آخر الأخبار

النازحون من سنجار.. حين يتحول الانتظار إلى قدر دائم

شارك
أحد عشر عامًا من الانتظار.. أطفال وُلدوا في مخيمات النزوح ولم يعرفوا مكانا غيرهاصورة من: Amal Saqr/DW

عند سفح جبل سنجار اقصى شمال غرب العراق، حيث تختلط الأساطير بالتاريخ، يعيش مجتمع الإيزيديين منذ قرون متعددة. فسنجار ليست مجرد مدينة، إنها بالأحرى رمزٌ للهوية والذاكرة وموطنٌ لجماعة نجت من محاولات الإبادة عبر العصور.

في الثالث من آب/ أغسطس 2014 انهار كل شيء، حين اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) سنجار، فقتل نحو الف من الإيزيديين في اليوم الأول من هجومه الواسع على المدينة، واختطف نحو 6500 رجل وامرأة وطفل لم ينجحوا في الهروب باتجاه جبل سنجار صبيحة ذلك اليوم، والالتحاق بقرابة ربع مليون إيزيدي التجأوا كلهم الى جبل سنجار، سعيا وراء الخلاص من تنظيم الدولة الإسلامية.

منذ ذلك اليوم، شهدت منطقة سنجار بجبلها وبلداتها وقراها واحدة من أطول فترات النزوح في العراق، والتي امتدت حتى الوقت الحاضر. فحتى مطلع هذا العام، ما زال قرابة 120 ألف إيزيدي ــ يمثلون نحو نصف الإيزيديين الذين كانوا يقطنون سنجار قبل اجتياح داعش ــ يعيشون في مخيمات النزوح بمحافظة دهوك شمال العراق، بين خيام مؤقتة تحولت إلى إقامة دائمة، في أطول وأقسى أزمة نزوح داخلي شهدها العراق.

يقول مسؤول الإعلام في معبد لالش، لقمان حاجي، لـ DW: " الإيزيديون تعرضوا لـ 74 إبادة جماعية عبر التاريخ ، أقساها كانت على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إذ أدى ذلك إلى هجرة مئات الآلاف من أبنائنا الذين عاشوا في مخيمات بظروف صعبة جدًا لا يمكن وصف مأساتهم، فهم يناضلون من أجل البقاء. ومع الأسف، عندما نخاطب الحكومة المركزية في بغداد لمعالجة أزمتنا والعمل على إعادة النازحين إلى أماكن سكناهم، يقولون إنكم تتبعون إداريًا لإقليم كردستان ، لترد الأخيرة بالجواب ذاته، وبهذا بقي ملف النازحين وعودتهم معلّقًا دون حلول حقيقية".

صورة من: Amal Saqr/DW

تُصنف سنجار كمنطقة متنازع عليها، حيث يعتبرها الإقليم جزءاً من استحقاقهم إداريا وفقا للمادة الدستورية 140، بينما تسعى بغداد لبسط سلطتها الاتحادية المباشرة عليها، كما أن ملفها الأمني يدار حاليا من قوى أمنية متعددة، تتوزع بين الجيش العراقي والشرطة المحلية وفصائل الحشد الشعبي ووحدات حماية سنجار (YB×) التابعة لحزب العمال الكردستاني PKK ، مما خلق صراعات نفوذ داخل سنجار.

في عام 2020 أبرمت بغداد وأربيل اتفاقية سنجار، كان الهدف الأساس منها إعادة الاستقرار، وتنظيم الإدارة المحلية، وتسهيل عودة النازحيين، أضافة الى إخراج القوى المسلحة غير الرسمية وإدارة الملف الأمني من قبل الشرطة الاتحادية والأمن الوطني فقط، لكن تنفيذه واجه صعوبات أبرزها رفض بعض الفصائل الانسحاب من سنجار.

انتظار بلا نهاية

لم تكن النازحة زيرين تعلم أنها ستترك يومًا قريتها خانصور في قضاء سنجار بمحافظة نينوى شمال العراق، لتذهب إلى حياة مجهولة المصير لها ولعائلتها. تقول زيرين لـ DW: "نحن من قرية خانصور، وكما ترون أحوالنا هنا، نحن فقراء ولا نملك معينًا. العالم بأجمعه يرى ما نحن فيه من ظروف. نحن شعب مغلوب على أمره، لم نظلم أحدًا ولم نسرق أو نعتدي على أحد".

وتستطرد زيرين قائلة: "لكن بالمقابل اعتُدي علينا، ودُمّرت منازلنا، وأصبحنا في المخيمات وفي الشوارع. ظروفنا سيئة، وأصبحنا مساكين نستحق المساعدة. كنا راضين عن عملنا وحياتنا ومعيشتنا، وليتنا كنا في بيوتنا وعلى أرضنا لنسترجع حياتنا . ليس باليد حيلة ولا نقدر على فعل شيء".

ولا يختلف حال الشاب العشريني أزاد عن زيرين، إذ يستذكر لحظات هروبه ويقول لـ DW: "مطلع آب/ أغسطس 2014 هربنا من خانصور وتوجهنا إلى إقليم كردستان، وعانينا كثيرًا في الطريق، فرأينا الأهوال والمصاعب والتعب ، وتعرضنا لإطلاق النار . وصلنا إلى مدينة زاخو وسكنا في روضة أطفال، كنا 40 عائلة، ولم يكن هناك طعام ولا ماء ولا كهرباء".

ويضيف أزاد: " مكاننا هنا في المخيم ضيق جدًا ، حيث ننام ونأكل ونستحم في المكان نفسه. الحياة هنا صعبة إلى درجة لا يمكن تصورها".

بدوره يقول النازح الياس علي خديدا لـDW: "نرغب كثيرا في العودة الى حياتنا السابقة، ولكن كيف نعود وبيوتنا مدمرة والحكومة لم تصرف لنا التعويضات من أجل إعادة بناءها ولم تقوم هي بذلك، كما أن إدارة المخيم ترفض إعطاءنا كتاب يثبت باننا نازحين حتى نحتفظ بحقنا بالتعويضات. إذا غادرنا الآن بدون هذا الكتاب كيف سنعيش هل في خيمة أيضا".

عدد النازحين الإيزيديين في العراق ما يزال كبيرًا رغم مرور أكثر من أحد عشر عامًا على " الإبادة الجماعية " التي تعرضوا لها، إذ يعيش عشرات الآلاف منهم في مخيمات النزوح. حاليًا يوجد نحو 15 مخيمًا رئيسيًا للنازحين الإيزيديين، كلها في إقليم كردستان، وتحديدًا في محافظة دهوك التي تمثل المدينة الأقرب الى سنجار.

فشل حكومي؟

يقول الناشط الإيزيدي المعني بمتابعة شؤون المخيمات، سعيد حمو، لـ DW: "أغلب المخيمات ما زالت عبارة عن خيم، وهناك أربعة مخيمات فقط أُنشئت فيها كرفانات لتحسين ظروف المعيشة داخلها. لكن قلة المساعدات تجعل الحياة فيها أكثر صعوبة. حتى الآن لا توجد حلول".

ويرى حمو أن وزارة الهجرة والمهجرين "فشلت في التعامل مع هذا الملف، حتى بعد القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء العراقي في نهاية تموز/ يونيو 2024 لإجبار النازحين على العودة من خلال تهديدهم بأن أي نازح يرفض العودة إلى مكان إقامته السابق في سنجار سيفقد بعد هذا التاريخ حق العودة، ويبقى مقيمًا في منطقة تواجده في إقليم كردستان".

رغم تمديد الفترة إلى شهر، لم يخضع النازحون الإيزيديون للقرار ولم يعد منهم أي منهم، يقول حمو الذي يشير إلى أن "قرار رئاسة الوزراء جاء مخالفًا للقانون الدولي الذي يرفض إجبار النازحين على العودة، إذ يجب أن تكون العودة طوعية".

ويُوضح حمو: "وزارة الهجرة حاولت، بعد إبرام اتفاق في عهد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، تنظيم الأوضاع في سنجار. وأولى خطوات التنظيم كانت عودة سنجار إلى سلطة الحكومة المركزية في بغداد، لكن أغلب الإيزيديين رفضوا العودة لأسباب عدة، منها عدم دفع التعويضات التي تمكّنهم من إعادة بناء منازلهم والاستقرار فيها".

"مكاننا هنا في المخيم ضيق جدًا، حيث ننام ونأكل ونستحم في المكان نفسه. الحياة هنا صعبة إلى درجة لا يمكن تصورها". نازح إيزيديصورة من: Amal Saqr/DW

عهد الدم ودفع الدية

فيما يعزو حمو إصرار الإيزيديين على رفض العودة إلى مناطقهم إلى عدم دفع التعويضات، يرى الباحث في الأمم المتحدة راشد داود أن أسباب عدم العودة تمتد إلى ما هو أبعد من الجوانب السياسية والإدارية، ويضيف لها أسبابا اجتماعية، بل يذهب الى أن عدم معالجتها يعد واحد من الأسباب الرئيسية لعدم العودة.

في هذا السياق يقول داود: "تتمثل الأسباب الاجتماعية في نقض عهد الدم بين الإيزيديين والعرب، والذي كان سببًا رئيسيًا في تعايشهم بسلام طيلة قرنيين ماضيين، ويُطلق عليه عهد (الكرافة)، ويتضمن أن أيًّا من الطرفين إذا أنجب مولودًا وأراد أن يقيم له مراسم الختان، أو ما يُعرف بالعامية (الطهور)، يضعه في حضن جاره أو رفيق دربه ليكون لاحقًا بمثابة العم لهذا المولود".

ويوضح داود: "بناءً على هذه الصفة، يحق له رعاية العائلة في حال غياب الرجل الراعي لها، لأنها تُعد بمثابة عائلته الثانية، وهكذا كان الأمر يسير. جميع العوائل في سنجار تربطهم صلة الدم، إلى أن جاء يوم اجتياح سنجار من قبل تنظيم داعش. ومع الأسف، من قتل واغتصب وسرق أموال الإيزيديين كانوا إخوتهم وفقًا لعهد الدم".

ويُبين داود أن "تنظيم داعش أعلن أن الإيزيديين ليسوا من أهل الكتاب، وأنهم لا يعبدون الله، وبالتالي فإن قتلهم وسبي نسائهم وسرقة أموالهم حلال، ما دفع بعض العشائر العربية التي كانت متعايشة منذ مئات السنين مع الإيزيديين، إلى قتلهم وسبي نسائهم والاستيلاء على أموالهم. وما زال مصير آلاف الإيزيديات المسبيات مجهولا".

"ردم الفجوات" مع الجناة

حاولت الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية بعد انتهاء عمليات التحرير في تموز/ يوليو 2017، ردم الشرخ الذي حصل في العلاقات الاجتماعية بين الإيزيديين والعشائر العربية حيث تبنت العديد من المبادرات تحت عنوان "ردم الفجوات" إلا أنها وعلى ما يبدو لم تنجح في ذلك، كما يقول داود.

"بعد انتهاء عمليات التحرير، طالب الإيزيديون العشائر العربية بالاعتذار عمّا اقترفوه كبادرة للصلح بينهم. وبالفعل، عُقد مجلس ضم شيوخ العشائر التي قام أبناؤها بقتل الإيزيديين وسرقة أموالهم وسبي النساء. وبالمقابل حضر كبار زعامات الإيزيديين. لكن ما حدث كان مخيبًا للآمال، إذ رفضت العشائر العربية الاعتذار، لأنها رأت فيه اعترافًا بالجرائم التي ارتكبتها، وبالتالي سيلزمهم ذلك لاحقًا دفع الدية للإيزيديين". لذلك فشلت جلسة الصلح وما لحق ذلك من جلسات ومبادرات، مما عمّق شعور الإهانة لدى المجتمع الإيزيدي، وطُويت بذلك صفحة التعايش السلمي بين الطرفين بعد أن كانوا إخوة دم وفقًا لعهد (الكرافة).

استغلال سياسي للنازحين

هذا التعثر في عودة النازحين لم يكن فقط نتيجة عراقيل أمنية وإدارية أو اجتماعية، بل ارتبط أيضًا باستغلال سياسي لمعاناة النازحين الإيزيديين، حيث جرى استخدام أصواتهم في المخيمات كورقة انتخابية من قبل بعض القوى، بدلًا من إيجاد حلول جذرية لأزمتهم.

وأشارت تقارير أممية صدرت عن منظمة الأمم المتحدة إلى ضرورة إبقاء محنة الإيزيديين في صلب النقاشات السياسية وعدم تحويلها إلى أداة انتخابية، مؤكدة أن استمرار النزوح يعرقل إعادة بناء حياتهم ويجعلهم عرضة للتوظيف السياسي.

وهذا تحديدًا ما أكده السياسي الإيزيدي المستقل حسن بيسو لـ DW بالقول: "مع الأسف، الكثير من السياسيين لا يسعون لحل ملف النازحين الإيزيديين، لأنهم يستغلون ظروفهم لإجبارهم على التصويت لهم، على أمل معالجة أوضاعهم أو تقديم المساعدات لهم. إذا استمر الأمر على هذا النحو فلن يعود أيٌّ من النازحين إلى مناطق سكناهم، وسيبقى ملف سنجار والإيزيديين عالقًا دون معالجة."

أحد عشر عامًا من الانتظار، وحياة معلّقة بين الماضي والمستقبل. أطفال وُلدوا في المخيمات ولم يعرفوا غيرها. شباب فقدوا أحلامهم بين طوابير المساعدات ليُتركوا في النهاية لتدبير معيشتهم بعد أن قُطعت عنهم تقريبا، من قبل المنظمات الدولية والمحلية معًا.

مأساة الإيزيديين ليست مجرد ذكرى إبادة، بل واقع يومي يجسّد فشل إعادة الإعمار، وانكسار الثقة مع الجيران وغياب العدالة التي وحدها قادرة على أن تعيد الحياة إلى سنجار من جديد.

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا