آخر الأخبار

عندما كانت الصحراء الكبرى خضراء.. هل يتكرر هذا المشهد قريبا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تعد الصحراء الكبرى أكبر صحراء حارة في العالم، وإحدى أكثر الأماكن جفافا على وجه الأرض، ففي حين ترتفع درجة حرارة الهواء إلى 40 درجة مئوية، يمكن أن تفوقها حرارة الرمال بنحو 20 درجة مئوية.

من يقضي ليلة في هذه الصحراء قد يميل إلى الاعتقاد بأنها كانت دائما جافة وقاحلة وموحشة وشبه خالية من الحياة، لكن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة لمنطقة كانت يوما تزخر بالحياة، وتعج بالبحيرات والحياة البرية، حتى أُطلق عليها اسم "الصحراء الخضراء"، فهل يمكن أن تعود تلك الظروف مرة أخرى؟

مصدر الصورة يكشف هذا الفن الصخري عن صورة مختلفة تماما لأكبر صحراء حارة في العالم (ديفد ستانلي – ويكيميديا)

ماضي الصحراء الكبرى

في قلب الصحراء الممتدة عبر أراضي أكثر من 10 بلدان من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، وفي هضبة إنيدي الواقعة شمال شرق تشاد، تحكي مواقع الفن الصخري عن ماض مختلف تماما عن اليوم، فقد عُثر على دلائل على وجود بشري قديم في منطقة لم تكن كما نراها اليوم على الإطلاق.

يقول مدير الأبحاث السابق في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي إيف جوتييه: "في الماضي لم تكن الصحراء الكبرى قاحلة هكذا".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت: "يرجح أنها كانت أراضي سافانا واسعة مليئة بالمراعي تعبرها قطعان كبيرة من الحيوانات. وانتشرت فيها بحيرات عديدة مليئة بالأسماك، وعاشت حولها مجتمعات شبه بدوية تمارس الرعي والزراعة المبكرة".

وتوثق المسوحات الأثرية آلاف النقوش والرسوم على الملاجئ الصخرية وجدران الأودية في إنيدي، مقدمة سجلا تاريخيا طويلا للاستيطان البشري، وتضع حجر الأساس لبناء التسلسل الزمني للاستيطان البشري القديم في منطقة أصبحت اليوم صحراء قاحلة.

ويكشف هذا الفن الصخري عن صورة مختلفة تماما لأكبر صحراء حارة في العالم، حين كانت المنطقة غنية بالمياه والحياة، وشهدت مجتمعات قديمة طورت تدجين الحيوانات وبدايات الزراعة في تلك البيئة الخضراء.

إعلان

واللافت أن كثيرا من أبرز النقوش وأكثرها إتقانا تصور حيوانات ضخمة تعيش اليوم في أفريقيا جنوب الصحراء، مثل الظباء والزرافات والفيلة وأفراس النهر، ما يعكس بيئة كانت تنتشر فيها الأنهار والبحيرات والمروج.

كما تظهر رسومات لحيوان منقرض يُعرف بـ"بوبالوس"، وهو نوع من الأبقار البرية اختفى قبل نحو 5000 عام، وتُستخدم صوره لتأريخ مرحلة مبكرة من الفن الصخري.

وعلى نطاق أوسع، توثق هذه الرسوم قطعان الأبقار وأنماط الحياة الرعوية في الصحراء بين نحو 7000 و3000 قبل الميلاد، متماشية مع صعود الرعي عبر شمال إفريقيا. وغالبا ما يظهر الرعاة مع ماشيتهم في الفترة نفسها التي توضح فيها السجلات البيئية القديمة تزايد الجفاف.

تاريخ طويل من تقلبات المناخ

لفهم نشأة هذه التكوينات الصخرية الغريبة، لا بد من العودة نصف مليار عام إلى الوراء، حين خرجت كتلة إنيدي من بحر قديم مغطاة بالحجر الرملي. وبعد نحو 300 مليون عام انفصلت أفريقيا عن قارة غوندوانا العملاقة، ثم واصلت انجرافها شمالا عبر ملايين السنين حتى عبرت الأراضي التي أصبحت لاحقا تشاد خط الاستواء.

ويشير عالم الأرض مارتن ويليامز، في كتابه "حين كانت الصحراء خضراء"، إلى أن نشأة الصحراء الكبرى تعود إلى نحو 7 ملايين عام، عندما أدى انحسار بحر التيثيس القديم بين أفريقيا وأوراسيا إلى اضطراب دورات المياه الإقليمية، فبدأ شمال أفريقيا يجف على نطاق واسع.

لكن هذا الجفاف لم يكن دائما، فقد كشف الرحالة الألماني هاينريش بارت في منتصف القرن التاسع عشر -حين كان معظم داخل أفريقيا لا يزال مجهولا للعالم- عن رسوم صخرية تُظهر حيوانات تعيش اليوم في أفريقيا جنوب الصحراء. ولاحقا عُثر على نقوش مماثلة في مناطق واسعة من شمال أفريقيا من جبال الأطلس حتى السهول النوبية.

وفي خمسينيات القرن العشرين وثّق عالم الآثار الفرنسي هنري لوت نحو 15 ألف عمل فني صخري في منطقة طاسيلي ناجر بالجزائر، واصفا إياها بأنها "أعظم متحف لفنون ما قبل التاريخ في العالم".

استغرق الأمر عقودا من البحث حتى توصل العلماء إلى أن الصحراء الكبرى شهدت خلال العصر الجيولوجي الحالي، المعروف بالعصر الرباعي، الذي بدأ قبل نحو 2.5 مليون عام، تقلبات متكررة بين فترات رطبة وأخرى جافة، في دورة مناخية طويلة الأمد.

هذه العملية دورية تتكرر عبر الزمن الجيولوجي الطويل. فعندما تتغير الظروف المناخية تتحرك أحزمة الأمطار في غرب أفريقيا شمالا، جالبة المياه والحياة إلى الصحراء فيما يُعرف بظاهرة "الفترة الرطبة الأفريقية" أو "اخضرار الصحراء".

وخلال هذه الفترات، اشتدت الرياح الموسمية وامتلأت الأحواض بالبحيرات والأراضي الرطبة، وربطت أنهار عظيمة بين المحيط الأطلسي وسواحل البحر المتوسط في المغرب العربي، بينما جابت الحيوانات الضخمة مراعي واسعة.

وتخلد النقوش الصخرية أحدث هذه المراحل، وهي فترة الهولوسين الرطبة المعروفة بـ "الصحراء الخضراء" التي يُعتقد أنها امتدت بين نحو 11 ألفا و5500 عام، حين كانت بحيرة تشاد أكبر بنحو 20 مرة من مساحتها الحالية.

ويتوقع جوتييه أنه "إذا استمرت درجات الحرارة بالارتفاع كما يحدث الآن، فمن المحتمل جدا أن تختفي بحيرة تشاد كليا خلال عقد أو عقدين. و إذا استمر المناخ في التغير بالطريقة التي يتغير بها الآن، فمن المحتمل أن يصبح الجزء الجنوبي من تشاد صحراء بأكمله".

إعلان

وكشفت صور الأقمار الصناعية آثار ما يُعرف بـ"أنهار الصحابي" التي كانت تتدفق من بحر ميغا تشاد القديم نحو البحر المتوسط، وقد ازدهرت الحيوانات العاشبة في الغابات النهرية وجابت السنوريات الكبيرة مراعي واسعة.

لكن هذا الازدهار تراجع مع نهاية الفترة الرطبة الأفريقية قبل نحو 6 آلاف عام، إذ تراجعت أمطار الصيف تدريجيا، واتجه شمال أفريقيا نحو ظروف أكثر جفافا، مصحوبة بتغيرات كبيرة في الغطاء النباتي، وتوفر المياه، والمساحات الصالحة للسكن، وفق ما تؤكده سجلات الرواسب وحبوب اللقاح.

ومع انهيار هذه المنظومات البيئية، اختفت الحيوانات الكبيرة أو هاجرت جنوبا، بينما انتقل البشر الذين نقشوا صورها إلى الواحات والمرتفعات مثل جبال تيبستي في تشاد أو وادي النيل.

ويعكس الفن الصخري في إنيدي هذا التحول، إذ يرصد جوتييه تراجع صور الحيوانات البرية لصالح مشاهد الرعي وقطعان الأبقار، بينما يشير ظهور الخيول والجمال إلى تكيف المجتمعات تدريجيا مع بيئة أكثر جفافا.

مصدر الصورة نشأة الصحراء الكبرى تعود إلى نحو 7 ملايين عام (شترستوك)

هل تخضر الصحراء مجددا؟

اليوم، يعتقد بعض العلماء أن الصحراء قد تشهد اخضرارا جديدا بفعل تغير المناخ، قبل آلاف السنين من الموعد المتوقع، مع نتائج يصعب التنبؤ بها على النظم البيئية والمجتمعات البشري ة ، لكن هذه الفرضية ما تزال محل جدل.

في محاولة لبناء تسلسل زمني لمناخ الصحراء، وسع الجيولوجيون أبحاثهم إلى خارجها، فدرسوا سجلات الغبار وبقايا النباتات التي حملتها الرياح من الصحراء وتراكمت في البحيرات الداخلية وقاع المحيطات.

وخلال العقود القليلة الماضية، أظهرت هذه الأدلة أن آخر الفترات الرطبة الأفريقية، التي انتهت قبل نحو 5500 عام، كانت مجرد حلقة أحدث ضمن دورة مناخية طويلة.

وتشير دراسة حللت أكثر من 1200 عينة رسوبية مأخوذة من بحيرات وأراضٍ رطبة وأنهار في أنحاء شمال أفريقيا إلى أن المنطقة شهدت نحو 230 فترة رطبة خلال ثمانية ملايين عام الماضية.

ويعزو العلماء توقيت هذه الدورات وشدتها إلى عدة عوامل، أبرزها أنماط دوران التيارات المحيطية وبدايات العصور الجليدية القطبية، لكن معظم الباحثين يتفقون على أن العامل الأهم يتمثل في سبق الاعتدال المداري، وهو تغير دوري في محور دوران الأرض يؤثر في توزيع الإشعاع الشمسي والمناخ.

وفي عام 2001، عُثر في صحراء جوراب شمال تشاد على جزء من جمجمة تعود إلى إنسان ساحل التشادي، الذي يرى بعض العلماء أنه من أقدم أشباه البشر، ما أثار فرضية أن أسلاف الإنسان ربما عاشوا في هذه المنطقة منذ نحو 7 ملايين عام، بل إن بعض الباحثين اقترحوا أن الصحراء الكبرى قد تكون مهد البشرية بدلا من أخدود شرق أفريقيا العظيم.

وفي سياق المناخ، يرى عالم الجيولوجيا الأثرية في جامعة كولونيا الألمانية، ستيفان كروبلين، الذي ارتبط اسمه منذ عقود بمحاولات فك شفرة التاريخ المناخي للصحراء، أن الاحترار الحالي قد يعزز الرياح الموسمية في غرب أفريقيا، مما قد يؤدي إلى زيادة الأمطار في أجزاء من الصحراء خلال بضعة قرون.

ورغم صعوبة التنبؤات طويلة الأمد بسبب تقلب معدلات الأمطار في شمال ووسط أفريقيا، يشير كروبلين إلى ظهور علامات عودة الحياة في مناطق كانت حتى وقت قريب قاحلة، موضحا أن استمرار الاحترار قد يعيد شحن الخزانات الجوفية في أنحاء الصحراء، ومع وصول جذور النباتات إليها قد يبدأ الاخضرار من جديد.

ورغم أن معظم سطح الصحراء صخري، يخزن تحت الصحراء الشرقية والغربية في مصر وأجزاء من ليبيا والسودان وتشاد أكبر خزان جوفي أحفوري في العالم، يغطي مساحة تزيد ع لى مليون ي كيلومتر مربع، ويحوي أكثر من 36 ألف ميل مكعب من المياه، أي نحو 30 ضعف حجم بحيرة ميشيغان أو ما يعادل كمية مياه نهر النيل خلال 500 عام.

إعلان

لكن فرضية كروبلين حول بدء مرحلة جديدة من اخضرار الصحراء لا تخلو من الجدل، إذ يرى بعض الباحثين أنها مبالغ فيها، معتبرين أن التأثيرات الحالية أقل بكثير من الدورات المدارية التي سببت اخضرار الصحراء في الماضي.

ومع ذلك، يتفق الجميع على أن الكثير من المجهول يبقى قائما، وأن أنماط الطقس في شمال أفريقيا -كما في أماكن أخرى- مرشحة لمزيد من التقلب خلال العقود المقبلة.

ورغم جاذبية فكرة صحراء أكثر رطوبة وإنتاجية وعودة الحياة البرية، قد تكون العواقب القريبة لمثل هذا التحول كارثية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2014، هطلت أمطار تجاوزت ما هطل خلال عام كامل، لكنها لم تؤد أي غرض سوى تشكيل وديان حديثة في جنوب المغرب.

وفي تشاد، تسببت عاصفة مطرية عنيفة في فيضانات واسعة أودت في غضون أسابيع بحياة أكثر من 500 شخص، وشردت نحو مليوني آخرين، فيما ضربت سيول مشابهة مناطق من المغرب إلى السودان.

ومع انحسار الأمطار، أظهرت الأقمار الصناعية زحف المراعي الخضراء نحو أطراف الصحراء، ما يشير إلى إمكانية اخضرار الصحراء الكبرى مرة أخرى مستقبلا، لكن السؤال يبقى: متى؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا