في الحادي عشر من رمضان، الموافق الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، بدأت إسرائيل عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران.
هذه العملية العسكرية هي امتداد للحرب التي أعلنتها إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، وأسمتها "مطرقة منتصف الليل"، وذلك لاستهداف بنية النظام الإيراني، وبرنامجه النووي، وكما هو معلوم، انتهت بضرب ثلاث منشآت نووية رئيسية: فردو، وأصفهان، ونطنز.
عملية "زئير الأسد": السياق والتطورات
تمثل عملية "زئير الأسد" الفصلَ الثاني من الحرب التي أعلنتها إسرائيل على إيران، في سياق ما تسمّيه حكومة بنيامين نتنياهو إعادة ترتيب الشرق الأوسط، وإلحاق هزيمة بالمعسكر الإيراني.
لقد بدأت العملية في سياق مُماثل لذلك الذي بدأت به عملية "مطرقة منتصف الليل"، حيث إنها حرب أعقبت انسحابا أمريكيا من عملية تفاوض كان الطرف الإيراني منخرطا فيها.
كما أنها جاءت بعد تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت قد أصدرته في 27 فبراير/شباط 2026، كرر نفس الانتقادات وحتى الاتهام بالتلكؤ الإيراني في إبداء شفافية كبيرة مع الوكالة الدولية، في إشارة إلى إخفاء معلومات تتعلق بالبرنامج النووي، وكميات اليورانيوم المخصب، الأمر الذي يعتبر من وجهة نظر الوكالة مؤشرا سلبيا.
سبق هذا التقرير تقرير آخر في 31 مايو/أيار 2025، أي قبل 12 يوما من الحرب الإسرائيلية الأمريكية، حيث تم اعتبار ذلك التقرير دليلا على عدم تعاون إيران، وأحد مبررات العمل العسكري حينها.
مارست الولايات المتحدة تضليلا سياسيا وإعلاميا كبيرا طوال الأسابيع الماضية، مظهرة أنها ملتزمة بحل سياسي لمطالب كان قبولها إيرانيا شبه مستحيل. هذا التضليل كان في الحقيقة يعكس قبولا كبيرا للرواية الإسرائيلية بضرورة تحرك عسكري ضد إيران، بل واعتبار أن أي عمل عسكري ضد طهران هو تحقيق للأمن. وذهبت الوساطة العمانية في اتجاه التوفيق بين الطرفين، وعقدت جولات التفاوض في مسقط وجنيف.
وفي حين تركز إيران على البرنامج النووي، بقي الوفد الأمريكي مصرا على فرض شروط تتعلق بتصفير التخصيب، والتخلص من اليورانيوم المخصب.
عملية "زئير الأسد"- ومن قبلها "مطرقة منتصف الليل"- جاءت في سياق حرب إسرائيل على خصومها وأعدائها في المنطقة منطلقة من فكرة أن المنطقة ستدفع أثمانا ولو متباينة؛ بسبب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول
هذا المسار أظهر بوضوح التزاما أمريكيا بشروط إسرائيلية ترددت منذ يونيو/حزيران 2025، تركز على برنامج الصواريخ الإيرانية بهدف التخلص منه، أو على الأقل تقليل مدى تلك الصواريخ إلى 300 كيلومتر فقط. الأمر الذي يذكر بما فرض على العراق، حين تم تقليل ذلك المدى المسموح به إلى 150 كيلومترا.
بدأت عملية "زئير الأسد" بقصف إسرائيلي – في إشارة ربما لمساعدة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في تجنب الضغوط الداخلية، لا سيما من الكونغرس الأمريكي، وكذلك تفادي انتقادات داخل قاعدة الحزب الجمهوري في عام ستكون فيه انتخابات نصفية- على أن تلتحق الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها شريكا، لا من بدأت الحرب.
هذا التشابه بين العمليتين، يؤكد أن سياقهما ليس مرتبطا بمسارات العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل ما تحاول إسرائيل وتحديدا حكومة بنيامين نتنياهو فرضه على المنطقة بعد هزيمة يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما لحق بإسرائيل من هزيمة وهشاشة ربما تستمر لعقود.
القصف الأمريكي والإسرائيلي المستمرّ في الساعات الأولى من إعلان العملية العسكرية، كان يركز على تحييد القيادة السياسية، ممثلةً بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والرئيس مسعود بزشكيان، والقيادات العسكرية البارزة في الحرس الثوري، والجيش الإيراني، في محاولة لخلق فوضى داخل أركان النظام، وذلك تمهيدا لحدوث اضطرابات تقود إلى انهياره ومن ثم سقوطه.
ولم يُخفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ولا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو هذا الهدف، وذلك في خطابيهما حول إعلان العملية العسكرية، أو على الأقل وضعه على حافة السقوط- وفق ما قاله نتنياهو- على أن يتم السقوط الكامل على أيدي الإيرانيين.
هذا الهدف هو بالنسبة لنتنياهو هدف شخصي سياسي، يساعده في محو فشله في التصدي لعملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والقول إنه تمكن من إنهاء كل الأخطار المحيطة بإسرائيل عبر حروب على جبهات سبع، على رأسها إيران.
في نفس السياق من إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط وفق الأجندة الإسرائيلية، يتحدث نتنياهو عن تحالف جديد يجمع إسرائيل مع الهند ودول أخرى؛ لمواجهة ما يسميه بالتحالف الشيعي المهزوم، والتحالف السني الصاعد، في إشارة إلى التعاون السعودي- التركي- الباكستاني.
لم يتحقق الهدف الإسرائيلي الأمريكي وفق المتاح من معلومات حتى كتابة هذه المقالة.
فالرد الإيراني الذي بدأ بشن هجمات على إسرائيل بعد أقل من ساعتين من الضربات الإسرائيلية – الأمريكية- وتبع ذلك هجمات على بعض دول المنطقة: قطر، والبحرين، والكويت، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وكذلك الأردن- يأتي بعد تصريحات إيرانية علنية خلال الأسابيع الماضية بأن أي اعتداء عليها سيعني حربا شاملة في المنطقة، وهذا الأمر يدفع بالحرب لتكون نزاعا إقليميا متدحرجا، مما قد يفجر مزيدا من التصعيد في المنطقة، وينذر بمواجهات أوسع.
خاتمة
عملية "زئير الأسد"- ومن قبلها "مطرقة منتصف الليل"- جاءت في سياق حرب إسرائيل على خصومها وأعدائها في المنطقة منطلقة من فكرة أن المنطقة ستدفع أثمانا ولو متباينة؛ بسبب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
تدمير ثلاث منشآت إيرانية في يونيو/حزيران كان إنجازا وفق تقييم ترمب ونتنياهو، لكنه لم يكن كافيا، من هنا فإن هذه الحرب بفصليها الاثنين ليست إلا فصلا جديدا تسعى فيه إسرائيل لفرض تغولها وأجندتها، مستغلة وجود رئيس أمريكي متماهٍ مع أجندتها في المنطقة.
إن حالة خلط الأوراق الإقليمية بدأتها إسرائيل، ويبدو أن الرد الإيراني عليها يزيد من حالة عدم اليقين في الأمن والاستقرار الإقليمي. فاستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، إن استمر قد يفرض قواعد جديدة يصبح فيها خيار الأمن والاستقرار الإقليمي صعب المنال في ظل تغوّل إسرائيلي متزايد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة