آخر الأخبار

امتصاص الصدمة.. هل تسقط إسرائيل وواشنطن في "مستنقع إيران"؟

شارك
بعد امتصاصه للضربة الأولى، ردت إيران بإطلاق الصواريخ والمسيرات نحو إسرائيل والقواعد الأمريكية ودول الخليج العربية، ما يهدد بتوسع الحرب ووقف توريد الطاقةصورة من: Chen Junqing/Xinhua/IMAGO

تحذيرات الجنرال كاين التي لم تُسمَع

تشهد واشنطن أجواء توتر متصاعدة داخل البنتاغون، وفق ما علمته مجلة "فوكوس" الألمانية من مصادر مطلعة، بعدما ترددت معلومات تفيد بأن الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، كان قد حذّر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مغبة مهاجمة إيران. وتضيف "فوكوس" أن كاين نبّه إلى أن أي حرب طويلة قد تشعل صراعًا إقليميًا واسعًا، وأن مخزون الذخائر الدفاعية الأمريكية قد لا يكفي في حال استمرت المواجهة لفترة طويلة.

ورغم هذه التحذيرات، مضت واشنطن وإسرائيل في شن ضربات جوية مركّزة على البنية العسكرية ومراكز القيادة الإيرانية، ما أدى إلى اتساع رقعة الحرب في مختلف أنحاء منطقة الخليج ومناطق مجاورة. ويبدو أن إيران استطاعت امتصاص الضربة الأولى رغم ضرب القيادة. وتشن ضربات صاروخية وتطلق مسيرات على إسرائيل ودول الخليج العربية.

وبعد أيام على اندلاع الحرب، قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث للصحفيين في البنتاغون إن الولايات المتحدة لم تدخر "أي جهد أو إمكانية" لتعزيز منظومات الدفاع الجوي لحماية قواتها وحلفائها في الشرق الأوسط، مضيفًا: "هذا لا يعني قدرتنا على صد جميع الهجمات، لكننا حرصنا على توفير أقصى درجات الحماية قبل الانتقال إلى المرحلة الهجومية".

ويأتي هذا الإقرار بإمكانية وقوع مزيد من الهجمات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ من جانب إيران ، في وقت حذّر فيه الرئيس ترامب وكبار القادة العسكريين من احتمال وقوع خسائر أمريكية إضافية في صراع قد يطول لعدة أشهر، بحسب وكالة أسوشيتد برس. وخلال المؤتمر الصحفي نفسه، أكد الجنرال كاين أن "أفراد الخدمة الأمريكية ما زالوا في دائرة الخطر، وعلينا أن ندرك تمامًا أن مستوى التهديد لا يزال مرتفعًا".

وفي سياق متصل، أعلن الجيش الأمريكي هوية ستة من جنود الاحتياط الذين قُتلوا في الكويت، بعد أن استهدفت طائرة مسيّرة منشأة عسكرية أمريكية في ميناء الشعيبة.

يؤكد ميكلبرغ أنه إذا طال أمد الحرب من دون حسم، فستتحمّل واشنطن—وإسرائيل بالدرجة الأولى—الكلفة السياسية. كما قد يؤدي النزاع إلى تأجيج التطرف وتعميق الانقسام....! صورة من: Jim Watson/AFP

إمدادات غير محدودة" من الأسلحة

وبعد أسبوع يبدو أنها ستتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة: فإيران تستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج والعراق والأردن، فيما تكثّف الولايات المتحدة وإسرائيل غاراتهما على مخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق داخل إيران. وفي واشنطن، يتزايد القلق من السيناريو الذي حذّر منه الجنرال دان كاين، والمتعلق باستهلاك سريع للدفاعات الجوية ونفاد الذخائر، بينما يقدّم الرئيس ترامب تقديرات متضاربة لمدى استمرار الحرب تتراوح بين أيام وأسابيع.

ومن جانبها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الولايات المتحدة لديها مخزونات أسلحة كافية لتلبية الاحتياجات العملياتية المتعلقة بالنزاع في إيران.

وعقب اجتماع "مثمر" مع كبريات شركات تصنيع الأسلحة في الولايات المتحدة اليوم، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته تروث سوشال "وافقت كبرى شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية على زيادة إنتاج الأسلحة" المتطورة العالية الدقة وبمقدار أربعة أضعاف.

وأكد ترامب أيضا أن بلاده لديها "إمدادات غير محدودة" من الأسلحة التي تستخدم حاليا في الحرب على إيران.

"سحق النظام الإيراني"

على الجانب الآخر ذكرت واشنطن بوست، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين مطلعين، أن روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخباراتية عن مواقع السفن الحربية والطائرات الأمريكية في الشرق الأوسط. أكد الكرملين أنه يجري حوارًا مع طهران ، من دون أن يوضح ما إذا كان يقدم لها أي دعم عسكري، بحسب ما نقلت رويترز.

ولم تعلّق المتحدثة باسم البيت الأبيض مباشرة على هذه التقارير، لكنها قالت إن "النظام الإيراني يتعرض لسحق تام"، مشيرة إلى تراجع الهجمات الصاروخية الإيرانية وتدمير جزء كبير من قدراتها البحرية والإنتاجية.

وفي نفس السياق قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير اليوم الجمعة مخاطبا جنوده وفق بيان للجيش "نحن بصدد سحق النظام الإيراني الإرهابي وسنغتنم كل الفرص لترسيخ إنجازاتنا". وكان زامير قال الخميس إن الحملة العسكرية دخلت "مرحلة جديدة"، وتوعّد طهران بـ"مفاجآت أخرى".

رهان نتنياهو .. وواقع إيراني يعاكس التوقعات

دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ أشهر باتجاه مواجهة مباشرة مع إيران، معتبرًا أن اللحظة "مثالية" لتوجيه ضربة حاسمة، بحسب مجلة فوكوس. وبعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة إسرائيلية، توقعت واشنطن وتل أبيب انهيار النظام. ويرى البروفيسور يوسي ميكلبرغ، في تحليل لمعهد تشاتام هاوس، أن نتنياهو يراهن على أن إسقاط النظام الإيراني قد يحقق له مكسبًا انتخابيًا، إلا أن هذا الرهان يظل مرتبطًا بموقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويضيف ميكلبرغ أن الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ليست وليدة الأزمة الراهنة، بل امتداد لمسار مستمر منذ عقود، منذ الثورة الإيرانية عام 1979.

لكن لتطورات جاءت بعكس ما توقّعه الطرفان. فقد دخلت إيران في حالة طوارئ مشددة، وعززت قبضتها الأمنية، بينما تراجع الاحتفاء الأولي بمقتل خامنئي لصالح أجواء خوف واسع داخل إيران، وفق فوكوس. ويقول محمود أميري مقدم، مدير منظمة "إيران هيومن رايتس" في النرويج إن الخطر الأكبر على النظام ليس الضربات الجوية، بل "الإيرانيون الذين ينزلون إلى الشوارع"، محذرًا من احتمال وقوع مجزرة جديدة واعتقالات جماعية كما حدث خلال احتجاجات يناير/ كانون الثاني.

ويؤكد ميكلبرغ أنه إذا طال أمد الحرب من دون حسم، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز وتعطل المجال الجوي للخليج، فستتحمّل واشنطن—وإسرائيل بالدرجة الأولى—الكلفة السياسية. كما قد يؤدي النزاع إلى تأجيج التطرف وتعميق الانقسام السني–الشيعي. وبرغم ذلك، يشير الخبير إلى أن سقوط النظام في طهران، إن حدث، لن يثير أسفًا لدى كثير من الإيرانيين وأطراف في المجتمع الدولي.

خلافة خامنئي… صراع مبكر على مستقبل السلطة

رغم صدمة فقدان المرشد الأعلى، واصلت مؤسسات الحكم في إيران عملها من دون اضطراب يُذكر، مستفيدة من بنية القيادة اللامركزية التي صُممت لضمان استمرار النظام في حالات الطوارئ.

وفي هذا السياق، برز اسم مجتبى خامنئي ، نجل المرشد الراحل، باعتباره المرشح الأوفر حظًا للخلافة، نظرًا لعلاقاته الوثيقة بالحرس الثوري ودوره غير المعلن داخل دوائر القرار، ما يشير إلى احتمال استمرار النهج المتشدد واستبعاد أي انفتاح سياسي.

مجتبى نجل آية الله علي خامنئي، هو الخليفة المحتمل لأبيه لكن ترامب استبعد صراحةً خيار مجتبى، قائلاً: "نريد المشاركة في اختيار الشخص الذي سيقود إيران نحو المستقبل… نريد قائدًا جيدًا للشعب وللبلاد".صورة من: Morteza Nikoubazl/NurPhoto/IMAGO

وبالتزامن مع تداول اسم مجتبى، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته بشأن خلافة خامنئي. ففي تصريحات لموقع أكسيوس، قال ترامب إنه لن يقبل زعيمًا جديدًا "يواصل سياسات خامنئي"، محذرًا من أن استمرار النهج الحالي "سيُعيدنا إلى الحرب خلال خمس سنوات". وأضاف: "ابن خامنئي شخصية ضعيفة… وهو غير مقبول بالنسبة لي. نريد شخصًا يجلب السلام والانسجام لإيران".

وكرر ترامب موقفه في مقابلة مع صحيفة بوليتيكو، مؤكدًا رغبته في أن يكون لواشنطن دور في تحديد هوية القيادة الإيرانية المقبلة.

وفي مقابلة أخرى مع وكالة رويترز، استبعد ترامب صراحةً خيار مجتبى، قائلاً: "نريد المشاركة في اختيار الشخص الذي سيقود إيران نحو المستقبل… نريد قائدًا جيدًا للشعب وللبلاد".

معارضة منقسمة… ومخاوف من تكرار أخطاء تغيير الأنظمة

في الخارج، يسعى رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، إلى استثمار اللحظة الراهنة، إلا أن تأثيره داخل البلاد يظل محدودًا. كما تعيش المعارضة في المنفى انقسامًا عميقًا بين مؤيديه ومؤيدي مريم رجوي، زعيمة "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"، ما يجعل تشكيل بديل سياسي موحّد لما بعد الحرب أمرًا شديد التعقيد، بحسب فوكوس.

وفي هذا السياق، يرى فيليب جوردون—المستشار السابق للأمن القومي لنائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس—في مقال نشرته الإيكونوميست أن محاولات تغيير النظام بالقوة غالبًا ما تعيد إنتاج أخطاء الماضي، سواء عبر القوة الجوية أو الغزو أو تسليح المعارضة. والنتيجة، كما يقول، "غالبًا واحدة".

وحذّر مقال في "نشرة العلماء الذريين" من أن سعي إدارة ترامب لفرض تغيير في الحكم بطهران قد يفتح الباب أمام صراع طويل وغير محسوم، مشيرة إلى أن تداعيات سقوط سريع للقيادة الإيرانية لا تزال غير واضحة. وذكّر المقال بأن "الانتصارات الأولية تكون غالبًا وهمية"، مستشهدًا بحالات سابقة مثل حرب أفغانستان عام 2001، وغزو العراق 2003، وأزمة خليج الخنازير في كوبا عام 1961—في إشارة واضحة إلى أن اغتيال المرشد وما تعتبرها واشنطن وتل أبيب مكاسب عسكرية قد لا يفتح الطريق نحو تغيير مستقر للنظام في طهران.

إسرائيل تغيّر أهدافها: من الصواريخ إلى رأس النظام

وعلى الأرض، صعّدت إسرائيل استراتيجيتها من استهداف البرنامج الصاروخي الإيراني إلى ضرب مراكز القيادة مباشرة، بما في ذلك الهجوم على مجمع القيادة في طهران. ويقول محللون إسرائيليون إن الهدف لم يعد تقليص التهديد فحسب، بل محاولة تغيير النظام نفسه، ما يجعل أمد الحرب مفتوحًا واحتمالات توسعها أكبر.

تحذيرات ألمانية من تداعيات حرب طويلة

وحذّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس ، اليوم الجمعة، من أن إطالة أمد الحرب في إيران قد تدفع المنطقة—وأوروبا—إلى عواقب يصعب السيطرة عليها. وقال خلال زيارته لمعرض الحرف السنوي في ميونخ إن "استمرار هذه الحرب لفترة طويلة لا يخدم مصالحنا، كما أن انهيار الدولة الإيرانية أو اندلاع صراعات بالوكالة على أراضيها سيكون له تداعيات واسعة ".

حذّر ميرتس من تصاعد المخاطر على إسرائيل والمنطقة بأكملها، مؤكدًا أن ضمان أمن جميع دول المنطقة—بما فيها إسرائيل ودول الخليج—يجب أن يكون أولوية. صورة من: Guido Bergmann/BPA/dts Nachrichtenagentur/IMAGO

وأوضح ميرتس أنّ مثل هذه السيناريوهات قد تؤثر مباشرة على أوروبا، سواء في الأمن أو إمدادات الطاقة أو الهجرة. ورغم تأكيده أن ألمانيا تشاطر الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافهما المتعلقة بكبح البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وما يمثّله النظام من تهديد لجيرانه، شدد على أن للشعب الإيراني "الحق في تقرير مصيره".

ومع اتساع رقعة القتال، حذّر ميرتس من تصاعد المخاطر على إسرائيل والمنطقة بأكملها، مؤكدًا أن ضمان أمن جميع دول المنطقة—بما فيها إسرائيل ودول الخليج—يجب أن يكون أولوية، مع ضرورة العودة لاحقًا إلى الحوار وبناء الثقة بعد توقف العمليات العسكرية.

ضغوط انتخابية على ترامب… ومكاسب روسية

وارتفعت أسعار الغاز بنحو 50% و النفط بـ13% منذ بدء الحرب، فيما يظل مضيق هرمز —الذي يمر عبره 20% من تجارة الطاقة العالمية—بؤرة الخطر الأكبر ويخشى البيت الأبيض تأثير الحرب على انتخابات منتصف الولاية، إذ ينعكس ارتفاع أسعار الوقود مباشرة على شعبية الرئيس دونالد ترامب. كما تظهر استطلاعات مبكرة رفضًا واسعًا للهجوم على إيران، في وقت يتعمق فيه الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين مؤيدي الحرب وأنصار "أمريكا أولًا" الرافضين للتدخلات الخارجية.

وبالتوازي، تمنح الحرب دفعة غير متوقعة لروسيا؛ فارتفاع الطلب العالمي على النفط والغاز زاد صادراتها المتراجعة أصلًا بسبب العقوبات المرتبطة بحرب أوكرانيا.

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا