في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا صوت يعلو الآن فوق صوت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بيد أن فهم هذه الحرب يتطلب استدعاء المفاهيم التي أدت لنشوبها من الأساس. لذلك، لا يسعنا أن نفوت كلمة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط الماضي، والتي لاقت اهتماما واسعا داخل الولايات المتحدة وخارجها، إلى حد أثار غيرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي داعب روبيو بأن تلقيه المديح قد يدفعه إلى إبعاده عن منصبه. ذلك أن كلمة روبيو أوجزت التصور السياسي للإدارة الأمريكية الحالية، والذي يمكن أن نوجزه في شعار مقتضب مفاده: "الغرب في مواجهة العالم".
لقد دعا روبيو أوروبا إلى التكاتف مع الولايات المتحدة على أساس الانتماء المشترك إلى حضارة غربية تنطوي على إرث ديني وثقافي مشترك. دفعت الحماسة الأيديولوجية وزير الخارجية الأمريكي المهاجر من كوبا، إلى المبالغة بالحديث عن لغة مشتركة كذلك في هذا الإرث الحضاري، وهو ما يثير التساؤل عن أي لغة مشتركة يتحدث روبيو، فاللاتينية -وهي اللغة الوحيدة التي اجتمع عليها عدد من الشعوب الأوروبية- كانت لغة للثقافة العليا دون الحياة اليومية، وانتهى بها الحال لغة ميتة ليس على ألسن الناس فحسب، وإنما منذ نشر الكتاب المقدس بالألمانية عقب الإصلاح الديني في القرن السادس عشر.
أما إذا كان روبيو يقصد الإنجليزية، فربما فاته أن عدد الناطقين باللغات الروسية والفرنسية والألمانية كلغة أم يفوق عدد الناطقين بالإنجليزية كلغة أم في أوروبا، شريك الولايات المتحدة الرئيسي في "العالم الغربي". وأن الولايات المتحدة نفسها لم تتبن الإنجليزية لغة رسمية على المستوى الفيدرالي تاريخيًا، رغم أنها ظلت اللغة المهيمنة عمليًا في الحكومة والتعليم والإعلام. وهو الوضع الذي حاول الرئيس دونالد ترمب تغييره في مارس/ أذأر 2025 من خلال أمر تنفيذي يحدد الإنجليزية كلغة رسمية للدولة لأول مرة.
وإذا غضضنا الطرف عن تلك اللغة المشتركة "المتصورة"، تواجه "الحضارة الغربية" اليوم تهديدا ثلاثيا بحسب رؤية روبيو التي لا تشكل سوى تكرار لخطاب اليمين الأمريكي الذي أخذ يتشكل منذ السبعينيات. فهناك التهديد الاستراتيجي الذي تمثله الصين وروسيا بقواهما العسكرية، وقدرات الصين الاقتصادية. وهناك التهديد الديموغرافي الذي يواجهه العرق الأبيض بفعل الهجرة اللاتينية في حالة الولايات المتحدة، والأفريقية في حالة أوروبا. وأخيرا، يأتي التهديد الثقافي الذي لا يحدده اليمين الأمريكي بوضوح في خطاباته العلنية، غير أن أدبيات هذا اليمين كما سنستعرض بوضوح تشير بأصابع "العداء الصليبي" نحو الإسلام.
يغري هذا الخطاب الحضاري عن الغرب في مواجهة الإسلام أو الشرق أو الآخر عموما، بتبني رؤية حضارية معكوسة تتمثل في قبول الأطروحة الغربية عن أن الصراع العالمي الفعلي هو صراع حضاري بين الحضارة الغربية والعرق الأبيض من جهة، والمسلمين أو العرب أو الآسيويين من جهة أخرى. وتقود هذه الرؤية إلى التمترس الثقافي في مواجهة التهديد الغربي، وهو موقف منطقي في مواجهة مثل هذا "الإعلان الصليبي". غير أن ما يستحق الالتفات إليه هاهنا هو أن هذا الصراع الحضاري ليس محتوما كما يصوره اليمين الأمريكي اليوم، وإنما هو صراع أججه هذا اليمين الأمريكي انطلاقا من تحالفه الوثيق مع إسرائيل، ومحاولته افتراض إطار جامع بين الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، هو إطار الحضارة الغربية في مواجهة الآخر المسلم، دون حتى انشغال فعلي بالمصالح الواقعية للولايات المتحدة في توجيه طاقتها نحو إسرائيل.
تاريخيا، تشكلت رؤيتان نظريتان حول حقيقة الصراع الدولي المعاصر، حيث رأى اليسار أن ذلك الصراع ينبع من صعود الرأسمالية الاحتكارية وسعيها للهيمنة على الأسواق والموارد، وحتى اليد العاملة، ومن ثم ظهور الإمبريالية (Imperialism)، أي سعي الدول الرأسمالية الكبرى للسيطرة على الدول الأخرى في الجنوب العالمي (Global South) عموما، ليس ببواعث ثقافية فعلية -كالعداء الديني أو الثقافي- وإنما بدافع المصلحة المادية التي تستخدم هذه الشعارات الثقافية كغطاء لأسباب العداوة الفعلية.
اتخذت هذه النظرية في تفسير الإمبريالية من حرب البوير (Boer War) نموذجا لتأكيد هذا الجذر الاقتصادي المادي للعداء. ففي حرب البوير الثانية التي وقعت في جنوب أفريقيا في نهاية القرن التاسع عشر، شن الاستعمار البريطاني حربا شعواء ليس على الأفارقة السود غير المسيحيين، وإنما على المستوطنين الهولنديين البيض الأوروبيين المسيحيين. تعامل الاستعمار البريطاني مع البوير بنفس الشراسة الاستعمارية التي تعامل بها مع الشعب الهندي، مدفوعا بالجشع الاقتصادي للاستعماريين البريطانيين الطامعين في المناجم التي يسيطر عليها البوير.
"رأى أنصار الجيوبوليتيك في الصراع العالمي تجليا للتنافس المحتوم جغرافيا بين القوى الموزعة في نطاق إقليمي معين".
في مقابل تلك النظرية الاقتصادية، تشكلت منذ مطلع القرن العشرين نظريات جيوسياسية، رأت في الصراع تجليا للتنافس المحتوم جغرافيا بين القوى الموزعة في نطاق إقليمي معين. فقد طرح السير هالفورد ماكيندر، وهو سياسي وجغرافي بريطاني، نظريته عن المحور الجغرافي (Geographical Pivot) للصراع التاريخي. رأى ماكيندر أن الفضاء الأوراسي الممتد بين روسيا ووسط أوروبا يشكل قلب العالم الذي يمكن لمن يسيطر عليه أن يسيطر على جزيرة العالم. تتشكل تلك الجزيرة من القارات الثلاث القديمة، آسيا وأوروبا وأفريقيا، ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره.
كانت نظرية ماكيندر مدفوعة في الواقع بالتنافس المتصاعد بين إنجلترا وألمانيا، والقلق البريطاني من التحالف بين ألمانيا وروسيا، ما يؤمن لألمانيا على الأرجح السيطرة الشاملة على أوروبا، وترك إنجلترا كجزيرة محاصرة، معزولة ونائية. ضاعف تطور السكك الحديدية من هذا التهديد الأوراسي، إذ يسمح للقوى البرية بالتعبئة السريعة متفوقا على الميزة التاريخية للقوى البحرية في التحرك السريع.
تأثر الأدميرال الأمريكي ألفريد ماهان بنظرية ماكيندر، وارتأى أن هناك صراعا جغرافيا محتوما بين قوى البر وقوى البحر، لكنه رأى أن التفوق مضمون لمن يملك القوى البحرية الأقوى بفضل السيطرة على الممرات التجارية والقدرة على الانتشار العسكري السريع حول العالم.
اكتسبت النظريات الجيوسياسية بعدا حضاريا على يد المدرسة الألمانية في الجيوبوليتيك. فقد تبنى كارل هاوسهوفر فرضية الصراع بين قوى البر "تيليوكراسي" (Tellurocracy) وقوى البحر "ثالاسوكراسي" (Thalassocracy). أضاف هاوسهوفر أن هذا الصراع يقود إلى التفاف الدول في فضاءات واسعة "جروبروم" (Grossraum) حول دولة مركزية كألمانيا في حالة الفضاء الأوراسي، لتخوض الصراع مع فضاءات واسعة أخرى، مشيرا بالأساس إلى إنجلترا.
أضفى كارل شميت في كتابه "ناموس الأرض" بعدا حضاريا إضافيا على الجيوبوليتيك، إذ رأى شميت في الصراع بين أوروبا القارية والقوى الأطلسية ليس مجرد صراع سياسي، وإنما صراع ثقافي بين القوى الأوروبية التي تميل إلى الحفاظ على التقاليد والتراث والتمسك بالهوية الثقافية الخاصة، في مقابل القوى الأطلسية الأنغلوسكسونية، إنجلترا وأمريكا، التي تتبنى الليبرالية. وتكمن مشكلة الليبرالية، من وجهة نظر شميت، في زعمها أن هناك حقوقا وقيما كونية تتجاوز الهويات الثقافية، وبالتالي فإنها تحول الصراعات التقليدية من حروب بين خصوم يسعون إلى تحقيق مكاسب محددة، إلى حروب وجودية أخلاقية بين الخير الليبرالي والشر الهوياتي.
حتى ذلك الوقت، كانت فرضيات الصراع الحضاري تدور فعليا ليس بين الغرب والشرق أو بين أوروبا وآسيا، بقدر ما كانت تدور داخل الغرب نفسه، بين أوروبا القارية والقوى الأطلسية، إذ اكتسى الصراع الرأسمالي الإمبريالي بين ألمانيا الصناعية الصاعدة بقوة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وإنجلترا المتسيدة منذ عصر الثورة الصناعية، بأبعاد ثقافية تبرره من جانب كلا الطرفين: العرق الآري في مواجهة التهديد السامي، الديمقراطية الليبرالية في مواجهة السلطوية الفاشية، الهوية والتقاليد القارية في مواجهة الليبرالية الأطلسية.
"كانت مقولة الغرب تستخدم بالأساس في سياق ثقافي أولا، وهو للمفارقة سياق الاضمحلال لا إعلان الحرب على العالم".
لم يكن الغرب قد تم اختراعه بعد، ولم يوضع الغرب في مواجهة الشرق، وإنما انقسم الشرق المهموم بتحرره من الاستعمار بين تلك الدعاوى نفسها سواء على أسس أيديولوجية كالانحياز إلى الديمقراطية في حالة القوى الليبرالية العربية مثل حزب الوفد في مصر، أو على أساس براغماتي أو حتى قومي كانحياز الملك فاروق في مصر وحكومة عبد الرحمن الكيالي في العراق إلى ألمانيا رغبة في التحرر من الاستعمار البريطاني.
كانت مقولة الغرب تستخدم بالأساس في سياق ثقافي أولا، وهو للمفارقة سياق الاضمحلال لا إعلان الحرب على العالم. فالمفكر الألماني أوزفالد شبنغلر كان من أوائل من طرحوا تلك المقولة بصيغة صريحة في كتابه "انحسار الغرب". كان شبنغلر في الواقع مفكرا رومانسيا معاديا لليبرالية والفكرة التي تفترض حقوقا أساسية للبشر يمكن مقارنة الأنظمة الحضارية المختلفة على أساس ما توفره من تلك الحقوق. في نظر شبنغلر، لا تمثل الحضارة الغربية تقدما تاريخيا يتفوق على الحضارات البشرية السابقة، وإنما هي واحدة من بين حضارات متعددة لا يمكن المفاضلة بينها. بل إنها تحولت في نظره إلى حضارة فاوستية (Faustian) بتخليها عن الروحانية وسقوطها في المادية، وفساد الديمقراطية تحت حكم المال.
ولدت الفكرة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية جراء محاولة تجاوز هذا الشقاق الغربي من خلال فكرة التقليد اليهودي المسيحي (Judeo-Christian tradition) المشترك. كان اليهود قبل الحرب العالمية الثانية يميلون عموما إلى الشيوعية بوصفها عقيدة سياسية لا تقوم على أساس الانتماء القومي الذي يقصي اليهودي في أوروبا، ويتعامل معه كدخيل مشكوك في ولائه. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، تحول كثير من المثقفين اليهود الماركسيين سابقا إلى موقف ليبرالي ثقافي يعادي الأنظمة الشمولية السلطوية التي تهدد الأقليات، ويسعى لمواجهة هذا النزوع الثقافي نحو القومية المتطرفة والهويات الثقافية المغلقة بطرح هوية ثقافية رحبة هي الهوية الغربية التي يتداخل فيها اليهودي والمسيحي. كان ويل هيربيرغ عالم الاجتماع واللاهوتي اليهودي هو أول من طرح تلك الرؤية في الولايات المتحدة.
" ظلت اليهودية في نظر المسيحية الغربية الكلاسيكية عدوا داخليا لا يختلف عن المسلمين الذين يمثلون العدو الخارجي".
لم يكن أحد في أوروبا يفكر في الحضارة الغربية بوصفها مزيجا من المسيحية واليهودية، ولم يكن من السهل تصور إطار جامع يستوعب التقليدين. لقد ظلت اليهودية في نظر المسيحية الغربية الكلاسيكية عدوا داخليا لا يختلف عن المسلمين الذين يمثلون العدو الخارجي. على سبيل المثال، شهدت الحملة الصليبية الأولى التي قادها بطرس الناسك، وعرفت بـ"حملة الشعب" نظرا لعدم تنظيمها من قبل الأمراء والملوك، بوغرومات (Pogroms)، أي موجة استهداف عنيف، واسعة ضد يهود الراين في غرب ألمانيا. وعندما تعرض الموريسكيون للطرد من الأندلس، عانى يهود الأندلس السفارديم من اضطهاد يشبه الاضطهاد الذي تعرض له المسلمون في إسبانيا. لقد أخذ الفلاسفة اليهود يسهمون في تطوير الثقافة الغربية منذ القرن التاسع عشر، مبشرين بنوع من التخلي عن الثقافة اليهودية والانصهار في الهويات الأوروبية الحديثة على أساس التنوير، لكن الثقافة اليهودية وجمهور اليهود ظلوا محل ارتياب الأوروبيين حتى بعد التنوير.
تبنى المحافظون الجدد في الولايات المتحدة تلك الرؤية التي تجمع اليهودية والمسيحية في تقليد مشترك. تشكلت المجموعة من المثقفين اليهود في نيويورك الذين هاجروا إليها من أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، وكان على رأسهم إرفينغ كريستول ودانيال بيل، وإلى حد ما ليو شتراوس. رأى المحافظون الجدد أن من الضروري التمسك بالإطار الثقافي الغربي الذي تشكل الثقافة الدينية جزءا منه، وذلك في مواجهة النسبية الثقافية والأخلاقية التي تهدد المجتمع وتسمح بتولد "التيارات المتطرفة". لكن هذه المجموعة تمسكت كذلك بالديمقراطية الليبرالية، ولذلك وصفت بأنها "محافظة"، ولكن "جديدة".
تبنى اليمين الأمريكي الصاعد في السبعينيات هذه المجموعة بهدف الهجوم على اليسار الجديد الذي شكل تهديدا قويا لليمين، وترسيخا لسياسات الصفقة الجديدة التي تبناها الحزب الديمقراطي، وهي حزمة من البرامج الاجتماعية ذات الطابع اليساري سادت الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأمريكية منذ صعود الرئيس فرانكلين روزفلت عام 1933 إلى بداية تفكيكها على يد الرئيس اليميني المتطرف ريتشارد نيكسون في مطلع السبعينيات.
كان من بين الأفكار الرئيسية لهذه المجموعة دعم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل كطرفين في معادلة الغرب اليهودي المسيحي. تمثل إسرائيل كذلك في نظر هذه المجموعة من المحافظين الجدد نموذجا للدولة التي تحترم التقليد الثقافي، متمثلا في التراث اليهودي، دون أن تفرط في الديمقراطية الليبرالية وقيم التنوير العلماني.
وضع هذا الموقف بذور التصور الحضاري الغربي الذي لا ينظر إلى العداء الغربي نفسه بين القوى الأوراسية والقوى الأطلسية، أو المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، وإنما بين الحضارة الغربية ومن يختلفون عنها، وعلى رأسهم المتطرفون الإسلاميون المزعومون الذين يهددون إسرائيل، ويعادون الولايات المتحدة بسبب دعمها السخي لإسرائيل الذي تحول إلى علاقة وجودية مرضية لا علاقة سياسية براغماتية، منذ عهد نيكسون.
"وصف بول جوتفريد، أحد منظري المحافظين التقليديين، المحافظين الجدد بأنهم يخطئون عاصمة الولايات المتحدة فيتصورون أنها تل أبيب".
شن المحافظون التقليديون في الواقع هجوما على هذا الموقف الصهيوني للمحافظين الجدد. وصف بول جوتفريد، أحد منظري المحافظين التقليديين أو "باليوكونز" (Paleocons)، المحافظين الجدد بأنهم يخطئون عاصمة الولايات المتحدة فيتصورون أنها تل أبيب. ومازال هذا التيار المحافظ رغم الموقف الثقافي نفسه يرى في هذا التحالف مع إسرائيل حالة مرضية تهدد الولايات المتحدة، كما يظهر في خطاب الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون وغيره من المحافظين التقليديين.
استغل اليمين الأمريكي الصهيوني الثورة الإيرانية في المبالغة في وصف العداء بين الغرب الجديد الذي جرى اختراعه والإسلام. لقد كان هذا الخطاب تمهيدا استعماريا لدفع الموارد الأمريكية نحو الشرق الأوسط دعما لإسرائيل ولشن شعواء على الإسلام. تصدى إدوارد سعيد لهذا الخطاب في كتابه "تغطية الإسلام"، واعتبره إحياء لمؤسسة الاستشراق التي تنطلق من اختلاف ثقافي عادي بين الحضارات والأديان، إلى خصومة سياسية ترى في الآخر المختلف، وهم المسلمون في هذه الحالة، أعداء وجوديين.
فالمسلم وفق هذه الدعاوى لا يمكن أن يكون حليفا للغرب ولا يمكن أن تلتقي مصالح الطرفين، ولا يمكن أن يقبل بالديمقراطية لأن الإسلام دين لا يحتمل الديمقراطية. المشكلة أن هذه الأفكار، وبغض النظر عن دقتها، لم تكن نابعة من احتراك الاختلاف أو البحث عن تسويات "ثقافية" سلمية، وإنما هدفت إلى تسويغ الدعم الأمريكي "غير المبرر" لإسرائيل، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة.
لقد تحالفت قوى إسلامية مع الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي كخطر مشترك في أماكن ومناسبات مختلفة، كما جرى في أفغانستان في الثمانينيات، وقبل ذلك في الانقلاب الإندونيسي على سوكارنو عام 1967، وحتى ضد معسكر الجمهوريات العربية ذات الميول السوفيتية. كما أبدت الأغلبية الواسعة من الدول الإسلامية ميلا واضحا نحو التحالف مع الولايات المتحدة وأوروبا، حتى وإن كان ذلك في مواجهة الصين وروسيا. ولم تتبنَ إيران انحيازا مبدئيا للصين ضد الولايات المتحدة، وكانت مستعدة للتقارب مع الولايات المتحدة حال تخلّت الأخيرة عن سياساتها في دعم إسرائيل.
كل تلك الحقائق تذوب في كتابات المستشرقين الجدد من أمثال برنارد لويس و"الصليبيين الجدد" من أمثال صامويل هنتنغتون. فالإسلام هو عدو وجودي، وإسرائيل هي خط دفاع متقدم عن الغرب والحضارة في مواجهة التطرف والهمجية والبربرية الإسلامية. والمسلمون هم من يبدأون إسرائيل بالعداوة جراء تطرفهم الثقافي أو تضخمهم الديموغرافي الذي يدفعهم إلى ابتلاع "الجيران المسالمين" مثل إسرائيل.
يقوم خطاب اليمين الأمريكي الجديد الذي يتجسد اليوم في أكثر صوره فجاجة في إدارة ترامب، وينطق باسمه أمثال ماركو روبيو وجي دي فانس، على الطرح الذي قدمه صامويل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات". لا يشرح هنتنغتون لماذا يجب أن تتصادم الحضارات، ولماذا لا يمكن أن تتعايش بهدوء رغم إمكانية حدوث ذلك بالفعل خاصة مع تطور الرأسمالية العالمية والتجارة الدولية وهجرة الصناعة نحو آسيا وسهولة عبور رؤوس الأموال عبر القارات والدول.
لا يشرح هنتنغتون ذلك لأنه لا يريد أن يقول بوضوح إن الصراع هو أولا صراع إمبريالي هدفه الحفاظ على مصالح النخبة الرأسمالية الأمريكية وتبرير جشعها الذي يدفعها لتعبئة ملايين الأمريكيين والأوروبيين في حروبها الخاصة مع الصين، وثانيا هو صراع صهيوني هدفه الحفاظ على إسرائيل من قبل النخبة نفسها المتحالفة مع إسرائيل أو المنتمية إليها على أساس ديني وثقافي مثل المستثمر المالي بيل أكمان، والتايكون الأمريكي لاري إيليسون، والثنائي بيتر ثيل وأليكس كارب، ملّاك شركة بالانتير.
يميز هنتنغتون بين التحديث والتغريب، فالحضارات غير الغربية تقبل بالتحديث المادي، ولكنها لا تقبل التغريب الثقافي. ثم يدعي أن الانفجار الديموغرافي للمجتمعات المسلمة سيقود إلى اشتعال حروب على خطوط التماس بين المسلمين وغيرهم من الحضارات، وهي أكذوبة تتجسد واقعيا في السلام الذي يجمع المسلمين الآسيويين بجيرانهم، ويجمع المسلمين العرب بأوروبا من جهة وأفريقيا من جهة أخرى. ما يخفيه طرح هنتنغتون هنا هو أن الحرب التي تشتعل على حدود المسلمين هي حرب محددة بالصراع مع إسرائيل، وهو صراع لا علاقة له بالتضخم الديموغرافي للمسلمين، ولا بالتطرف الديني، وإنما بالطبيعة الاستعمارية والإبادية للمشروع الصهيوني.
يستعير هنتنغتون فرضية هاوسهوفر عن الدول المركزية التي تلتف حولها الفضاءات الحضارية، ويفترض أن تركيا قد تمثل ذلك في العالم الإسلامي، وهو ما قد يكون صحيحا اليوم. لكنه يدعو أيضا إلى اعتناق الولايات المتحدة هويتها الغربية بقوة، باعتبار ذلك سبيل النجاة الحضارية للولايات المتحدة والغرب عموما. ويطلق دعواه البدائية التي تقول إن الغرب لم يتفوق على الحضارات الأخرى بميزاته الثقافية، وإنما بقوة سلاحه، وإذا كان قد نسي ذلك فإن الآخرين لم ينسوا تلك الحقيقة.
يتحدث هنتنغتون بعمى "الصليبي" الذي يريد عسكرة الصراع والاختلاف وشن الحرب على الآخر، فيفترض بسذاجة لا تليق بعالم سياسة عقلاني أن الغرب استيقظ ليجد هذا السلاح المتطور الذي لا يحوزه الآخرون، وليس أن هذا السلاح هو وليد تطور علمي ومؤسسي، أي وليد الالتزام برؤى وقيم معينة تدفع هذا التطور العلمي والمؤسسي قدما وتقود إلى التفوق العسكري.
هذه الرؤية العمياء نفسها هي ما يردده أليكس كارب، وهو مستثمر ومثقف يهودي بدأ حياته ليبراليا قبل أن يتبنى الحتمية التكنولوجية التي تفترض أن التكنولوجيا حل لكل مشكلات المجتمع والحضارة. يرى كارب الذي يتفنن في إظهار ولائه لإسرائيل بجانب صديقه بيتر ثيل، أن على التكنولوجيا أن تسخر في خدمة التفوق العسكري للغرب، وأن هذا التفوق العسكري يجب استعراضه بقوة وعنف لقمع أعداء الغرب الثلاثة: الصين وروسيا وإيران. كما يستخدم خطاب هنتنغتون وعباراته بنصها، إلى درجة اقتباس دعوى هنتنغتون عن أن التفوق الوحيد الحقيقي هو تفوق السلاح، في رسالة أرسلها للمستثمرين في شركة بالانتير التي يترأسها. لعبت بالانتير على وجه الخصوص دورا محوريا في تمكين الإبادة الجماعية في غزة عبر مد إسرائيل ببرمجيات الذكاء الاصطناعي الضرورية لتشغيل المسيرات وتحليل بيانات سكان قطاع غزة.
يدعو كارب مثله مثل سائر مكونات الصهيونية الأمريكية مثل لاري إيليسون للمسارعة بشن الحرب على إيران، ويصورون ذلك بوصفه مصلحة الغرب، رغم ميل كثير من خبراء الاستراتيجية في الولايات المتحدة وأوروبا إلى رأي مفاده أن الحرب على إيران لا تصب في صالحها ولا في صالح الغرب، وإنما تستنزف قواها العسكرية في مقابل إفساح المضمار للحصان الصيني.
"يصيغ التيار الصهيوني الأمريكي هوية غربية متخيلة تجمع تحت ظلها كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحول المسلمين المسالمين في الواقع، إلى تهديد وجودي لهذا الغرب المتخيل".
هذا العرض التاريخي والأيديولوجي يكشف في الواقع أن المسألة بوضوح ليست مسألة غرب يحافظ على تفوقه أو دولة أمريكية تحمي مصالحها، وإنما هي قصة تيار صهيوني أمريكي يصيغ هوية غربية متخيلة تجمع تحت ظلها كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحول المسلمين المسالمين في الواقع، إلى تهديد وجودي لهذا الغرب المتخيل، وتستنزف قدرات الولايات المتحدة ومواردها ليس في مواجهة التهديدات الاستراتيجية، وإنما في خدمة الأوامر الإسرائيلية.
أما على المستوى النظري، فإن هذا الخطاب يبدو شديد الهشاشة والتناقض في داخله. فروبيو، ابن المهاجرين من كوبا، يرى في الهجرة تهديدا ديموغرافيا للغرب، ويصارع الهجرة في الولايات المتحدة، رغم أنها ليست قادمة من شعوب عربية أو إسلامية أو مشرقية، وإنما من شعوب لاتينية هي الشعوب نفسها التي ينتمي هو لها عرقيا.
نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس هو تناقض آخر. فقد تحول فانس إلى الكاثوليكية عام 2019، معتبرا الكاثوليكية مرجعية دينية ثقافية أخلاقية تتجاوز التفكك البروتستانتي، والعلاقة التاريخية بين الإصلاح البروتستانتي والليبرالية الفردانية التي تهدد الهوية الثقافية للغرب والولايات المتحدة اليوم. لكن فانس نفسه الذي أطلق هذه الادعاءات هو من يحارب اليوم المهاجرين اللاتين الذين يشكلون الكتلة الأساسية للسكان الكاثوليك في الأمريكتين.
بالمثل، يدعي كارب وتيل ولاري إيليسون خدمة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة عبر تقديم الدعم التكنولوجي والتفوق العسكري لأمريكا، لكن الثلاثي نفسه هو من يدعو أمريكا لاستنزاف قدراتها وتوجيه كتلتها العسكرية الضاربة نحو أمريكا اللاتينية وإيران. هذا التناقض نفسه سبق أن أظهره برنارد لويس وصامويل هنتنغتون بدعواهم أن "المسلمين المتطرفين" يهددون الغرب ويحلمون بفنائه، في وقت أبدت فيه معظم الحكومات العربية والإسلامية ميلا سياسيا واضحا جليا نحو الولايات المتحدة، في وقت كانت المقاومة الرئيسية لها تأتي من الأنظمة والتيارات اليسارية في أمريكا اللاتينية.
تكشف تلك التناقضات الأيديولوجية الصارخة عن أزمة واضحة تعيشها الرأسمالية الأمريكية. فقد أدت السياسات النيوليبرالية التي حرمت الفقراء من البرامج الاجتماعية، وقلصت الضرائب على الأغنياء، إلى تراكم الثروات الأمريكية على نحو غير مسبوق في يد شريحة صغيرة جدا من الرأسماليين الكبار، حيث يملك 0.1 في المئة من الأمريكيين نحو 15% من الثروة في الولايات المتحدة. ومع ارتفاع الدين الحكومي الأمريكي، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع التصنيع في الولايات المتحدة، بدأ التضخم يشكل ضغطا شديدا على الشعب الأمريكي، ما خلق أزمة سياسية واضحة واقتصادية واضحة بدأت قبل عقدين، تشتد وطأتها وتخفت دون أن تزول.
عوضا عن أن يواجه اليمين الأمريكي هذه الأزمة التي تنبع من انعدام المساواة في الواقع، اتجه هذا اليمين إلى فرض التعريفات الجمركية الاعتباطية دون رؤية واضحة لمخططاته الاقتصادية، وخلق صراعات ثقافية تفرغ الغضب الشعبي نحو المهاجرين أو المسلمين. وأمام انتقادات حادة للدعم الأمريكي لإسرائيل، يحتاج اليمين الأمريكي اليوم إلى خلق صراع ثقافي افتراضي جديد بين الغرب والشرق لتبرير هذا "الفساد السياسي الصارخ" في علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة