طهران- "بابا انظر.. الشمس بزغت من الجنوب"، بهذه الكلمات لفت صغيري انتباهي إلى كابوس تقاسمنا آلامه مع آلاف الإيرانيين، بعد إفطار يوم السبت الماضي، جراء قصف إسرائيلي أمريكي مشترك طال عدة نقاط في العاصمة طهران.
بينما كنت منهمكا في كتابة تقرير عن الأضرار التي لحقت بمستشفى "غاندي" شمال العاصمة الإيرانية جراء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، شعرت باهتزاز نافذة الغرفة لكن لم أعره انتباها، فقد تعودنا خلال الأيام الماضية على مثل هذه الهزات، لكن الارتجافة التالية كانت مختلفة، حيث دفعتني غريزتي الصحفية لأفتح نافذة الشارع بحذر.
ما إن فتحتها لأتفقد المصدر، حتى سمعت هدير المقاتلات في السماء، في حين كان المشهد أشبه بفيلم رعب؛ الشارع كان أشبه بسرب نمل مذعور والناس يركضون في اتجاهات مختلفة، بيد أن العيون كانت تشخص إلى وهج برتقالي يتصاعد من الجهة الجنوبية، وكأن الشمس أشرقت بعد سويعات من غروبها.
نسمع رجلا يصرخ بأعلى صوته "المصفاة، قصفوا المصفاة"، وتبين لاحقا أن النيران الهائجة ناتجة عن قصف أحد خزانات المصفاة الواقعة جنوب المدينة. ومع اقتراب دوي محركات الطائرات الحربية، أغلقت النافذة وهرعت إلى صالة المعيشة لأجمع أفراد العائلة في "النقطة الآمنة" التي حددناها مسبقا وهي عبارة عن زاوية بعيدة عن النوافذ قرب عمود خرساني.
وبعد ثوانٍ، شعرنا بزلزال عنيف هز أركان الشقة، وكأن الأرض انشقت من تحت أقدامنا، انقطعت إثرها الكهرباء، فإذا بنا في ظلام دامس. تذكرت حينها أن الفكرة النظرية التي تحدثنا حولها لمواجهة أي طارئ لم تعد مجرد خطة، فقد أمست واقعا مرعبا في تلك الليلة.
احتضنت أولادي في ذلك الركن المظلم، وكانت ابنتي تهمس "بابا، أنا خائفة". حاولت أن أبدو هادئا، لكن دقات قلب صغيري الآخر تسللت إلى أعماق وجودي حيث كان يدق كالمطرقة، تذكرت فجأة أنني لست صحفيا فقط، بل أب أيضا تعجز الكلمات عن وصف مشاعره عندما يتعلق الأمر بحياة صغاره الذين لا حول لهم ولا قوة لمواجهة الحروب المدمرة.
وفي الظلام الدامس، لم أسمع سوى تنفس أطفالي المتسارع، ورائحة الغبار والبارود غزت أنوفنا، أضأت تطبيق نور الهاتف فرأيت غبار الجبس يتساقط من السقف كالثلج وجميع نوافذ الشقة مفتوحة، وبعض الزجاج المتشقق لكنه لم يتناثر، حيث قمت بلصق شرائط عريضة عليه تنفيذا لتعليمات الدفاع المدني.
وبينما كانت عيوننا تلمع في الظلام، تبادلنا النظرات دون كلام في محاولة يائسة لاستيعاب ما حدث خلال ثوان، فحاولت جمع قواي لتهدئة روع العائلة، وإذا بصوت غريب لم نألفه من قبل يأتي من سلم الطوارئ "أخلوا المبنى فورا، البرج المجاور استُهدف".
هرعنا إلى الممر، ننزل الدرج في ظلام حالك، وفي الطابق تحت الأرضي، كان المشهد مشابها، فقد كانت أجزاء من سقف موقف السيارات تواصل الانهيار، بيد أن روعة المشهد تغلبت على الأنقاض المتراكمة التي لم تتمكن من سد الطريق.
وفي خارج المرآب، لمحت أن شقة أحد الجيران قد تحولت إلى فتحة كبيرة باتجاه الشارع، وسيارات الإسعاف تملأ المكان، ورجال الإطفاء يحاولون إخراج عجوز من تحت الأنقاض، وهناك امرأة ممددة على الرصيف يلفها المسعفون، في حين ينقل آخرون جريحا على نقالة.
وبينما كان عناصر الأمن يطلبون من الجميع الابتعاد من المكان، حاولت أن ألتقط صورة بهاتفي قبل المغادرة، لكن اقترب مني أحد العناصر الأمنية وقال بهدوء "سيدي، من فضلك لا تصور. هذا لأمنك".
وبعد ساعتين من الرعب، تمكنت من إيصال عائلتي إلى مدينة كرج غرب العاصمة طهران حيث منزل أحد الأقارب الآمن نسبيا، فاتصلت بأحد الجيران الذي تحدث بصوت متهدج "الصاروخ استهدف الطابق السابع في البرج المجاور. ٣ طوابق تلاشت.. السادس والسابع والثامن.. كأنها لم تكن. 6 قتلى حتى الآن، والجرحى كثر".
صبيحة اليوم التالي، عدت إلى شقتي. المشهد لا يوصف. المباني الثلاثة المجاورة لنا لحقت بها خسائر فادحة، لمحت أحد الجيران يجهش بالبكاء بعد تلقيه نبأ وفاة زوجته متأثرة بجروح غائرة جراء القصف، وجارة أخرى تروي "كنت أصلي العشاء، فانهار جدار الصالة، وإذا بجيراني سقطوا في شقتي".
وعلى بعد أمتار، بينما كانت فرق البلدية ترفع الأنقاض، والجرافات تلتهم بقايا حياة الناس حيث صورة طفل على حقيبة ممزقة، وكرسي هزاز لمسن، وأوراق دفتر مذكرات لشاب أو شابة تختلط بالأسمنت والحديد، تذكرت أنني كنت أكتب تقريرا عن القصف قبل أن أكون جزءا منه.
شقة مراسل الجزيرة نت أصبحت غير صالحة للسكن (الجزيرة)صوت الهاتف يشتت أفكاري، وإذا بأحد الزملاء الصحفيين يخبرني بأن زميلا عراقيا آخر تعرض لقصف مماثل أدى إلى إصابة نجله في طهران، حينها عدت أدراجي وأنا أفكر بالشمس التي أضاءت سماء طهران تلك الليلة، لم تكن السماء هي وحدها التي اشتعلت بل اشتعلت معها الذكريات والأمان واليقين بأن جدران المنزل تحمينا.
ورغم أن فرق الإطفاء تمكنت من إخماد النيران سريعا، فإن القصف الأمريكي الإسرائيلي سبقها وأطفأ أنوارا في قلوب كثيرة، فكنت شاهد عيان ممن يحملون شظايا من تلك الليلة في ذاكرتهم عن حادث ترك أسئلة معلقة في خلدي، إذا كان هذا مصير الأحياء السكنية تحت القصف، فأين الملاذ؟ وأي خط أحمر بقي لم يتجاوزه العدوان؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة