آخر الأخبار

من الهند إلى هوليود.. "صوت هند رجب" يواجه محاولات المنع والتهميش

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن قرار منع عرض فيلم "صوت هند رجب" رسميا في الهند، إلا واحدا من أشكال الحصار التي يتعرض لها الوثائقي-الدرامي الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية، رغم ترشيحه للأوسكار، لكن المبرر الهندي جاء أكثر وضوحا، إذ قال موزعه المحلي مانوج ناندوانا إن المجلس المركزي الهندي لتصديق الأفلام رفض منحه تصريح العرض، وأُبلغ بأن طرحه قد يُفسد أو يُفكك العلاقات الهندية الإسرائيلية.

وكان ناندوانا قد قدّم الفيلم للرقابة في فبراير/شباط على أمل إطلاقه في منتصف مارس/آذار قبل الأوسكار، لكن الموافقة لم تصدر. وربطت تقارير صحافية القرار بسياق سياسي أوسع، في ظل دعم حكومة ناريندرا مودي إسرائيل وتعميق التعاون معها.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 "هند رجب" تلاحق جنديا إسرائيليا في التشيك
* list 2 of 4 هند رجب.. صرخة في ضمير العالم
* list 3 of 4 مؤسسة "هند رجب" تدعو الجنائية الدولية لاعتقال قتلة هند
* list 4 of 4 حكاية طفلة اسمها هند رجب end of list

لا يحكي الفيلم قصة خيالية أو تصورا نظريا عن واقعة تاريخية، ولكنه يقوم على واقعة موثقة، وهي حصار طفلة فلسطينية تحت النار في غزة وقتلها، واستُخدمت فيه التسجيلات الصوتية الحقيقية لمكالماتها مع الطوارئ بينما كانت تنتظر الإنقاذ.

ويعيد الفيلم بناء الساعات التي بقيت فيها هند عالقة داخل السيارة تحت النيران الإسرائيلية، بعدما وصلت مكالماتها إلى غرفة عمليات الهلال الأحمر.

مصدر الصورة رسم على الرمال يذكر بمأساة الطفلة هند رجب التي اغتالها الاحتلال الإسرائيلي في غزة وتحولت قصتها إلى فيلم (رويترز)

ووصفت مجلة تارتان (The Tartan) الفيلم بأنه "عمل صعب المشاهدة، لكنه بالغ الأهمية"، وقالت إن "القيمة الأساسية فيه أنه لا يكتفي بالإحالة إلى الحدث، بل يُدخل المتفرج إلى داخله عبر الصوت والتسجيلات والوثائق".

ولا تكمن المشكلة بالنسبة للجهات التي تحاصر "صوت هند رجب" فقط في موضوعه، بل في طريقته، إذ لا يكتفي بتمثيل المأساة، بل يبنيها على الوثيقة الصوتية الحقيقية، وعلى سرد يلاحق محاولات الإنقاذ لحظة بلحظة.

وقد لخّص الناقد كريس هيدجز هذه القوة حين كتب أن الفيلم يركز على المكالمة، وعلى انتظار المسعفين، وعلى لحظة وصول سيارة الإسعاف قبل انقطاع الاتصال، ثم على العثور لاحقا على السيارة والإسعاف المدمّرَين.

إعلان

ووجد في السيارة التي كانت فيها هند 335 ثقبا من الرصاص وفق توثيق جنائي أشار إليه النص. حوّلت البنية الوثائقية الدقيقة والمذهلة الفيلم من عمل فني إلى شهادة يصعب على المشاهد أن يتعامل معها كأنها خيال أو "رواية متنازع عليها"، فهي ثابتة بالأدلة المادية وبالمنطق، والصوت والصورة.

مصدر الصورة والدة هند رجب تتحدث في فعالية تأبينية لابنتها أواخر يناير/كانون الأول الماضي في برشلونة الإسبانية (أسوشيتد برس)

التحجيم الأمريكي

لم يظهر المنع في الولايات المتحدة بصيغة قرار رقابي رسمي، لكنه اتخذ شكلاً آخر، وهو التحجيم عبر السوق والتوزيع، إذ لم يحصل الفيلم على عدد كاف من دور العرض تمهيدا لعرضه التجاري.

وظل حضوره محصورا إلى حد بعيد في دوائر التضامن مع فلسطين، رغم وجود أسماء كبيرة بين المنتجين التنفيذيين مثل براد بيت وخواكين فينيكس وسبايك لي.

وقد اعتبر تقرير نشر في موقع "ديدلاين" في أكتوبر/تشرين الأول 2024 أن بقاء الفيلم بلا موزع أمريكي يعد أمرا غريبا، رغم الزخم النقدي الذي حظي به والضجة التي أثارها في المهرجانات، ونقل دهشة العاملين في الصناعة بسؤال مباشر، هو "هل يعقل حقاً أن هذا الفيلم لم يُبع بعد؟".

وبعد ذلك بأسابيع فقط، أشارت تغطيات أخرى إلى أن الفيلم وجد أخيرا موزعا أمريكيا وحدد لنفسه موعدا للعرض في نيويورك ولوس أنجلوس قبل توسيع التوزيع بعد ذلك، مما يعني أن التأخير نفسه أصبح جزءا من قصة الفيلم، لا مجرد تفصيل إداري عابر.

مصدر الصورة المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والممثل الفلسطيني معتز ملحيس (غيتي)

وفي موسم الأوسكار نفسه، لم يقتصر الضغط على التوزيع، بل امتد إلى محاولة التأثير على فرص الفيلم داخل الصناعة. فقد نشرت منصة "زيتيو" (Zeteo) تحقيقا قالت فيه إن مجموعة يقودها مسؤولون نافذون في قطاع الترفيه، وترتبط بمنظمة موالية لإسرائيل، شنت حملة لتشويه الفيلم ومنع فوزه بالأوسكار.

وذكر التحقيق أن منظمة "كرييتيف كوميونيتي فور بيس" (Creative Community for Peace) وصفت الفيلم بأنه "دعاية" و"تلاعب"، وسعت إلى التشكيك في الظروف التي قادت إلى مقتل هند، مع أن الفيلم كان قد دخل السباق الرسمي بوصفه مرشح تونس لأفضل فيلم دولي.

وظل الفيلم، رغم ترشيحه للأوسكار، يُعرض في قاعات مستقلة وعروض تضامنية، كما حدث في بيتسبرغ، حيث نُظم له عرض نفدت تذاكره بالكامل، ثم تلت ذلك عروض جامعية ومتحفية.

وتكشف هذه التفاصيل أن الفيلم لم يكن غائبا تماما، لكنه دُفع إلى هوامش العرض، من السوق التجارية الواسعة إلى فضاءات التضامن والجامعات والقاعات المستقلة، أي أن التضييق لم يتخذ شكل "المنع" فقط، ولكنه اتخذ مسار إعادة توجيه الفيلم إلى جمهور محدود ومحدد سلفا.

المنع السياسي

وحمل نقد العمل أثرا من معركة الفيلم حول المشاهدة والعرض، لدرجة أن عنوان مقال كريس هيدجز هو "الفيلم الذي لا يريدون لك أن تراه"، ويعكس إدراكا بأن المشكلة ليست في القيمة الفنية، بل في أن الفيلم يقدّم، عبر صوت طفلة في السادسة، مادة شديدة الإحراج سياسيا وأخلاقيا.

ولم يكتف موقع صحيفة الغارديان البريطانية في تغطيته لمنع الفيلم في الهند بنقل واقعة الرقابة، بل وضعها في سياق دعم حكومة مودي لإسرائيل، وبذلك أشار إلى أن المنع ليس إجراء فنيا معزولا، بل قرارا يتصل بحسابات سياسية أوسع.

إعلان

وتشكل الوقائع المتوالية صورة فيلم مستهدف بأكثر من آلية. في الهند هناك منع صريح من جهة رقابية رسمية. في الولايات المتحدة ظهر تأخير لافت في التوزيع، مع حصر مبكر للعروض في فضاءات مستقلة. في موسم الأوسكار ظهرت، وفق تحقيق زيتيو، حملة منظمة للتشويه والتشكيك.

وفي المجال العام الأوسع، صار الفيلم موضع نزاع لأن مادته الأساسية ليست خطابا نظريا أو موقفا سياسيا تجريديا، بل صوت طفلة يوثّق لحظة استغاثة. وهذا بالتحديد ما يجعل استهدافه معبّراً، فالمشكلة لم تعد في مجرد فيلم عن غزة، بل في فيلم يقول للناس، بالصوت والانتظار والوثيقة، كيف اغتيلت البراءة.

لا يكشف مسار "صوت هند رجب" عن خلاف نقدي أو فني فحسب، بل عن منظومة متدرجة من المنع والتحجيم، من الرقابة الحكومية، إلى تردد الموزعين، إلى حملات الضغط داخل الصناعة، إلى دفع الفيلم نحو دوائر عرض ضيقة.

وما يجعل هذه الوقائع أكثر فداحة هو التناقض الذي تفضحه، إذا كانت حكاية طفلة استُشهدت في السادسة من عمرها قادرة على إخافة مجالس رقابة، وشركات، وجماعات ضغط، ومؤسسات ثقافية، فإن هذا الخوف يقول شيئا بالغ الوضوح عن قوة الرواية نفسها، وعن حجم ما يكشفه الفيلم أكثر مما يُخفيه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا