لم تكن واقعة مصرع دانا إيدن، منتجة مسلسل التجسس الإسرائيلي "طهران"، في غرفتها بأحد فنادق العاصمة اليونانية أثينا مساء الخامس عشر فبراير/شباط 2026، مجرد خبر فني عابر أدرجته وكالات الأنباء في زوايا الوفيات، بقدر ما كانت لحظة كاشفة عن السطوة الهائلة التي تمارسها الدراما على الخيال العام في عصر السيولة المعلوماتية.
في اللحظة التي انتهت فيها، بدأت "حياة أخرى" للحدث على منصات التواصل وفي أروقة التحليل السياسي، حيث تداخلت خيوط الواقع الافتراضي بخيوط العمل الاستخباراتي الذي كانت تُنتجه لسنوات.
كان وجود إيدن في أثينا مبررا، فالعاصمة اليونانية التي تُستخدم كبديل بصري لمدينة طهران، قد تحولت في الخيال الرقمي من مجرد "بلاتوه" تصوير إلى مسرح جريمة مفترض.
الانزلاق من الدراما إلى الواقع هو ما منح الخبر زخمه العالمي، فالمشاهد الذي اعتاد رؤية عملاء الموساد يخترقون شوارع أثينا، باعتبارها "طهران" في المسلسل، وجد صعوبة بالغة في الفصل بين جثة المنتجة الحقيقية وبين حبكة الاغتيالات التي اشتهر بها العمل.
على الرغم من أن تقارير الشرطة اليونانية التي نقلتها وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز وأسوشيتد برس وضعت الواقعة في إطار "الاشتباه في الانتحار" استناداً إلى العثور على أدوية في الغرفة وغياب آثار العنف، إلا أن الجمهور العالمي فضل تبني سيناريو الاغتيال فوراً.
وهذا التناقض، المتكرر رغم غرابته، يطرح تساؤلاً عن سبب تجاوز رواية الاغتيال المحتملة البيانات الرسمية الصادرة عن سلطات دولة أوروبية مثل اليونان، الإجابة تكمن في طبيعة مسلسل "طهران" ذاته، فالعمل الذي حصد جائزة "إيمي" الدولية عام 2021 ليس مجرد إنتاج تلفزيوني ترفيهي، بل هو جزء أصيل من "حرب الروايات" المستعرة في الشرق الأوسط.
وحين يتماس العمل مع قضايا حساسة تدور حول مزاعم البرنامج النووي الإيراني، يصبح صناعه في نظر الجمهور أهدافا سياسية لا مجرد فنانين، مما يجعل أي رحيل مفاجئ لأحدهم يبدو كأنه حلقة إضافية لم يكتبها أحد بل نفذها القدر أو السياسة في تلك المنطقة الرمادية التي يلتقي فيها الفن بالأمن.
ولم يكن مسلسل "طهران" يُنظر إليه في الأوساط الرسمية والإعلامية الإيرانية كإنتاج درامي، ولكنه جزء من منظومة "الحرب الناعمة" والاختراق الثقافي.
ومع إعلان خبر الوفاة، أعادت منصات إعلامية مقربة من التيار المحافظ في طهران صياغة الرواية. ونشرت صحيفة كيهان تعليقاً ألمحت فيه إلى ما وصفته بالسقوط الأخلاقي والمهني لصناع الأوهام، معتبرة أن المسلسل يمثل محاولة صهيونية لتصوير اختراقات وهمية داخل العمق الإيراني.
وجاء في تحليلات لمؤسسات إعلامية تابعة للحرس الثوري أن الذين يقتاتون على قصص الاغتيالات والفتن يعيشون في بيئة من التوتر النفسي الدائم، وأن رحيل منتجة العمل في ظروف غامضة، سواء كان انتحاراً أو غير ذلك، هو انعكاس لمرارة الواقع الذي يحاولون تزييفه عبر الشاشات وتصوير إيران كساحة مستباحة.
أما الموقف الإسرائيلي والدولي فقد اتسم بنبرة حزن عالية للرؤية الإبداعية لإيدن، ونعتت وزارة الثقافة الإسرائيلية وهيئة البث الرسمية "كان" المنتجة، ووصفتها بأيقونة نقلت الدراما المحلية إلى العالمية وفتحت آفاقاً جديدة للإنتاج التلفزيوني في المنطقة.
وأصدرت منصة "آبل تي في" بياناً أكدت فيه الحزن العميق لرحيل الرؤية الإبداعية التي صاغت بجرأة ملامح الهوية والصراع في "طهران"، مشيرة إلى أن التزامها بالسرد القصصي كان يهدف إلى كشف الصعوبات الإنسانية خلف العناوين السياسية الجامدة.
وحاولت شريكتها في الإنتاج شولا شبيجل وأد الفرضيات الأمنية بالتأكيد على أن دانا كانت فنانة مخلصة تعاني من ضغوط المهنة، وأن ما يُشاع عن اغتيالات أو دوافع سياسية لوفاتها هو استكمال للوهم الذي تحاول الشركة محاربته عبر الفن، داعية الجمهور ووسائل الإعلام إلى احترام خصوصية العائلة بعيداً عن صراعات الدول وأجنداتها الاستخباراتية.
تركت دانا إيدن وراءها إرثاً ملفتا، فمنذ انخراطها في الصناعة التلفزيونية في منتصف التسعينات، كانت تسعى دوماً لتجاوز الحدود المحلية الضيقة، وقد نجحت عبر صفقة مع شركة آبل.
المسلسل الذي يروي قصة تامار رابينيان، عميلة الموساد ذات الجذور الإيرانية، وضع المشاهد أمام مرآة مزدوجة، فإيران في المسلسل ليست مجرد "عدو" بل هي الوطن الأم المفقود بجمالياته وتاريخه، وإسرائيل ليست مجرد حصن بل هي الواجب الثقيل الذي يمزق الهوية الشخصية.
هذا التوازن الدرامي الدقيق هو ما جعل رحيل صانعة هذا التوازن في مدينة أثينا، التي كانت تؤدي دور طهران، يثير كل هذه الأسئلة الوجودية والسياسية، ويجعل من الصعب على المتابع العادي قبول فكرة الموت الطبيعي أو الشخصي في بيئة مشبعة برائحة التجسس.
تظل واقعة مصرع دانا إيدن درساً بليغاً في سيكولوجية الجماهير وكيفية تداخل الفن بالسياسة إلى درجة الانصهار الكامل في منطقة مشحونة كالشرق الأوسط، حيث لا يمكن للمنتج أو الكاتب أن يكون محايداً في نظر الخصوم مهما حاول التمسك بالأبعاد الإنسانية.
شملت التحقيقات اليونانية مراجعة دقيقة لكاميرات المراقبة في الفندق وتشريح الجثة وجمع الإفادات من طاقم العمل، وقد تنتهي إلى ملف جنائي يُغلق بكلمة "انتحار" نتيجة ضغوط نفسية أو طبية، لكن "الحقيقة الدرامية" في أذهان الملايين ستبقى معلقة بين روايتين متناقضتين، رواية إسرائيلية وغربية ترى فيها ضحية لضغوط الإبداع والواقع النفسي الصعب، ورواية إيرانية ترى فيها ضحية لبيئة المؤامرات التي ساهمت هي في تشكيل وعي الجمهور بها وتحولت في النهاية إلى فخ ابتلعها.
كانت إيدن تُشرف على التحضير للموسم الرابع، ويضع رحيلها صناع المسلسل أمام تحدٍ أخلاقي وفني كبير، للاستمرار في إنتاج عمل يتنفس السياسة بينما تلتهم الخيالات والتوقعات السياسية صناعه؟
الموت المريب للمنتجة الإسرائيلية دانا إيدن في المدينة التي كانت تؤدي دور طهران، والمسلسل الذي تحول إلى موضوع للتجسس والتحليل والاشتباه يؤكد أن الفن في عصرنا الحالي لم يعد مجرد محاكاة للواقع أو هروباً منه، بل أصبح وقوداً لمحرك السياسة الدولي، وصارت فيه الرواية المتخيلة أحياناً أقوى وأبقى من البيان الرسمي وأدلة المختبرات الجنائية.
يفتح الحادث الباب واسعاً أمام تساؤلات أعمق حول كلفة الإبداع حين يقترب من "المناطق المحرمة" في الصراعات الدولية، وكيف يتحول الفنان من مراقب يوثق الصراع إلى طرف فيه رغماً عنه.
تشير التحقيقات الرسمية إلى ما يتعلق بالأدلة المادية، وتردد منصات التواصل مخاوف وتوقعات سياسية، ليمنح القدر منتجة العمل نهاية لا تقل غموضاً ولا إثارة عن المسلسل، لتظل "طهران" المسلسل و"طهران" المدينة و"أثينا" الموعد، مثلثاً سيبقى يثير الجدل حول حدود الفن ومخاطر الواقع في عالم تتلاشى فيه المسافات بين الشاشة والحقيقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة