كانت ليلة شتوية قاسية، فارقني فيها النوم، وانهمرت الأسئلة في رأسي شوكا جارحا، فزادت من سُهادي. كان ذهني مشغولا بالأخبار التي تتدفق بلا هوادة، وتسري في جنبات العالم ذهابا وإيابا عن هذا الرجل غريب الأطوار، الموصول بعالم سفلي، مسكون بالأشباح والحكايات المرعبة العجيبة.
حكايات يمتزح فيها الفكر بالجريمة، والجنس بالمال والسلطة، ألقتها علينا وثائق أُفرج عنها، ومعلومات صنعتها إفادات بعض من سقطوا في الفخ، ولم يجدوا بُدا من الاعتراف، ولو بالقليل، وهم يعرفون أن ما لم يفرج عنه بعد هو أكثر وأدهى وأمر.
بقيت على هذه الحال حتى أضناني التفكير وأنهك جسدي، وألقى بي في سبات عميق بعد كل هذه الساعات من الأرق. لا أدري كم مر من الوقت على نومي حتى رأيت أمامي جيفري إبستين في هيئة سجين لكن لدى جهة مختلفة عن التي انتهت أو أُنهيت أنفاسه عندها، بعدما تخلى عنه شركاء المتعة والصفقات المشبوهة.
لم أعرف في هذه اللحظة هل أنا في حلم ليل عابر أم هو كابوس أسود؟ لكن ما أعرفه جيدا أنني لاحقت إبستين هذا بسؤال غارق في الدهشة والحيرة.
* من أنت؟
أجابني على الفور، وهو يقهقه:
* صاحب الجزيرة الملعونة.
وقبل أن أنطق وجدته يقول:
تمهل قليلا، قبل أن تطلق السراح لذهنك وتبحر في عوالم جزيرتي، سأعرفك من أنا؟
أنا يا سيدي لست سوى شخص آمن بطريق آخر للبشرية، يخلد فيه الإنسان ذاته، ويحسن نسله، فما فائدة أن تغص الأرض بمليارات لا فائدة منهم، كثيرون تسمونهم أنتم عموم الناس، وأعطاهم المؤرخون وعلماء الاجتماع أسماء أخرى كالحرافيش والأوباش والرعاع والعوام والهوام، وجاءت الدراسات الحديثة لتقول عنهم إنهم المهمشون.
ما جدوى هؤلاء!
لقد ضاق بهم الكوكب، وضغطوا على موارده، ولوثوه دخانا وروثا وضجيجا. أنا لا أطيق أولئك الذين يبذلون جهدا للحد من الجوع وتوفير الرعاية الصحية للفقراء، ولا يعبؤون بأن مسلكهم هذا سيزيد من خطر الانفجار السكاني.
غضبت لاستهانته بالناس، وقلت له:
* هؤلاء خلق الله، وأنت كنت تعيش في مكان يرى أهله أنهم أبناء حضارة تقول إنها أخرجت الناس من العبودية إلى الحرية.
تأملني قليلا ثم قال:
* أي حرية تقصد؟! انظر في المرآة.. وأدار ظهره عني نحو مرآة أمامه كأنها التي حدث المذيع عنها، أو هكذا وقع في خاطري، ثم استمر يخاطبني وهو يمعن في البلور: لستم سوى في عبودية جديدة، غلفتها الرأسمالية المتوحشة الشرسة برداء من حرير له بريق، وجذبتكم إليها، فانسقتم وراءها في غفلة، سادرين في سذاجتكم التي تصور لكم أنكم أحرار فعلا.
قلت: لكن على الأرض من لا يزالون يقاومون كل هذا من أجل تحقيق إنسانية الإنسان، حتى في الدولة الرأسمالية نفسها، وهناك من قاوم نظم حكم اشتراكية ساومت الناس على حريتهم من أجل الطعام والشراب. لا يخلو زمان أو مكان من ساعين إلى الحرية.
هز رأسه مستنكرا، وقال:
* دعك من هذا التهويم وجاوبني: هل يضيركم مسعاي إلى تحسين النسل، لم أكتفِ كغيري بالكلام، إنما خططت لاستخدام مزرعتي في نيومكسيكو لتلقيح الجنس البشري، وجمعت حولي العلماء في سبيل ذلك، يجب ألا نتوقف عن التجارب في سبيل الحصول على بشر أقوياء.
ثم تنهد وسألني:
* هل قرأت كتاب نيتشه "هكذا تحدث زرادشت"؟
* نعم.
* وما رأيك فيه؟
* شعرت أنه من تأليف الشيطان نفسه، كتاب وقف خلف النازية الدموية، ولا يزال يمد كل من يقرؤه بأفكار سوداء، رغم جمال لغته وصوره.
عاد إلى ضحك متواصل:
* فكرة البحث عن السوبرمان كان لا بد أن يأتي من ينقلها من بطن كتاب إلى الواقع، لنصل إلى ما وراء الإنسانية Transhumanism وأعطانا العلم فرصة بلوغ هذا حيث الهندسة الوراثية، وتجميد الأعضاء لإعادة الناس أحياء بعد الموت. أنا أؤمن بأن سلوك البشر ومكانتهم تحددهما الجينات بشكل كبير، ولهذا مولت أبحاثا في هذا الاتجاه، لكن لم أعطَ الفرصة كاملة.
كتمت غيظي وقلت له:
* من الخطأ الشديد أن تتوهم أن هذا السبيل يحرر الإنسان فعلا، أنت باعتمادك على الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي لا تفعل سوى إنتاج عبيد جدد، وما يزيد الطين بلة أن هؤلاء لن يملكوا إرادة التحرر والتمرد والتغيير، فيرسفون على الدوام في أغلال العبودية التي اخترتها لهم، بينما تزعم أنك قد أخذتهم من الضيق إلى البراح.
ووجدته قد لاذ بالصمت، فواصلت:
* ربما تكون بهذا تسعى وراء خرافة أو جريمة؟
نظر إليّ بامتعاض، وقال:
* أي خرافة، وقد كان حولي كوكبة من العلماء المرموقين في الفيزياء، والأحياء التطوري، وطب الأعصاب، علاوة على مختصين في الجنيات، ومنهم الذي حاز جائزة نوبل، وذلك الذي بلغت شهرته الآفاق.
قلت له:
* كل هؤلاء اقتربوا منك في سبيل المال، وبعضهم كان ينتظر مساعدتك له لإتمام تجاربه، لكنهم تنصلوا منك، واعترفوا بأن الطمع في التمويل أعماهم عن التوقف عن خطورة أفكارك، وعدم نضجها، ومن بينهم من وصفك بأنك شخص مدعي ثقافة. وهناك من سخر من تصورك أصلا، وقال إن علم تحسين النسل، مجال فقد مصداقيته تاريخيا لاعتماده على تحسين العرق البشري عبر التكاثر الموجه.
وتذكرت ما كشفته الوثائق عن فضائحه الأخلاقية، فسألته:
* وهل تفكيرك هذا يبرر لك الاستغلال الجنسي للقاصرات، والشذوذ، أو الاستفادة كما يشاع عنك من دم الأطفال وخلاياهم في إطالة عمر أصحابك؟
انفجر ضاحكا، وقال:
* تجريم العلاقات الجنسية مع القاصرات ليس سوى انحراف ثقافي، فلم يخلُ التاريخ من هذا.
* لكن البشرية في سعيها إلى الارتقاء جرَمت هذا، وحرمته الأديان قبل ذلك.
هز رأسه، وقال:
* لا تحدثني عما تآلف معه البشر، ولا ما تدعو إليه الأديان، فطريقي لم تحدده تقاليد في الأرض، أو تعاليم من السماء، إنما ما هو أولى عندي بالاتباع.
* وما هو؟
* كل ما يخدم من يستحقون العيش على هذه الأرض.
* ومن هم؟
* قلة القلة، أو صفوة الصفوة.
نفرت من كلامه، وتمالكت أعصابي، دون أن أقدر على إيقاف أنفاسي المحمومة من شدة الغيظ، وقلت له:
* ما عرفناه عنك يدل على أن معايير الاختيار لديك معوجة، فكيف، إن سلمنا برؤيتك القبيحة، أن نضمن أن ما تختار، أنت ومن معك، سيأتي على أسس في صالح الإنسانية؟ وهل يمكن أن يكون المجرمون في يوم من الأيام هم الصفوة؟
وقبل أن يرد قلت له:
* لا تناور وتداور، فما دمت تعظم من التمرد، حتى لو كان على الخير والفضيلة، فلتكشف عن نفسك بوضوح.
تمايل بعنقه، وقال:
* أتقصد اتهامي بأنني من عبدة الشيطان؟
* أنت اتهمت نفسك، فحين سُئلت: هل تعتقد أنك الشيطان نفسه؟ أجبت: "لدي مرآة جيدة"، وهذا معناه كنت ترى شيئا قبيحا، وهل هناك أقبح من الشيطان.
* لكن هل لديكم دليل على هذا؟
قلت: التحقيقات التي أجريت لم تثبت حتى الآن أنك تعبد الشيطان، لكن مرآتك حملت هذا المعنى، ويقال إن المعبد الذي بنيته في جزيرتك بخطوطه الزرقاء وقبته الذهبية، دل على هذا، وأيدته الطقوس الغامضة التي كانت تقام فيه.
وهناك وثيقة بنكية لك، ظهر فيها اسم بعل Baal، وهو إله قديم ارتبط بطقوس وثنية. ويوجد كذلك ما يقوله أتباع نظرية كيو أنون، التي تؤمن بأن هناك نخبة عالمية، تمارس طقوسا شيطانية، وتسعى إلى السيطرة على العالم.
صمت قليلا، وسأل:
* أتقصد حكومة العالم الخفية؟
أجبته على الفور:
* أقصد عالمكم السفلي العجيب، ففي أيامنا هناك حديث مستفيض لا يمل البعض من تكراره عن قلة تتحكم في العالم، تقف على تلال من المال، وتطرح أفكارا مثل التي تؤمن أنت بها، ولها معابدها ومؤسساتها وشركاتها وبنوكها في كل مكان، ولها رجالها الذي يؤمنون بها، ويعملون لها، وتستعمل كل ما لا تقره الأخلاق في سبيل السيطرة على الجميع.
ابتسم، وقال:
* ها أنت قد قلت إن هناك من يؤمن بها، ويعمل لها، فما يضيركم أن يكون هناك على الأرض من يرون الأشياء والأمور بشكل مختلف؟ ألا تؤمن بالتعددية؟
ضحكت، وقلت له:
* أي تعددية عند من يعملون على احتكار كل شيء على الأرض، ويسخرون لهذا الغرض البشع، كل ما بأيديهم دون تحسب ولا ورع؟!
ولمَا وجم قليلا، وجدت نفسي أبين له معرفتي بتاريخ الماسونية ومؤسساتها، ثم سألته:
* هل من قصدتهم بالعاملين من أجل فكرتك كبار القوم في كل مكان؟
قهقه، وقال:
* أصابعنا في كل مكان، ونجحنا، إلى الآن، أن ندفع إلى المقدمة موالين لنا، فيكفي أن نُجلس أحدهم على رأس الجميع، حتى يفرض عليهم ما نريده.
هززت رأسي، وقلت:
* لهذا بلغت وثائق ما كنت تفعله الملايين، وأظهرت أن قادة ووجهاء وأصحاب شركات كبرى كانوا يتحلقون حولك.
ابتسم، وأطرق برأسه موافقا، ثم قال:
* هؤلاء حراس البوابات، إن كانوا معنا، أتوا إلينا بكل من يتحكمون فيهم، وشيئا فشيئا، تصبح الأرض كلها بين أصابعنا.
ابتسمت، وسألته:
* أصابع من؟
أطلق ضحكة مدوية، وقال:
* سوف أترك لخيالك التخمين والفرضيات، لكن تمعن معي حتى فصول محاكمتي تنعش خيال التفكير، إنها ملأت الدنيا وشغلت الناس ألا تقولون ذلك؟
لم أكترث بنرجسيته كثيرا وسألته: لحساب من تعمل؟
عاد مجددا إلى مرآته، وأجاب:
* رجل مثلى لا بد أن يكون صديقا لأجهزة عدة، لكن أنت تعرف، وبحكم أشياء كثيرة، أيها أقرب إلى نفسي وعقلي.
ابتسمت، وقلت له:
* لست في حاجة إلى تأكيد، فالوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، تبين كيف نفذت أنت أساليب معروفة في نصب الفخاخ لعلية القوم، بالجنس والمال، وبعد وقوعهم فيها، يبدأ ابتزازهم بلا رحمة، فلا يجدون أمامهم من سبيل سوى الامتثال لإملاءات من أوقعهم في شَرَكه، في محاولة يائسة لتجنب الفضيحة.
ضحك طويلا وقال:
* ليس لدي مشكلة في التعاون مع أي طرف تتلاقى معه رغبتي، فهذا يزيد من منفعتي، وهو ما يهمني على الدوام.
* يا لك من منحرف!
* لا يهم، طالما كنت أمضي نحو غايتي، فأنا أؤمن بأن الدين والضمير والأخلاق والقانون والتقاليد وأمن الدول ومصالح الناس ليست سوى قيود سخيفة يجب تحطيمها كي يعيش الإنسان كما يحلو له.
تذكرت الآية القرآنية التي تقول "كلا إن الإنسان ليطغي أن رآه استغني"، واستدعيت حكاية قارون الذي أوهمته ثروته الطائلة بأن بوسعه أن يفعل ما يريد، وقلت لأبستين:
* حين يتحول المال إلى إله يستبيح فاحشو الثراء كل شيء، وهم يظنون أنهم آمنون من العقاب، ولا يرون سوء ما يفعلون وسط عماهم الأخلاقي.
طوح يده في الهواء استهانة، وقال في تبجح:
* لا يهمني كل هذا.
مددت بصري إلى كامل جسده، من أخمص قدميه إلى ناصيته، وقلت له:
* حتى لو كان اتهامك بعبادة الشيطان مجرد مزاعم فما قلته الآن وتفعله لا يمكن أن يراه أي عاقل أو سوّي أو صاحب ضمير يقظ على الأرض سوى استعلاء وغرور، وبين البشر أنفسهم شياطين غير مصفدين.
راح جسده يتلاشى حتى رأيته شبحا، ثم رفع يده، وقبل أن يغيب قال: سأترك لك مرآتي.. سأتركها لك، انظر وتعمق، ستجد تفاصيل كثيرة أخرى تستحق آلاف المحاكمات. إبستين قد يكون في نظر الجميع فردا مهووسا مدانا.. قد أكون سيد اللعبة، ولكنني لستُ كل الفريق.
قلت: إلى الجحيم أيها المخادع المتسلسل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.