في الحروب الحديثة، لم تعد الجبهات تقتصر على الأرض والجو فحسب، بل تمتد لتشمل "الفضاء السيبراني". فقد أصبح قطع الإنترنت أو تقييده سلاحا استراتيجيا يعرف بـ "الإظلام الرقمي" (Digital Blackout)، وهو تكتيك يهدف إلى عزل المدنيين، ومنع تدفق أخبار الانتهاكات، وتعطيل التنسيق الإغاثي.
وبحسب تقرير منظمة "أكسيس ناو" (Access Now) لعام 2025، شهد العالم ارتفاعا بنسبة 40% في حالات قطع الإنترنت المتعمد أثناء النزاعات المسلحة.
وفي هذا التقرير نحاول استعرض خارطة تقنية، مبنية على تجارب ميدانية من أوكرانيا والسودان و قطاع غزة، لتمكين الأفراد من البقاء على اتصال وتجاوز الرقابة الصارمة.
عندما تفرض السلطات حظرا جزئيا على منصات التواصل أو تعمد إلى "خنق السرعات"، فإن المعركة تصبح تقنية بامتياز بين أنظمة الرقابة وأدوات التشفير.
بروتوكولات التخفي
تشير تقارير مختبر "سيتيزن لاب" (Citizen Lab) بجامعة تورنتو إلى أن أنظمة الحجب الحديثة تستخدم "فحص الحزم العميق" (DPI) للتعرف على حركة المرور باستخدام برامج "االشبكة الخاصة الافتراضية" (VPN) وحظرها، والحل هنا يكمن في استخدام بروتوكولات مثل "في 2 راي" (V2Ray) و"شادوسوكس" (Shadowsocks)، أو ميزة "التخفي" (Stealth) في تطبيقات مثل "بروتون في بي إن" (Proton VPN).
وهذه التقنيات تقوم بتغليف بياناتك المشفرة داخل طبقة تبدو كأنها تصفح عادي لموقع إخباري أو بريد إلكتروني، مما يجعل من المستحيل على خوارزميات الحجب رصدها.
ثورة "سنوفليك" ومشروع "تور"
يعتبر متصفح "تور" (Tor) الملاذ الأكثر أمانا للصحفيين والنشطاء. وفي عام 2026، أصبحت ميزة "سنوفليك" (Snowflake) هي الأداة الأكثر فتكا بالرقابة، فهي تسمح للمستخدم في بلد محظور بالاتصال بالإنترنت عبر متطوعين من حول العالم يحولون متصفحاتهم إلى جسور مؤقتة.
ووفقا لبيانات مشروع "تور"، ساعدت هذه التقنية ملايين المستخدمين في تجاوز جدران الحماية العظيمة في مناطق النزاع.
إدارة نظام أسماء النطاقات السيادي
تعتمد أبسط طرق الحجب على تزييف سجلات "دي إن إس" (DNS)، والذي هو هو بمثابة "دفتر عناوين" لشبكة الإنترنت، حيث ينصح خبراء التقنية بتغيير إعدادات الجهاز يدويا لاستخدام مزودي "دي إن إس" مشفرين مثل كلاود فلير (Cloudflare) (1.1.1.1) أو غوغل (Google) (8.8.8.8)، مما يمنع مزود الخدمة المحلي من اعتراض طلبات المواقع التي تزورها.
التحدي الأكبر يكمن في "القطع الكلي" للخدمة وتدمير الأبراج، وهنا تبرز تقنية الشبكات المتداخلة (Mesh Networking) بوصفها بديلا لأجهزة الراوتر (الموزع) والشبكات التقليدية التقليدية وتشكل بديلا ثوريا لا يحتاج إلى بنية تحتية، وأبرز هذه التقنيات:
مبدأ "القفزات الرقمية"
تطبيقات مثل "بريدجيفاي" (Bridgefy) و"براير" (Briar) تعتمد على تقنية البلوتوث و"واي فاي دايركت" (Wi-Fi Direct) لتحويل الهواتف الذكية إلى "عقد" (Nodes)، بحيث إذا أرسل شخص رسالة، فإنها تنتقل من هاتفه إلى هاتف شخص آخر قريب، ثم الذي يليه، حتى تصل إلى الهدف، وتشير تقارير "بي آي إس آي" (BISI) للبحوث التقنية إلى أن هذه الشبكة تصبح أقوى كلما زاد عدد المستخدمين في منطقة جغرافية واحدة مثل مراكز الإيواء أو الأحياء السكنية.
تطبيق" براير" والخصوصية القصوى
تتميز خدمة "براير" (Briar) بأنها لا تعتمد على خادم مركزي (Cloud)، حيث تتم مزامنة البيانات مباشرة بين الأجهزة عند الاقتراب، هذا الأمر يجعلها محصنة ضد الرقابة الحكومية تماما، كما أثبتت فاعليتها في السودان خلال انقطاعات عام 2024.
عندما تفشل جميع الحلول الأرضية، يبقى الاتصال الفضائي هو النافذة الوحيدة، وهو يتمثل في:
"ستارلينك" والإنترنت المحمول
أحدثت منظومة "ستارلينك" (Starlink) التابعة لشركة "سبيس إكس" (SpaceX) الأمريكية ثورة في مفهوم اتصالات الحرب، ورغم حاجتها لأجهزة استقبال خاصة، إلا أن سهولة تشغيلها عبر البطاريات أو الطاقة الشمسية جعلتها "رئة رقمية" في جبهات القتال والمناطق المنكوبة.
شرائح الاتصال الإلكترونية الدولية
في المناطق القريبة من الحدود مثل قطاع غزة أو المناطق الحدودية في السودان، يوصي تقرير "جمعية الإنترنت" (Internet Society) باستخدام شرائح الاتصال الإلكترونية (eSIM) التي تعمل على شبكات دول الجوار، فهذه الشرائح تلتقط الإشارة العابرة للحدود وتوفر وصولا مباشرا للإنترنت بعيدا عن تحكم المزود المحلي.
تؤكد منظمة "فرونت لاين ديفندرز" (Front Line Defenders) أن النجاة الرقمية تتوقف على ما تفعله قبل اندلاع الأزمة.
وتتضمن "حقيبة الطوارئ" ما يلي:
رغم كل ما سبق، يقول الخبراء إن معركة الوصول إلى المعلومات في زمن الحرب هي معركة إرادة تقنية، حيث تدور بين بروتوكولات التشفير المتقدمة وتقنية الشبكات المتداخلة اللامركزية، فيما يمتلك الإنسان المعاصر أدوات لم تكن متاحة في الأجيال السابقة، لكن يبقى الوعي بهذه الأدوات والتدرب عليها مسبقا هو الفارق الحقيقي بين العزلة القاتلة والقدرة على إيصال الصوت للعالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة