كبرتُ على حكايات والدتي عن بغداد ، تلك المدينة التي لا تُشبه سواها، ثم رأيتُها في الإعلام تحت رحمة الحروب والخوف والانفجارات . بين هاتين الصورتين ظلّت فجوة لم أفهمها… إلى أن زرتها وتجولت في ربوعها.
من نافذة الطائرة رأيتُ امتدادًا واسعًا من الأضواء، لا مدينة منهكة كما تخيّلت. عند الهبوط، وجدت مدينة لا تنام: حركة مستمرة، مشاريع إعمار ، طرق تُعاد تهيئتها، ومقاه تعجّ بالشباب حتى ساعات متأخرة من الليل.
في أول لقاء حقيقي بيننا، بدت بغداد كأنها تقول لي: أنا أكثر من صورة الخراب التي رُسمت في ذهنك وأكبر من الانفجارات والدمار.
بعوة من TEDx بغداد زرت بغداد التي خرجتُ منها طفلةً مع عائلتي، وعدتُ إليها اليوم مذيعة تقف على خشبة مسرح ترفع شعار "بلدي". أمامي قاعة مليئة بالشباب: طلاب وروّاد أعمال و فنانون ، ومبادرات تولد في بلد عاش الأزمات ، لكنه يفكّر بالمستقبل بدل أن يعلَق في الماضي.
منذ اللحظة الأولى، شعرتُ بأمان يفوق توقّعاتي: استقبال دافئ، ضحكات صادقة، وأسئلة عن الغربة والانطباعات الأولى. لم أشعر أنني غريبة عن المكان، بل ابنة تعرّف نفسها من جديد إلى مدينتها الأولى؛ شباب يساعدون بلا تردّد، وسائقون يتحوّلون إلى "أدلّاء" يحكون عن الجسور والأحياء والأسواق.
إلى جانب هذا الوجه المألوف، تبرز بغداد أخرى حديثة: تطبيقات توصيل الطعام تعمل بقوّة و"السمك المسقوف" الذي كان جزءًا من نزهة على النهر يمكن أن يصلك إلى البيت بلمسة على الهاتف؛ نكهة قديمة تصل بوسائل حياة عصرية.
استحضرتُ صورتها في التاريخ : عاصمة للعالم الإسلامي ومركزًا للعلم والترجمة والفلسفة، وموطنًا لـ "بيت الحكمة" ولقاء الأديان والثقافات. لكن هذا المجد لا يظهر دائمًا في الواجهة، فقررتُ أن أبحث عنه في شوارعها.
القشلة في بغداد، معلم تاريخي عثماني يطلّ على نهر دجلةصورة من: Sanaa Hamdani/DW
في القشلة ، المبنى العثماني الذي تحوّل من مقر إداري وعسكري إلى رمز مدني، شعرتُ أنني أمشي في طبقة أخرى من الزمن. في إحدى الزوايا، تقف عربة منسوبة إلى الملك فيصل الثاني، وحيدةً في ساحة شبه مهجورة؛ قطعة من تاريخ بلد كامل، موجودة لكنها صامتة.
هناك سألت نفسي: "لماذا لا تتحوّل مثل هذه الأماكن إلى متاحف حيّة ومفتوحة تروي قصة بغداد للجيل الجديد ولمن يأتون من الخارج؟"
في شارع الرشيد الذي كان قلب بغداد الحديثة، ما زالت ملامح السينما والمقاهي والحياة الثقافية ظاهرة رغم التعب على المباني. على الأرصفة، رأيتُ عمّالًا يعملون على سكّة قطار؛ مشهدًا صغيرًا يختصر مدينة تتعب لكنها لا تكل عن الحركة. وهناك شربتُ كأس عصير زبيب من "حجي زبالة"، المحل البغدادي العريق؛ طعمٌ حلو وبسيط يحمل ذاكرة أجيال مرّت من هنا.
وفي المقاهي اكتملت الصورة: في الشابندر تختلط رائحة القهوة بدخان السجائر وصور الشهداء والكتب، وفي مقاهي المنخل والقبانجي يلتقي جيلان؛ كبار يروون حكايات الماضي، وشباب يناقشون مشاريعهم وأفكارهم.
في الخلفية، تتسلّل أغنيات إلهام المدفعي كجسر موسيقي بين زمنين. وعندما صعدتُ قاربًا صغيرًا في نهر دجلة، رأيتُ بغداد من زاوية مختلفة: نهر يشقّ المدينة بهدوء، جسور، أضواء منعكسة، وهواء بارد في المساء. من وسط النهر بدت أقل ضجيجًا وأكثر وضوحا.
في شارع المتنبي ظهرت بغداد التي لا تُرى في الأخبار: كتب ومكتبات وشعراء وفنانون ونقاشات وعائلات وأطفال. أجيال تتقاطع في شارع واحد، ومثقفون يتحدّثون عن تاريخ العراق وجمال المدن القديم.
وفي سوق الشورجة رأيت بغداد الشعبية: ضجيج لا يهدأ، عمال وبائعون مكدودون وابتسامات، ونكات لا تنقطع. بين الأزقة يتحرك التوكتوك كحل عملي للتغلب على زحمة المرور في المدينة. يقوده شباب لا يفقدون خفة الظل ولا الأمل.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد ترتفع ناطحات سحاب ومشاريع حديثة، وكأن بغداد تجرّب شكلها القادم.
شباب يعملون على سكة قطار في شارع الرشيدصورة من: Sanaa Hamdani/DW
ما شدّني أكثر هو طاقة الشباب، متطوّعون ينظّفون شوارع ومواقع أثرية، شباب ينظّمون فعاليات ثقافية في أماكن قديمة لإيقاظ الحياة التي تورات في زواياها منذ عقود، صُنّاع محتوى وصحفيون ومبرمجون وفنانون يحاولون تقديم صورة أخرى عن بغداد. والنساء حضورهنّ لافت في الإعلام والعمل والمبادرات والمقاهي ؛ كل واحدة تحمل حكاية قوة خاصة.
نعم، الفجوة الاجتماعية حاضرة، لكن خيطًا واحدًا يربط المشهد كله: بغداد مدينة حيّة، لا تقبل أن تُختَزل في ماضيها أو في أخبار الخراب عنها، بل تحاول أن تنهض من جديد بصورةٍ عصرية تجذب الزائرين والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
بغداد التي رأيتُها اليوم مدينة تتغيّر وتجرّب وتنهض. وإذا استمر هذا الجهد وهذا الإصرار، فأنا مؤمنة أنها ستستعيد مكانتها، وربما تتفوّق مرة أخرى على كثير من عواصم العالم.
وحين أحكي لأمي عن بغداد الآن، لا أكتفي باستعادة حكايتها القديمة، بل أضيف إليها حكاية مدينة تعلّمت أن تنهض من كبواتها، وحكاية ابنتها التي عادت لتتصالح مع صورتها الأولى عن الوطن.
المصدر:
DW