آخر الأخبار

اغتيال لاريجاني.. هل تدفع الحرب إيران نحو نسختها الأكثر تشددا؟

شارك

ليس كل اغتيال في زمن الحرب نصرا سياسيا خالصا، ففي الأنظمة المغلقة والمعقدة، لا يؤدي التخلص من الرجال الأقوياء في قلب السلطة بالضرورة إلى إضعافها في الاتجاه الذي يريده الخصم، بل قد يعيد ترتيبها على نحو أكثر صلابة وتشددا.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو استهداف علي لاريجاني -في حال تأكد مقتله- مجرد تطور أمني يتعلق بمصير مسؤول كبير، بل لحظة كاشفة لسؤال أبعد: هل تُضعف هذه الحرب إيران فعلا، أم تدفعها إلى تسليم قرارها للتيار الأكثر تشددا؟

للوهلة الأولى، يبدو الجواب بسيطا، فكلما خسرت طهران وجوها بارزة من داخل نظامها، اقتربت من الانكشاف، لكن السياسة الإيرانية لا تعمل بهذه البساطة، فالتشدد داخل الجمهورية الإسلامية لا يُقاس فقط بحدة الخطاب أو بدرجة العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، بل أيضا بطريقة إدارة الصراع نفسه:

هل يُدار بمنطق الدولة التي تفاوض حين تقتضي الحاجة، أم بمنطق العقيدة التي ترى في التفاوض تنازلا بنيويا لا يُغتفر؟

هنا تحديدا تبرز دلالة لاريجاني، حيث إنه لم يكن معتدلا بالمعنى المتداول غربيا، لكنه كان واحدا من أبرز المحافظين البراغماتيين داخل النظام. شغل مواقع سيادية حساسة، وقاد الملف النووي في مرحلة بالغة التعقيد، وعاد لاحقا إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في أغسطس/آب 2025 بعد حرب الاثني عشر يوما.

وبذلك، لم يكن مجرد اسم في بيروقراطية الدولة، بل أحد العقول التي تعرف كيف تمزج بين صلابة النظام وحسابات الدولة، وبين ضرورات الردع ومقتضيات التفاوض.

مصدر الصورة علي لاريجاني (حسابه على إكس)

ومثّل لاريجاني، على مدى سنوات، عقلا "منضبطا" داخل الجمهورية الإسلامية. فرغم تصنيفه أحيانا ضمن ما يوصف بـ"المحافظ المعتدل"، بقي عابرا للتيارات، قادرا على الحفاظ على خيوط صلة مع مراكز نفوذ متباعدة داخل النظام.

وحتى في ذروة التباعد بين المرشد السابق علي خامنئي والرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، حافظ لاريجاني على علاقة قوية مع الرجلين.

إعلان

وباستثناء خصومته الحادة مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، كان يميل في إدارة الخلافات الداخلية إلى المداراة والمرونة السياسية، لا إلى كسر التوازنات أو الذهاب إلى حافة الصدام.

وحين رفض مجلس صيانة الدستور ترشحه للانتخابات مرتين، لم يتصرف بوصفه خارجا على الجمهورية الإسلامية، بل بوصفه ابنها المعترض من داخلها، حيث رد برسالة قانونية سياسية مطوّلة، فنّد فيها مبررات الاستبعاد، ودعا إلى تصحيح المسار من دون أن يقطع مع النظام أو يشكك في شرعيته.

وحتى اعتراضه حمل لغة من يريد الترميم، لا هدم البيت. وإلى جانب موقعه السياسي، عزّز حضوره أيضا موقعه العائلي، فهو زوج فريدة مطهري، ابنة آية الله مرتضى مطهري، أحد أبرز الآباء المؤسسين للثورة ومنظريها. كما أنه شقيق صادق آملي لاريجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام حاليا والرئيس الأسبق للسلطة القضائية.

لهذا، فإن غياب شخصية مثل علي لاريجاني لا يعني بالضرورة أن إسرائيل أزاحت خصما يمكن أن يخلفه وجه أقرب إلى الغرب، بل قد يعني العكس تماما: تقليص المساحة التي كان يتحرك فيها التيار البراغماتي داخل النظام، وفتح المجال أمام مَن يرون أن أي تسوية مع واشنطن ليست سوى مقدمة لتنازل أكبر.

مصدر الصورة سعيد جليلي اسم يميني قد يخلف لاريجاني إذا تأكد اغتياله على يد إسرائيل (حساب جليلي على إكس)

في هذا الفراغ يبرز اسم سعيد جليلي، ممثل المرشد الأعلى الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي منذ عام 2008، فهو ليس مجرد محافظ تقليدي، بل أحد أكثر وجوه التيار المتشدد صلابة. ارتبط اسمه برؤية أكثر عداء للغرب، وأقل ميلا إلى أي انفتاح سياسي أو تفاوضي.

وفي نظر هذا التيار، لا يُنظر إلى الحوار مع الأمريكيين باعتباره أداة لإدارة التوازن أو تخفيف الكلفة، بل باعتباره مسارا متدرجا إلى الخسارة. لذلك، فإن صعود جليلي أو من يفكرون مثله لا يعني مجرد تبدل أسماء داخل النخبة الحاكمة، بل يعني انتقال الثقل داخل النظام من البراغماتية المحافظة إلى التشدد العقائدي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالحرب التي يُفترض أنها تستنزف إيران قد تمنح هذا التيار كل ما يحتاجه لكي يتقدم: الخوف، والتعبئة الأيديولوجية، والشرعية الأمنية، ومبرر إقصاء الأصوات الأكثر حذرا داخل الدولة.

فالحروب لا تكافئ عادة من يجيدون تدوير الزوايا، بل من يرفعون كلفة التراجع إلى أقصى حد، ويقدّمون الصدام بوصفه قدرا لا خيارا.

وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحا. فكلما اتسع منطق المواجهة، تعاظم حضور المؤسسة الأمنية والعسكرية في صناعة القرار، وضاقت المساحة المتاحة أمام رجال التوازنات والتسويات. وفي مثل هذا المناخ، لا يصعد البراغماتيون، بل من يرون أن الصلابة القصوى هي الطريق الوحيد إلى البقاء، وأن أي مرونة لا تُقرأ إلا بوصفها ضعفا.

من هنا، يبدو الرهان على أن الاغتيالات ستنتج إيران"أقل خطرا على إسرائيل" رهانا مضللا. فإضعاف المعتدلين لا يقود بالضرورة إلى نظام أكثر مرونة أو أقرب إلى الحسابات الدبلوماسية، بل قد يفضي إلى نظام أشد انغلاقا، وأقل استعدادا للتفاوض، وأكثر ميلا إلى إدارة الأزمات بالأدوات العسكرية والأمنية وحدها. وعندها لا تكون الحرب قد قلّصت "المشكلة الإيرانية" كما تصفها واشنطن، بل أعادت إنتاجها في صورة أشد صعوبة.

إعلان

هذا بالضبط ما يمنح استهداف لاريجاني دلالة تتجاوز تصفية مسؤول كبير، حيث إنه بخبرته التفاوضية وقدرته على التحرك بين المؤسسات، كان جزءا من التوازنات التي تحول دون انفراد المدرسة الأكثر تصلبا بالمشهد كاملا.

أما حين يُزال هذا النوع من الشخصيات من المعادلة، فإن الرسالة التي تترسخ داخل النظام لن تكون أن البراغماتية أنقذت أصحابها، بل إن زمن الحرب لا يترك مكانا إلا للأكثر تشددا والأكثر استعدادا للمواجهة حتى النهاية.

لهذا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إسرائيل قد نجحت في اغتيال علي لاريجاني، بل من الذي سيرث مكانه السياسي إذا غاب.

فإذا كان الجواب هو اتساع نفوذ التيار الذي يمثله سعيد جليلي، فإن العالم لن يكون أمام إيران أضعف، بل أمام إيران أكثر صلابة، وأقل ميلا إلى التسويات، وأكثر اقتناعا بأن القوة ليست خيارا أخيرا، بل خيارا أول.

مصدر الصورة علي لاريجاني (حسابه على إكس)

تلك هي المفارقة التي قد تكتشفها إسرائيل متأخرة: أن الاغتيالات التي تبدو نجاحا تكتيكيا قد تتحول، إستراتيجيا، إلى وصفة لصعود الأكثر تطرفا داخل إيران.

فحين يختفي المحافظ البراغماتي من المشهد، لا يأتي بالضرورة من هو أقرب إلى أمريكا، بل قد يأتي من يرى أن أمريكا نفسها لا تُواجَه إلا بلغة القوة، وأن التفاوض معها ليس سوى اسم آخر للخسارة.

وعندها، لا تكون الحرب قد "فتحت بابا للحل" كما تقول واشنطن وتل أبيب، بل أغلقت واحدا من آخر أبوابه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا