آخر الأخبار

ماذا نعرف عن مزرعتين في السنغال تزودان المملكة المتحدة بأنواع عدة من الخضروات؟

شارك
مصدر الصورة

إذا تناولت ذرة أو فاصوليا خضراء أو بصلاً أخضر في المملكة المتحدة هذا الشتاء، فمن المرجح أنها أتت من إحدى مزرعتين على حافة الصحراء الكبرى في شمال السنغال.

تُصبح هذه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا طرفاً مهماً في إمدادات الغذاء في المملكة المتحدة. فهل هذا أمرٌ جيد؟

خلف الأوراق الخضراء والسيقان السميكة، يمكن سماع ديارا وهي تعمل قبل رؤيتها.

أكواز الذرة التي تحصدها ديارا وفيرة للغاية، والنباتات شاهقة الطول، حتى إنها تكاد تختفي وسط بحر من الذرة. والعمل هنا شاق.

في هذه المنطقة الشمالية من السنغال، القريبة من الصحراء، قد تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية في هذا الوقت من السنة، مع ندرة الأمطار أو انعدامها.

تعمل ديارا وفريقها من جامعي الذرة بسرعة، وفي غضون ساعة، ستُنقل الأكواز إلى داخل محطة تعبئة مبردة، حيث ستُبرد إلى الصفر المئوي.

بعد ذلك بوقت قصير، ستُنقل بالشاحنات إلى ميناء قرب العاصمة دكار، وتُحمّل على سفينة حاويات. وبعد ستة أيام، ستُعرض للبيع في متجر في بريطانيا.

مصدر الصورة

ديارا واحدة من بين 9 آلاف موظف، غالبيتهم من النساء، يعملون في مزرعتين تديرهما بريطانيا في منطقة سانت لويس بالسنغال.

بين شهري يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، إذا تجولت في أقسام المنتجات الطازجة في أكبر متاجر التجزئة الغذائية في المملكة المتحدة، بما في ذلك تيسكو، وسينسبري، وأسدا، وألدي، وليدل، فمن المرجح أن ترى البصل الأخضر، والفجل، والفاصوليا الخضراء، والفلفل الحار، والقرع العسلي، والذرة، جميعها تحمل علامة "منتجات السنغال".

المناخ الحار والتربة الرملية الجافة تجعل هذه المنطقة مكاناً غير مناسب لزراعة الفاكهة والخضراوات، أو هكذا قد تظن.

ومع ذلك، على حافة الصحراء، تزرع اثنتان من أكبر شركات المنتجات الطازجة في المملكة المتحدة - جي فريش وبارفوتس - كميات متزايدة من الغذاء.

تعود أصول المزارع إلى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في ذلك الوقت، بدأ رجل الأعمال والمهندس الزراعي الفرنسي مايكل لوران باستخدام برنامج "غوغل إيرث" لتحديد مواقع جديدة لإنتاج الغذاء.

أدرك لوران أن سانت لويس تتمتع بوفرة من أشعة الشمس والأراضي والعمالة.

وبالرغم من قلة الأمطار، يشكل نهر السنغال، الذي يبلغ طوله 1600 كيلومتر (نحو ألف ميل)، حدودها الشمالية مع موريتانيا المجاورة، قبل أن يصب في المحيط الأطلسي.

يُحول جزء من مياه النهر إلى شبكة معقدة من القنوات، ثم تقوم شبكة من المضخات والأنابيب بتوزيع المياه على مساحات شاسعة من الأراضي القاحلة لريّ المزارع التي ساهمت في إضفاء الخضرة على الصحراء.

يقول لوران: "لم يكن هناك شيء هنا عندما بدأنا. كانت كلها أرضاً جرداء". أما الآن، فتغطي المزارع ألفي هكتار من الأرض، أي ما يعادل مساحة 3 آلاف ملعب كرة قدم تقريباً.

على مساحة 500 هكتار من هذه الأراضي، تدير شركة "جي فريش" المتخصصة في السَلَطَات، ومقرها كامبريدجشير، فرعها السنغالي "مزارع غرب أفريقيا".

تُورّد الشركة أسبوعياً، خلال فصل الشتاء في بريطانيا، مليوني حزمة من البصل الأخضر، و100 طن من الفاصوليا الخضراء، و80 طناً من الفجل.

يُباع حوالي 70 في المئة من الإنتاج إلى متاجر في المملكة المتحدة، بينما يُوزّع الباقي على تجار التجزئة في ألمانيا وهولندا.

أما المزرعة الأكبر فهي مشروع مشترك بين شركة "بارفوتس" ومقرها ساسكس، وشركة "إس سي إل" التي أسسها مايكل لوران.

تُزوّد هذه المزرعة المملكة المتحدة بـ 55 مليون كوز من الذرة سنوياً، بالإضافة إلى الفلفل الحار، والقرع العسلي، والفاصوليا الخضراء.

تُنقل الخضراوات المحصودة براً إلى ميناء داكار ذي المياه العميقة الذي يبعد خمس ساعات بالسيارة. ومن هناك، تبحر سفينة حاويات ضخمة مرة واحدة أسبوعياً في رحلة طولها 3 آلاف ميل إلى بول في دورست.

تستورد المملكة المتحدة حوالي 40 في المئة من غذائها، لكن نسبة واردات المنتجات الطازجة خلال فصل الشتاء قد تصل إلى 90 في المئة.

وحتى وقت قريب، كانت معظم واردات المملكة المتحدة من الفاكهة والخضراوات تأتي من جنوب أوروبا ودول أمريكا اللاتينية مثل بيرو، بينما كانت المنتجات المنقولة جواً، بما فيها الفاصوليا الخضراء، تأتي من شرق أفريقيا.

مصدر الصورة

غرب أفريقيا أشبه بوافد جديد إلى السوق. ويعزو مايك نولز، المحلل المتخصص في المنتجات الطازجة، هذا التوجه إلى عدة عوامل.

يوضح قائلاً: "ازدادت حدة المنافسة على الأراضي حول البحر الأبيض المتوسط، وتزايدت وتيرة الجفاف في إسبانيا، وتراجع الإقبال على نقل الخضراوات جواً عبر القارات".

كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ألغى بعض مزايا استيراد الغذاء من أوروبا القارية، ما جعل السنغال وجهةً أكثر جاذبية.

تتمتع البلاد باستقرار سياسي واقتصادي نسبي، فهي الدولة الوحيدة في غرب أفريقيا التي لم تشهد انقلاباً عسكرياً أو سقوطاً لحكومتها.

لا يُسمح للشركات الأجنبية بشراء الأراضي، لكن من الممكن إبرام عقود إيجار طويلة الأجل من خلال اتفاقيات مع الحكومة والمجتمعات المحلية. ويمكن الحصول على المياه بموجب ترخيص من خلال لجان الإدارة المحلية.

يقول جوليان ماركس، مدير مجموعة بارفوت: "كنا على ثقة كافية لاستثمار حوالي 70 مليون جنيه إسترليني في عملياتنا في السنغال".

وهناك ضغط مستمر لتوسيع نطاق الأعمال. يقول ماركس: "يتوقع المستهلكون البريطانيون أن يتمكنوا من شراء نفس أنواع المنتجات على مدار العام".

وتساهم السنغال في تلبية هذا الطلب، لكن ما الفوائد التي تعود على هذه الدولة الأفريقية؟

مصدر الصورة

يُعدّ توفير 9 آلاف وظيفة حتى الآن في المزرعتين إنجازاً مهماً. فنسبة البطالة ارتفعت بين سكان السنغال البالغ عددهم 18 مليون نسمة خلال الجائحة، وظلت مرتفعة، إذ تُقارب 19 في المئة، مع تضرر الشباب في المناطق الريفية بشكلٍ خاص.

كان الناشط السنغالي في مجال حقوق الأرض، الحاج "أردو" سامبا سو، ينظر إلى وصول المزارع المملوكة لأجانب كشكل من أشكال الاستعمار الجديد. أما الآن، وبعد عمله في السياسة المحلية، أصبح أكثر تفاؤلاً بشأن وجودها، "حتى وإن لم تكن الأجور مُجزية".

يضمن لغالبية العاملين في المزارع الحد الأدنى للأجور للعمال الزراعيين في السنغال، الذي يبلغ حوالي 4.5 دولار أمريكي، 3 جنيهات إسترلينية.

ويحصل جامعو الثمار، مثل ديارا، على مكافآت إذا كانوا سريعين في العمل وتجاوزوا الأهداف اليومية.

وبينما شهدت السنغال مؤخراً ارتفاعاً في الحد الأدنى للأجور، يُقرّ ميشيل لوران بأن الأجور "ليست مرتفعة"، لكن "هوامش الربح منخفضة للغاية، وعلينا أن نحافظ على قدرتنا التنافسية".

تُعدّ الأجور المنخفضة سبباً آخر قد يدفع المزارع في السنغال إلى التوسع.

يقول ديريك ويلكنسون، المدير الإداري لشركة "جي فريش": "عندما نزرع البصل الربيعي في المملكة المتحدة، تُشكّل تكلفة العمالة 60 في المئة من التكلفة الإجمالية. أما في السنغال، فتُمثّل العمالة أقل من الثلث".

وحتى مع الأخذ في الاعتبار تكلفة النقل من غرب أفريقيا، يعتقد ويلكنسون أنه في ظل الاتجاهات الحالية، سيصبح من المجدي اقتصادياً قريباً استبدال واردات من السنغال بالمزيد من الإنتاج البريطاني، حتى خلال ذروة موسم الزراعة الصيفي في بريطانيا.

ويضيف: "سيعود القرار للمستهلك ليختار بين المنتجات البريطانية والمستوردة".

لكن هل يُعدّ شحن الخضراوات من السنغال إلى المملكة المتحدة أمراً جيداً؟ يجيب تيم لانغ، الأستاذ الفخري في جامعة سيتي، الذي صاغ مصطلح "أميال الغذاء": "لا".

فبينما يُعدّ نقل الغذاء بحراً أقل تكلفة بيئياً من الشحن الجوي، إلا أن الشحن البحري يُساهم بنسبة 3 في المئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.

يقول لانغ: "ينبغي علينا أن نربط أنظمتنا الغذائية بالفصول قدر الإمكان، وبدلاً من الاستيراد من أفريقيا، نحتاج إلى استكشاف مجموعة أوسع من المحاصيل التي يمكن زراعتها في المملكة المتحدة".

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا