اتسعت الحرب داخل إيران من استهداف مواقع ومنشآت وقادة بارزين إلى خطاب سياسي إسرائيلي مباشر دعا الإيرانيين للنزول إلى الشارع لمواجهة النظام.
ومع تكرار الاغتيالات واتساع بنك الأهداف، برزت تساؤلات بشأن ما إذا كانت الضربات تتجاوز هدفها العسكري المعلن إلى محاولة إحداث أثر سياسي داخل البلاد.
في الأول من مارس/آذار 2026، أعلنت إسرائيل "تصفية 40 قائدا" داخل إيران. وفي التوقيت نفسه، خرج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في كلمة مصورة بالفارسية دعا فيها الإيرانيين إلى التظاهر ضد الحكومة والنزول إلى الشوارع.
ومنذ ذلك الوقت، ترافقت الاغتيالات مع تصريحات إسرائيلية علنية دعت إلى الاحتجاج، وربطت بين استمرار الضربات وبين الضغط على النظام من الداخل.
وجاء ذلك في وقت كانت فيه إيران قد شهدت بالفعل موجة احتجاجات داخلية. فمنذ 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، انطلقت احتجاجات من بازار طهران على خلفية تدهور سعر الصرف وتراجع القدرة الشرائية، ثم امتدت إلى مدن أخرى.
لكنّ هذه الموجة تراجعت مع اندلاع الحرب، بينما برزت وحدة وطنية من جهة وشددت السلطات الإيرانية إجراءاتها الأمنية من جهة أخرى، معلنة لاحقا تنفيذ أحكام بحق مدانين في الاحتجاجات الأخيرة، وقالت إن مئات اعتقلوا منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.
وفي الميدان، لم تتوقف الضربات عند استهداف المواقع والمنشآت، بل طالت أيضا قادة ومسؤولين بارزين. ومع اتساع بنك الأهداف وتغير طبيعة الشخصيات المستهدفة، برزت قراءات ربطت بين الضغط العسكري ومحاولة التأثير في بنية الحكم داخل إيران، من دون أن تعلن إسرائيل إسقاط النظام هدفا مباشرا للحرب.
وفي الضربة الأولى للحرب، اغتالت إسرائيل المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد الحرس الثوري اللواء محمد باكبور ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء عبد الرحيم موسوي ووزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني.
وبعد أقل من 3 أسابيع، اغتالت الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وقائد قوات التعبئة العامة (الباسيج) التابعة للحرس الثوري غلام رضا سليماني ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب.
وفي هذا السياق، قال نتنياهو إن تغيير النظام في إيران ليس هدفا معلنا للحرب، لكنه قد يكون إحدى نتائجها. كما أقر مسؤولون إسرائيليون بأن أي تغيير من هذا النوع يبقى، في نهاية المطاف، مرتبطا بما يجري داخل إيران نفسها، لا بالضربات العسكرية وحدها.
وفي المقابل، قدمت طهران هذه الضربات والاغتيالات بوصفها محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي ودفع البلاد نحو الفوضى.
ففي 19 مارس/آذار الجاري دعا وزير الخارجية الإيراني، في اتصالات مع نظرائه في تركيا ومصر وباكستان، إلى ما سماه "اليقظة الإقليمية" في مواجهة "الزعزعة الأمريكية الإسرائيلية".
وتظهر آثار هذا المسار بوضوح أكبر في دوائر القرار الإيرانية. فجاء اغتيال علي لاريجاني في 18 مارس/آذار باعتباره استهدافا لشخصية سياسية وازنة لعبت أدوارا بارزة في مؤسسات الحكم والأمن والسياسة الخارجية.
وبحسب وكالة رويترز، أدى غيابه إلى زيادة الغموض داخل هرم السلطة، وضيّق خيارات طهران، ودفع مركز الثقل أكثر نحو الحرس الثوري، في مرحلة بات فيها بقاء النظام أولوية متقدمة.
لكنّ هذا الإرباك في قمة السلطة لم يتحول تلقائيا إلى احتجاج واسع في الشارع. فحتى مع الضربات المكثفة، ظلت تقديرات عدة تشير إلى أن النظام الإيراني بقي متماسكا، وأن الحرس الثوري احتفظ بزمام الأمور.
كما أن الاغتيال والقصف، في ظروف الحرب، لا يقودان بالضرورة إلى مظاهرات فورية، بل قد يدفعان إلى نتيجة معاكسة تتقدم فيها أولويات الأمن والنجاة على أي تحرك سياسي مباشر، فضلا عن تعاظم المشاعر الوطنية.
وناشد نتنياهو مرارا الشعب الإيراني قائلا إنه الوقت المناسب ليخرجوا ضد النظام حيث إنه "قتل من يقمعهم"، مشيرا إلى الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل.
وفي المقابل، بدا الموقف الأمريكي أضيق في تعريف الأهداف من الطرح الإسرائيلي. ففي 19 مارس/آذار، قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إن أهداف واشنطن لم تتغير منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط، وحددها في تدمير قدرات إطلاق الصواريخ، وإضعاف الصناعة الدفاعية والبحرية الإيرانية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وبعد ذلك بأربعة أيام، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الاثنين، إرجاء ضربات كانت مزمعة على شبكة الكهرباء الإيرانية، متحدثا عن محادثات "جيدة ومثمرة" مع طهران، قبل أن تنفي طهران وجود تلك المحادثات.
وبذلك، توحي التطورات حتى الآن بأن الضربات والاغتيالات الإسرائيلية ضيقت هامش الحركة أمام بعض دوائر القرار في إيران، وشددت القبضة الأمنية في الداخل، لكنها لم تدفع إلى تحول سياسي داخلي حاسم، ولم تُفض إلى موجة احتجاج داخلية.
وبين خطاب إسرائيلي يربط الضغط العسكري وتحديدا اغتيال المسؤولين بإضعاف النظام، وخطاب إيراني يصف ما يجري بمحاولة لزعزعة الاستقرار، يبقى أثر هذه السياسة مفتوحا على استنزاف في قمة السلطة أكثر من كونه حاسما في الشارع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة