في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كابُل- تشهد العلاقات بين كابل و إسلام آباد تصعيدا غير مسبوق منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، حيث انتقلت التوترات من مستوى الاتهامات السياسية والاشتباكات الحدودية المحدودة إلى مرحلة أكثر حساسية اتسمت بتبادل الضربات العسكرية المباشرة.
وأعادت الغارات الجوية الباكستانية الأخيرة على مواقع داخل أفغانستان، وردود الفعل التي صدرت من كابل، طرح تساؤلات جديدة حول طبيعة الصراع بين البلدين، خصوصا بعد ظهور مؤشرات على استخدام الأخيرة ل لطائرات المسيرة كأداة ردع عسكرية.
ومؤخرا، شنّت الطائرات الباكستانية هجمات جوية داخل الأراضي الأفغانية، وقالت إسلام آباد إنها تعود لمسلحي " حركة طالبان باكستان". غير أن مصادر أفغانية تقول إن ضربات طالت منشآت عسكرية ومواقع حكومية في ولايات مثل خوست وبكتيكا وحتى مناطق قريبة من العاصمة كابل، وهو ما اعتبرته حكومة طالبان انتهاكا واضحا للسيادة الأفغانية.
ويُمثّل هذا التطور تحولا في طبيعة الرد العسكري لحكومة طالبان، التي لا تمتلك قوة جوية تقليدية متكاملة، ما دفعها للاعتماد على الطائرات المُسيّرة منخفضة التكلفة كوسيلة لضرب أهداف عبر الحدود.
وقال الخبير الأمني الأفغاني أسد الله كريمي "الغارات الأفغانية الأخيرة بالمُسيّرات تمثل تحوّلا في طريقة تعامل كابل مع إسلام آباد، إذ لم تعد تقتصر على الاشتباكات الحدودية مع باكستان، بل باتت تمارس ضغطا عسكريا مباشرا على الجانب الباكستاني".
ورأى كريمي في حديثه للجزيرة نت أن "هذا التصعيد يرتبط أيضا بالتحولات الإقليمية الأوسع"، مضيفا أن "كابل تسعى لفرض معادلة أمنية جديدة على الحدود الشرقية، خاصة بعد ازدياد غارات باكستان".
لكنّ ما جعل الجولة الحالية من التوتّر مختلفة عن سابقاتها هو الحديث عن استخدام طالبان للمُسيّرات في الرد على الضربات الباكستانية، فقد أفادت تقارير إعلامية باكستانية، مؤخرا، بإسقاط مُسيرة قالت إنها أُطلقت من أفغانستان تجاه مناطق حدودية داخل باكستان، وحتى الآن لا توجد دلائل قاطعة على حجم القدرات الفعلية التي تمتلكها طالبان بهذا المجال، إلا أن مجرد ظهور هذا السلاح في المعادلة العسكرية بين الطرفين يحمل دلالات إستراتيجية.
وقال الباحث في شؤون الأمن الإقليمي، عبد السلام ضياء، للجزيرة نت "دخول المسيرات في الصراع بين أفغانستان وباكستان يمثل تطورا مهما، حتى لو كان استخدامها ما يزال محدودا من حيث المدى والدقة".
وأضاف الباحث ضياء للجزيرة نت: أظهرت الحروب الحديثة "أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة يمكن أن تخلق ضغوطا كبيرة على الجيوش التقليدية، خاصة عندما تُستخدم في إطار حرب استنزاف طويلة، رغم أن الأضرار المادية المعلنة للهجمات المسيّرة ما تزال محدودة، وأهميتها تكمن في بعدها الرمزي والسياسي. فمجرد القدرة على توجيه ضربات داخل باكستان قد يفرض على إسلام آباد تعزيز دفاعاتها الجوية واستنزاف موارد إضافية".
وقد استُخدمت هذه الطائرات خلال السنوات الماضية في بعض العمليات التكتيكية، خاصة على طول خط دورند الفاصل بين أفغانستان وباكستان، غير أن الحديث عن محاولة إرسال مُسيّرات إلى عمق الأراضي الباكستانية يشير إلى تحول في طبيعة هذا الاستخدام.
ورأى الباحث العسكري الأفغاني، حبيب كامران، في حديثه للجزيرة نت أن "التطور الحقيقي لا يكمن في نوعية الطائرات، بل في الرسالة السياسية التي تحملها" وأضاف "حتى لو تمكنت باكستان من إسقاط هذه الطائرات بسهولة، فإن مُجرد إطلاقها يعني أن كابل تسعى إلى كسر الاحتكار الجوي الذي تمتعت به باكستان على مدى عقود".
وتشير تحليلات تقنية إلى أن أفغانستان استخدمت نوعين رئيسيين من الطائرات المسيرة في هجماتها الأخيرة:
وتُظهر صور نشرتها وزارة الدفاع الأفغانية أن هذه الطائرات استُخدمت في استهداف مواقع أمنية باكستانية قرب خط دورند مع باكستان.
ويرتبط توسّع استخدام الطائرات المُسيرة عالميا بانتشار المكونات التقنية الخاصة بها في الأسواق التجارية، فالمحركات الكهربائية، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وكاميرات المراقبة، وحتى وحدات التحكم في الطيران، باتت متاحة بسهولة نسبية في الأسواق العالمية.
ويقول الخبير التقني الأفغاني محمد زبير نوري للجزيرة نت "بناء طائرة مسيرة بسيطة لم يعد يتطلب بنية صناعية متقدمة كما كان الحال قبل عقد من الزمن، والعديد من الجماعات المسلحة حول العالم نجحت في تطوير طائرات انتحارية منخفضة التكلفة اعتمادا على مكونات تجارية متاحة".
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن طالبان تحاول تطوير قدراتها في هذا المجال عبر تجميع الطائرات محليا والاستفادة من المعدات التي تركتها القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي ( الناتو) بعد انسحابها من أفغانستان عام 2021.
كما يُعتقد أن بعض القواعد العسكرية السابقة، خصوصا في مناطق قريبة من كابل ولوغر، قد تُوفر بنية تحتية تقنية يمكن استخدامها في اختبار هذه الطائرات أو تطويرها.
وتمتلك الحكومة الأفغانية عدة عوامل قد تساعدها على تطوير هذا النوع من القدرات العسكرية، أولُها انخفاض تكلفة المُسيّرات الانتحارية مقارنة بالأسلحة التقليدية، إذ تشير تقديرات إلى أن تكلفة تصنيع طائرة مسيّرة بسيطة قد لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات.
وقال الباحث الاقتصادي، نجيب الله سادات للجزيرة نت "أفغانستان أصبحت تمتلك موارد مالية من الضرائب الداخلية ورسوم النقل والتجارة، إضافة إلى عائدات بعض المناجم"، وهذه الموارد قد تسمح حسب قوله "بتمويل مشاريع عسكرية صغيرة مثل برامج الطائرات المسيّرة".
أما العامل الثاني، فيتمثّل في الطبيعة الجغرافية لأفغانستان، إذ تُوفر تضاريسها الجبلية ومساحتها الواسعة إمكانية إنشاء مواقع سرية للتجارب أو التصنيع بعيدا عن المراقبة الجوية.
في المقابل، تتابع باكستان هذه التطورات بحذر شديد، فرغم امتلاكها واحدا من أقوى أسلحة الجو في المنطقة، فإن انتشار الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة قد يفرض تحديات جديدة على منظومتها الدفاعية.
ويقول الخبير العسكري عبد الحكيم صديق، للجزيرة نت "الخطر الحقيقي للمُسيرات لا يكمن في قوتها التدميرية، بل في قدرتها على فرض تكاليف أمنية إضافية على الدولة المستهدفة، وستحتاج الدول إلى إنفاق مبالغ كبيرة على أنظمة الدفاع الجوي لمواجهة طائرات قد لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات".
ويُرجح أن تدفع هذه التطورات باكستان إلى تعزيز دفاعاتها المضادة للطائرات المسيّرة على طول حدودها الغربية، وهو ما قد يؤدي إلى شكل جديد من سباق التسلّح منخفض التكلفة بين البلدين.
ورغم الضجّة التي أثارتها التقارير حول استخدام طالبان للمسيرات، يرى معظم الخبراء أن هذه القدرات لن تُغير موازين القوى العسكرية بين أفغانستان وباكستان في المدى القريب. فباكستان لا تزال تمتلك تفوقا جويا واضحا بفضل أسطولها من الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، كما أن قدرات أفغانستان التقنية في مجال المسيّرات لا تزال في مراحلها الأولى.
ورأى الباحث في شؤون جنوب آسيا، خالد حسين أن "التأثير الحقيقي لهذه الطائرات قد يكون نفسيا وإستراتيجيا أكثر منه عسكريا، وباكستان اعتادت لعقود على التعامل مع أفغانستان باعتبارها عمقا إستراتيجيا لا يشكل تهديدا مباشرا لأراضيها.
وأضاف للجزيرة نت "ظهور أي قدرة أفغانية على تهديد العمق الباكستاني، حتى ولو كانت محدودة، قد يُغيِّر طريقة التفكير الأمني في إسلام آباد".
وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن الصراع بين أفغانستان وباكستان يدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، فبينما تسعى الأخيرة للضغط على أفغانستان لوقف نشاط الجماعات المسلحة التي تستهدف أراضيها، تحاول كابل إظهار قدرتها على الرد وعدم القبول بالضربات العسكرية داخل أراضيها.
وفي السياق، قد تتحول المسيّرات إلى أداة ردع رمزية بيد كابل، حتى وإن كانت قدرتها التدميرية محدودة. وسيعتمد مستقبل هذا المسار على عاملين أساسيين:
لكنّ المؤكد أن دخول الطائرات المسيّرة إلى معادلة التوتر بين البلدين يشير إلى أن الحرب على الحدود الأفغانية الباكستانية لم تعد مجرد صراع تقليدي، بل بدأت تأخذ ملامح حروب التكنولوجيا منخفضة التكلفة التي باتت سمة بارزة للنزاعات الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة