على وقع حرب أمريكية إسرائيلية تعصف بإيران وتهدد بخنق شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، تطفو باكستان مجددا على السطح كلاعب استثنائي في هندسة "القنوات الخلفية".
من دولة عانت عزلة خانقة بقيادة أمريكية إثر اكتشاف مخبأ زعيم تنظيم القاعدة الأسبق أسامة بن لادن، إلى وسيط ينقل رسائل النار والسلام بين الولايات المتحدة وإيران، وصولا إلى التحضير لاستضافة قمة إقليمية قد تعيد رسم خريطة المنطقة.
فكيف شقّت إسلام آباد طريقها لتصبح "مهندس سلام" يحظى بثقة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب؟ وما الحسابات الوجودية التي تدفعها للمخاطرة في حقل ألغام هذه الحرب؟ إليك المشهد كاملا في 7 أسئلة.
تلعب إسلام آباد دور ناقل الرسائل والميسر غير الرسمي. فقد أكد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء الباكستاني، والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أن باكستان نقلت بالفعل "خطة سلام أمريكية من 15 بندا" إلى القيادة الإيرانية.
وتكشف "وول ستريت جورنال" أن قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، سافر إلى العاصمة العُمانية مسقط في 6 فبراير/شباط الماضي، والتقى المبعوث ويتكوف وجاريد كوشنر في فندق إقامتهما، لكنه تعمد عدم المشاركة المباشرة في المفاوضات التي كانت تجمع طهران وواشنطن، حرصا على بقاء بلاده ضمن خانة "القناة الخلفية".
ولتتويج هذه الجهود، تستعد إسلام آباد لاستضافة "اجتماع تمهيدي" يضم وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر، رغم أن طهران لا تزال تنفي وجود مفاوضات "مباشرة" مع واشنطن حتى اللحظة.
لم يأتِ هذا الدور من فراغ، إذ توضح "وول ستريت جورنال" أن مسؤولين باكستانيين اتبعوا سياسة "كسب الود عبر الصفقات".
ففي يناير/كانون الثاني الماضي، رعى الجنرال منير توقيع اتفاقية مع شركة "وورلد ليبرتي فايننشال" للعملات المشفرة (التابعة لعائلة ترمب)، ملتقيا برئيسها التنفيذي زاك ويتكوف. وتبع ذلك اتفاق لإعادة تطوير فندق "روزفلت" التاريخي في نيويورك المملوك لباكستان.
وهذه "الدبلوماسية الاقتصادية" جعلت ترمب يصف منير علنا بأنه "مقاتل جاد". وقد ترجم ذلك مؤسسيا، حيث نقلت الصحيفة عن متحدثة باسم البيت الأبيض تأكيدها الرسمي أن "باكستان تقوم بدور وسيط في المحادثات مع إيران"، مشيدة بها كشريك في مكافحة فرع تنظيم الدولة بآسيا الوسطى، وملفات الطاقة.
تُعَد باكستان اليوم من قلة نادرة تحتفظ بعلاقات دافئة مع كل من واشنطن وطهران، وهناك دوافع وجودية تدفعها للتحرك، تلخصها " فايننشال تايمز" في عاملين:
تنفي طهران رسميا وجود مفاوضات "مباشرة" مع واشنطن، وقدمت عبر الوسطاء "خطة مضادة من 5 بنود" ردا على الورقة الأمريكية.
رغم ذلك، برزت بوادر حسن نية عبر القناة الباكستانية، إذ كشف الوزير إسحاق دار أن طهران سمحت بمرور 20 سفينة باكستانية عبر مضيق هرمز. وهي خطوة سارع ترمب لوصفها بأنها "هدية" ومؤشر على التزام إيراني حقيقي بخفض التصعيد.
هناك من يقرأ المشهد من زاوية داخلية بحتة. فقد نقل تقرير "فايننشال تايمز" عن الباحث حسين نديم تقييما حادا يعتبر فيه أن محاولة "ديكتاتورية عسكرية ونخبة حاكمة" لعب دور يفوق حجمها الجيوسياسي، "ما هو إلا هروب من واقع فشل الحوكمة وتدهور الأمن والظروف الاقتصادية في باكستان".
وتحذر إليزابيث ثريلكيلد، مديرة برنامج جنوب آسيا بمركز "ستيمسون"، من الانزلاق في فخ التوقيت، موضحة أنه "إذا كانت واشنطن تستخدم المحادثات لشراء الوقت لوصول قواتها استعدادا لعملية برية، فإن ذلك سيعرض باكستان لاتهامات بالتواطؤ من قبل إيران، وسيقوض في الوقت نفسه الثقة بين إسلام آباد وواشنطن، مما يحد من قدرة باكستان على لعب أدوار وساطة لاحقة".
تنتهج نيودلهي على ما يبدو سلوكا دبلوماسيا حذرا بين واشنطن وطهران، فمن جهة، قلصت الهند استثماراتها في ميناء تشابهار الإيراني ووارداتها النفطية لتجنب العقوبات الأمريكية، ومن جهة أخرى أثار إغراق غواصة أمريكية لسفينة إيرانية -عقب مشاركتها في مناورات بحرية مع الهند- غضبا مكتوما في طهران تجاه نيودلهي.
يرى السفير الباكستاني السابق مسعود خان، في تصريحات للجزيرة، أن الوساطة "متأصلة في الحمض النووي للدبلوماسية الباكستانية".
ويستذكر التقرير كيف هندست إسلام آباد رحلة هنري كيسنجر السرية إلى بكين عام 1971 والتي غيرت شكل الحرب الباردة، مرورا برعايتها لاتفاقيات جنيف (1988) لانسحاب السوفييت من أفغانستان، وصولا لاستضافتها مفاوضات بين واشنطن وطالبان.
لكن المحلل الباكستاني محمد فيصل يحذر من المبالغة في المكاسب، مذكرا بأن نجاح قناة "كيسنجر-بكين" تاريخيا "لم يمنع الهند من استغلال الصراع الداخلي الباكستاني حينها وتقسيم البلاد".
هندست إسلام آباد رحلة هنري كيسنجر السرية إلى بكين عام 1971 والتي غيرت شكل الحرب الباردة (أسوشيتد برس)تتحرك باكستان اليوم على حبل مشدود فوق بركان إقليمي، فتحاول استثمار علاقاتها المتجددة مع إدارة ترمب وروابطها الجغرافية والديمغرافية مع إيران لتفادي الانجرار إلى حرب قد تدمر اقتصادها الهش وتفجر توترات داخلية.
لكن يبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح "القناة الخلفية" التي هندستها إسلام آباد في خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز، أم أن باكستان قد تجد نفسها تدفع فاتورة صراع القوى الكبرى إذا انهار مسار التفاوض؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة