفقات التبادل ما زال 9500 أسير يقبعون في سجون الاحتلال (الجزيرة)

4 أهداف إستراتيجية

يتابع شريتح، أن خلف الستار التشريعي، تبرز 4 أهداف إستراتيجية تسعى حكومة بنيامين نتنياهو لتحقيقها من خلال هذا القانون:

شرعنة القتل: تصفية أكبر عدد ممكن من الأسرى الذين يتهمهم الاحتلال بتنفيذ عمليات قتل ضد إسرائيليين.

التغطية على الجرائم السابقة: يسعى الاحتلال لإيجاد مخرج "قانوني" لعمليات القتل المخفية والتي تمت بالفعل تحت التعذيب أو الإهمال الطبي خلال العامين الماضيين، ليتم الادعاء لاحقا أن هؤلاء الأسرى أُعدموا "وفق القانون" وليس نتيجة الانتهاكات.

استغلال الفوضى الإقليمية: ترى إسرائيل في انشغال العالم بالحروب الإقليمية والتوترات مع إيران "فرصة ذهبية" لتمرير قوانين تخالف أبسط مبادئ القانون الدولي الإنساني، مستغلة حالة الإرباك العالمي.

المصالح الحزبية الضيقة: يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، إرضاء الجناح المتطرف في ائتلافه لضمان بقائه في السلطة، وفي الوقت نفسه تحويل دماء الأسرى إلى وقود للدعاية الانتخابية القادمة.

شهادات من "جحيم" المعتقلات

وتستند مخاوف هيئة شؤون الأسرى والمعتقلين إلى شهادات موثقة لأسرى محررين، خاصة من قطاع غزة، وصفوا ما يحدث داخل معسكرات الجيش بأنه "مسالخ بشرية"، وتلك الشهادات تؤكد إعدام أسرى مسنين ومناضلين ميدانيا أو تحت وطأة التعذيب.

ووفقا لشريتح، أفاد محرّرون بأنهم شاهدوا عمليات نقل جثث، وأيضا كانوا شهودا على عمليات إطلاق نار مباشرة على زملائهم داخل مراكز الاحتجاز "مما يعزز فرضية أن القانون الجديد يهدف فقط لرفع الحصانة عن القتلة ومنحهم غطاء "قانونيا" رسميا.

يشدد شريتح على ضرورة وجود "صحوة دولية" فورية لوقف هذا الجنون التشريعي، مؤكدا أن الأسابيع القادمة قد تشهد تحولات هي الأكثر دموية بحق الفلسطينيين داخل السجون منذ بداية الصراع.

قلق داخل المعتقلات

ما تصفه عائلات المعتقلين خارج السجون، بوصفه خوفًا يوميًا، ترويه المحامية نادين أبو عرفة المختصة بشؤون الأسرى الفلسطينيين داخل الزيارات بوصفه "أسئلة مباشرة وقلقًا متصاعدًا بين الأسرى أنفسهم".

وتقول إنها تمكنت من إجراء العديد من الزيارات للأسرى خلال الفترة الماضية، "لمستُ خلال الزيارات الأخيرة حالةً من القلق المصحوب بالترقّب لدى الأسرى، بدت في كثرة أسئلتهم للمحامين الزائرين عن طبيعة قانون الإعدام، واحتمالات إقراره وكيفية تنفيذه".

إعلان

وتقول- للجزيرة نت- إن أثر الموضوع كان أشد وضوحًا لدى أسرى قطاع غزة مقارنة بأسرى القدس والداخل الفلسطيني، وفق ما استنتجته من كثافة تساؤلاتهم ومحاولاتهم الحثيثة لفهم ما يجري وتقدير ما يمكن أن يترتب عليه.

وتربط ذلك باختلاف ظروف الاعتقال وسياسات الاستهداف، مشيرة إلى أن "أسرى غزة يواجهون أنماطًا أشد قسوة من العزل والتصنيف والإجراءات الاستثنائية، مما يجعل أثر التهديد عليهم أكثر مباشرة من الناحية النفسية والواقعية".

1249 مقاتلا "غير شرعي"

ويحظى مشروع القانون الذي قدمه حزب "القوة اليهودية" برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بدعم حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو، إلى جانب حزب "إسرائيل بيتنا" المعارض، في حين تعارضه الأحزاب الدينية " الحريديم" من حيث المبدأ.

ووفقا لصيغة مشروع القانون، فإن تنفيذ عقوبة الإعدام سيتم شنقا. وسيتولى تنفيذ الحكم أحد السجانين الذين يعيّنهم مفوض مصلحة السجون الإسرائيلية، على أن تبقى هوية السجانين المنفذين سرية، مع منحهم حصانة جنائية كاملة.

ويبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال أكثر من 9500 أسير، من بينهم 3442 معتقلًا إداريًا (دون تهمة أو محاكمة)، و1249 مصنّفين ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين" وجميعهم من قطاع غزة.

وصعّدت إسرائيل قمعها للأسرى الفلسطينيين في سجونها منذ أن بدأت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بدعم أمريكي حرب إبادة جماعية بغزة استمرت عامين، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا