علّقت مجموعة "ميدياهاوس" الإعلامية، الناشر لصحيفتي "دي تليخراف" الهولندية و"آيريش إندبندنت" الأيرلندية، الصحفي بيتر فاندرميرش، أحد كبار صحافييها مؤقتاً عن منصبه كزميل في برنامج "الصحافة والمجتمع".
وجاء القرار بعد إقراره باستعانته بأدوات الذكاء الاصطناعي لتلفيق عبارات ونسبتها زوراً إلى أشخاص لم يقولوها قط.
أكد فاندرميرش، الرئيس السابق للعمليات الأيرلندية ضمن المجموعة وزميل قسم "الصحافة والمجتمع"، أنه وقع ضحية لما يُعرف تقنياً بـ"هلوسات الذكاء الاصطناعي" – وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى الأخطاء التي تولدها الخوارزميات وتظهر كمعلومات واقعية.
وكشف الصحفي المخضرم عن منهجيته، موضحاً أنه اعتمد على أدوات مثل "تشات جي بي تي" و"بيربليكسيتي" و"نوت بوك إل إم" من غوغل لتلخيص تقارير إخبارية، دون التحقق من دقة الاقتباسات المستخرجة من تلك الملخصات الآلية، قبل نشرها في نشرته الأسبوعية على منصة "سابستاك".
جاءت الفضيحة إثر تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "إن آر سي"، إحدى عناوين مجموعة "ميدياهاوس" والتي ترأس فاندرميرش تحريرها خلال عقد 2010.
واتهمت الصحيفة زميلها السابق بنشر "عشرات" الاقتباسات غير الصحيحة، مؤكدة أن سبعة أشخاص وردت أسماؤهم في منشوراته نفوا صراحة أن تكون تلك العبارات قد صدرت عنهم.
وفي منشور مطول على "سابستاك" حمل عنوان "أعترف بخطئي" ، كتب فاندرميرش: "لقد نسبت خطأً كلمات إلى أشخاص كان ينبغي عليّ تقديمها بصيغة إعادة صياغة فقط. وفي بعض الحالات، كانت تلك العبارات تعكس تفسيري الشخصي لكلماتهم. لم يكن ذلك مجرد إهمال – بل كان خطأً".
وأضاف معبراً عن مفارقة لافتة: "المؤلم بشكل خاص أنني ارتكبت بالضبط الخطأ الذي كنت أحذر زملائي منه مراراً: هذه النماذج اللغوية بارعة جداً لدرجة أنها تولد اقتباسات لا تُقاوم، مما يغري الكاتب باستخدامها. بالطبع، كان ينبغي عليّ التحقق منها. لقد قصرت الرقابة البشرية التي أدعو إليها باستمرار".
وتأتي هذه الحادثة في وقت يركز فيه فاندرميرش عبر مدونته "الصحافة والديمقراطية" على مناقشة "الرابط الحيوي بين الصحافة الحرة والديمقراطية السليمة".
ميدياهاوس: انتهاك للمعايير وإيقاف فوري
وفي بيان رسمي، قال غيرت إيسبارت، الرئيس التنفيذي لمجموعة "ميدياهاوس": "نطبق في ميدياهاوس قواعد صارمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تعتبر الدقة والرقابة البشرية والشفافية أموراً جوهرية. إن عدم الالتزام بهذه المبادئ يتعارض مع المعايير التي نتمسك بها والتزامنا تجاه القراء بأننا نمثل صحافة موثوقة".
وأضاف إيسبارت أن المجموعة تناقش القضية مع فاندرميرش، وقررت إيقافه مؤقتاً عن منصبه كزميل.
كما باشرت المجموعة بحذف عدد من المقالات التي كتبها فاندرميرش من موقع صحيفة "آيريش إندبندنت".
ولم يتوقف اعتراف فاندرميرش عند استخدام الأدوات فحسب، بل أقر بارتكاب خطأ ثانٍ تمثل في فشله بتصحيح الاقتباسات الخاطئة فوراً، تاركاً هذه المهمة لإحدى الصحف التي أشرف على إدارتها لنحو عقد من الزمن.
وأوضح أنه كان متحمساً لإمكانات الذكاء الاصطناعي ورغب في إجراء تجارب مكثفة عليه، مما دفعه للمخاطرة.
واختتم فاندرميرش تدوينته بالقول: "الصحافة عمل إنساني. ما زلت مقتنعاً بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية – أداة يمكن أن تساعد الصحافة على التحسين والتعمق وزيادة الدقة. ولكن ليس باستخدام الذكاء الاصطناعي بالطريقة التي استخدمتها بها في الأشهر الأولى من هذه المدونة".
يُشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي مثل "تشات جي بي تي" يستخدمها مئات الملايين من الأشخاص حول العالم في مهام تتراوح بين الأمور البسيطة نسبياً مثل اقتراح وصفات الطعام، وصولاً إلى إجراء بحوث أكاديمية معقدة، غير أن هذه الأدوات تبقى عُرضة لارتكاب أخطاء قد تكون فادحة في المجال الإعلامي.
وامتنع فاندرميرش عن الإدلاء بتعليقات إضافية للصحافة خارج ما نشره في مدونته الشخصية.
المصدر:
يورو نيوز