آخر الأخبار

شطروا الذرة فبدت نُذر الكارثة

شارك

لم تعرف حقبة تاريخية الحرب مثل القرن العشرين، لا من حيث العدد ولا الضحايا ولا حتى الدول التي اشتركت فيها، لكنّ المفارقة تكمن في أن هذا القرن نفسه أفرز آليات لضبط النزاعات والحروب، ولاحقا لدرء المواجهة النووية.

لكنّ هذه الآليات دُمرت في غضون أقل من 3 عقود فقط من عمر القرن الحالي، ففي الخامس من فبراير/شباط انتهت صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية "ستارت 3" المعروفة بـ"ستارت الجديدة"، وهي آخر المعاهدات بين الولايات المتحدة وروسيا، المعنية بشؤون الحد من التسلح بينهما.

في وقت سابق انسحبت واشنطن وموسكو من معاهدات أخرى، مثل معاهدة الحد من الصواريخ الإستراتيجية النووية متوسطة وقصيرة المدى (معاهدة السماوات المفتوحة)، كما انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (الدرع الصاروخية).

لماذا كانت معاهدة ستارت الجديدة مهمة للأمن الدولي؟

كانت معاهدة ستارت الجديدة آخر عنصر قابل للتطبيق في هندسة الحد من التسلح العالمية التي تتفكك منذ عقدين. ويحدث زوالها، دون بديل، وضعًا غير مسبوق منذ نصف قرن. واعتبارا من 5 فبراير/شباط 2026، ستكون الأسلحة الإستراتيجية لروسيا والولايات المتحدة غير مقيدة بأي قيود قانونية.

وقد صرّحت الأمم المتحدة بأن هذا قد يؤدي إلى تآكل جميع قيود الحد من التسلح النووي، مثل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وتُظهر تجربة العقود الخمسة الماضية أنه حتى الدول التي تمتلك إمكانات علمية وتكنولوجية كبيرة ليست مستعدة لتجاوز الخط الأحمر النووي إلا إذا كان ذلك مشروطا بوجود تهديد حقيقي ووشيك للأمن القومي.

ومن الأمثلة على هذه الدول كوريا الشمالية، التي قررت تطوير أسلحة نووية بدافع الحاجة إلى ردع الولايات المتحدة.

ولا يُستبعد، في ظل التدهور المستمر للوضع العسكري والسياسي، أن تنسحب دول منفردة من المعاهدة وتبدأ بتنفيذ برامج نووية عسكرية. وفي أسوأ السيناريوهات، قد يؤدي ذلك إلى نهاية نظام عدم انتشار الأسلحة النووية بشكله الحالي.

إعلان

يقول الباحث الروسي في شؤون التوازن الإستراتيجي سيرغي سيمينوف في الجزء الأول من كتابه "عدم انتشار الأسلحة النووية: تهديدات وتحديات جديدة" إنه "من بين العوامل المحفزة التي قد تدفع دولة ما إلى تطوير أسلحة نووية: الحاجة إلى ردع خصم إقليمي يمتلك أسلحة دمار شامل أو قدرات عسكرية تقنية متطورة للغاية، وعدم القدرة على ردع معتد محتمل من خلال قوات متعددة الأغراض أو تحالف مع دولة نووية. إضافة إلى نظرة القيادة السياسية إلى الوضع الدولي من منظور حصن محاصر، ووجود طموحات إمبريالية جديدة، وعدم اليقين بشأن آليات الأمن القائمة".

بعد انتهاء الحرب الباردة، كان من الطبيعي أن تسعى الدول إلى تعزيز تدابير مشتركة لخفض التوترات عالميا، وفي منطقة أوراسيا الوسطى على وجه الخصوص، فضلا عن مواجهة الهيمنة الأمريكية المتنامية من خلال الدعوة إلى تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

وقد تجلى ذلك في تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، وإبرام معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الروسية الصينية عام 2001، وحل القضايا الإقليمية في العقد الأول من الألفية الثانية.

ورغم عدم ارتباط هذه المبادرات مباشرة بالأسلحة الإستراتيجية، إلا أنها ساهمت في تقارب موسكو وبكين في عدد من القضايا العسكرية والسياسية، فضلا عن رؤيتهما لنظام عالمي مقبول، بدلا من نظام قائم على القواعد فقط.

ما دور الصين في المشهد الإستراتيجي العام؟

على الرغم من عدم وجود رأي نهائي حول ما إذا كان قد اكتمل تشكيل النظام العالمي متعدد الأقطاب أم لا يزال قيد التشكل، فإن ميزان القوى في مجال الصواريخ النووية يسمح بتحديد 3 مراكز عسكرية سياسية: روسيا والصين والولايات المتحدة.

يرى الباحث في العلاقات الدولية ميخائيل لوتشينا أن تعزيز الصين لقدراتها الصاروخية النووية يُغيّر المشهد الإستراتيجي السائد منذ عقود بشكل كبير. فقد باتت لاعبا رئيسيا جديدا يحتل موقعا في الساحة التي لطالما تمركزت فيها روسيا.

ويوضح الكاتب في مقال نشره موقع "روسيا في الشؤون الدولية" تحت عنوان "المثلث الإستراتيجي الكبير كتحد للحد من التسلح" أن التجارب الإيجابية للتعاون في حقبة ما بعد القطبية الثنائية، والتحديات الأمنية المماثلة، أصبحت شروطا أساسية لتشكيل أساس مشترك لتعاون عسكري وثيق مع النأي بالنفس عن احتمالية تحالف عسكري سياسي. ويرتبط هذا الأخير بالرغبة في تجنب الاعتماد المفرط على الطرف الآخر والانخراط المفرط في مشاكله.

ويضيف أن ذلك قد أسفر عن تعاون دقيق في قضايا الردع. مستدلا بدعم روسيا الصين في تطوير نظام إنذار مبكر خاص بها للهجمات الصاروخية.

ويقول: يمكن أن يُشكل تطوير هذا النظام عاملا إضافيا في تعزيز قدرة الردع الصينية، ما يُهيئ الظروف التكنولوجية اللازمة لانتقال الصين في عقيدة نووية من سيناريو الضربة الانتقامية إلى سيناريو الإطلاق عند الإنذار. وإنه من الجدير بالذكر أيضا الاتفاقية الموقعة عام 2009 بشأن الإخطار بإطلاق الصواريخ الباليستية ومركبات الإطلاق الفضائية.

ومن شأن تعزيز القدرات الإستراتيجية أن يعزز موقف الصين في حل قضية تايوان والنزاعات الإقليمية مع اليابان والفلبين. وبالتالي، ستكون آفاق حل كل من هذه المشكلات تحت مظلة "القوة النووية"، مما يمنح بكين فرصا أكبر لردع الولايات المتحدة عن التدخل العسكري المباشر في حالات الأزمات.

ماذا بعد نيو ستارت؟

يتنامى الشعور بزيادة مخاطر اندلاع حرب عالمية نووية على شكل غير مسبوق، بسبب انتهاء الضوابط على التسلح بين روسيا والولايات المتحدة، وعودة سباق التسلح، والتلويح باستخدام القدرة النووية وزيادة دعوات الراغبين في خوض التجربة باستخدام هذه الأسلحة.

إعلان

"الحرب هي الحل الذي لا يحل شيئا"، هكذا يقول الساسة وهكذا تقول العقول التي تدعي الإستراتيجية، ومن هذه العبارة نشأ مفهوم الجمود الإستراتيجي. أي أن الأحجار على الرقعة، لكنها غير قادرة على التحرك في أي اتجاه، وهنا تكمن العبثية وغياب المنطق، لاسيما عندما يدور الحديث عن الحرب النووية.

مصدر الصورة عدد الرؤوس النووية في العالم (الجزيرة)

هل يتجه العالم نحو حرب نووية؟ وما شكلها؟

كل الكلام عن الحرب النووية وتداعياتها يبدو مجرد تكهنات، وذلك لعدم وجود تجربة حرب نووية حقيقية. الحروب الكلاسيكية بنيت على خبرة عملية هائلة، وقد عرفت البشرية آلاف الحروب عبر التاريخ.

دُرست الحروب وحُللت، وعلى أساس ذلك نشأت العلوم العسكرية لما قبل الحقبة النووية. أما إستراتيجية الحرب النووية وتوقعات تداعياتها فغير مبنية على أي تجارب أو قواعد عملية، في حين يوجد عدد هائل من الفرضيات.

يعتقد معظم الناس أن الحرب العالمية الثالثة ستكون حتما نووية، ويتخيل أن تحدث انفجارات هائلة حول العالم مع سحب فطرية تدمر الحضارة على الفور. لكنّ النموذج الوحيد المتوفر هو التجارب النووية، وهيروشيما وناغازاكي اللتان كانتا هجوما من طرف واحد دون رد نووي.

إن امتلاك السلاح النووي لا يجعل بالضرورة من الدولة قوة عظمى. ما يجعلها قوة عظمى هو الجاهزية والاستعداد والقدرة على اتخاذ قرار استخدام السلاح النووي. وقد كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي لفرض الاستسلام على اليابان، رغم أنها لم تكن بحاجة لذلك. فاليابان كانت متجهة للهزيمة فعليا.

الولايات المتحدة أرادت أن تثبت للعالم وللمنتصرين في الحرب العالمية الثانية أنها هي القوة الأولى في عالم ما بعد الحرب. لكنّ موسكو سارعت لتفادي الهوة وصنعت أول قنبلة ذرية لها وأجرت عليها تجربة في عام 1949 لتحقق نوعا من التوازن الإستراتيجي سرعان ما تحول إلى معاهدات ملزمة عقب أزمة الكاريبي.

هل التسلح النووي يضمن الأمان والردع؟

نرى اليوم حروبا وصراعات مشتعلة وأخرى على وشك الاشتعال في قارات مختلفة بمشاركة مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة. ‏صراعات ليست متجانسة، تعكس وجود تحالفين يتعززان بدرجات متفاوتة، ويقف كل منهما ضد الآخر في تعارض واضح.

هناك تحالفان يتقاتلان حول العالم لتحقيق مكاسب مادية إقليمية وتغيير النظام الدولي القائم. ولم تعد هذه مواجهة غير مباشرة بين قوتين كما كانت خلال الحرب الباردة. كلما كانت الأزمات الدولية أكثر حدة وأطول مدة، كانت إمكانية اندلاع مواجهة نووية بطريق الخطأ أوفر حظا. ولهذا عندما يتصدر اليوم التصعيد على حساب تخفيف التصعيد يصبح الأمر مقلقا للغاية. الحرب الأوكرانية نموذجا.

في كلمته أمام مؤتمر ميونخ للأمن الدولي في 19 فبراير/شباط 2022، هدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بإلغاء مذكرة بودابست إذا لم تُقدم لكييف ضمانات أمنية. وبصياغة رفضه لحزمة حلول عام 1994 بأسلوب دبلوماسي، كان زيلينسكي يقصد تحديدا إمكانية مراجعة انضمام أوكرانيا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كدولة غير نووية.

وفي وقت لاحق، أكد وزير الخارجية الأوكراني السابق دميترو كوليبا أنه يعتبر تخلي أوكرانيا عن الأسلحة النووية خطأ. وأشار إلى أنه "بالنظر إلى حقيقة أننا تخلينا عن ترسانتنا النووية وفشلت الضمانات الأمنية التي قُدمت لنا، أعتقد أن بعض الدول يجب أن تشعر بالمسؤولية عن ذلك. وأن تعمل بجد لإيجاد الضمان الأمني المناسب والفعال لأوكرانيا".

تؤمن النخبة الأوكرانية بأنه لو احتفظت أوكرانيا بقدراتها النووية، لكانت تجنبت ما يُسمى بـ"العدوان الروسي".

في موسكو، أثارت أحلام كييف النووية رد فعل سلبيا حادا. خلال تقريره في اجتماع استثنائي لمجلس الأمن الروسي في 21 فبراير/شباط 2022، أوضح وزير الدفاع الروسي السابق سيرغي شويغو أن مثل هذه التصريحات من جانب كييف تُؤخذ على محمل الجد. وقال شويغو "أوكرانيا تمتلك المعدات والتكنولوجيا والمتخصصين الذين يملكون، في رأيي، قدرات تفوق بكثير قدرات إيران وكوريا الشمالية".

أي منظومة بديلة تحد التسلح النووي؟

يقول الخبير في نادي فالداي للحوار ديمتري ترينين "إن العالم متعدد الأقطاب هو عالم نووي متعدد الأقطاب. وتشمل الحروب الدائرة فيه حروبا بين قوى نووية. بعضها، كما هو الحال في أوكرانيا، حروب بالوكالة؛ وبعضها الآخر، كما هو الحال في جنوب آسيا، حروب مباشرة، وفي الشرق الأوسط، سعت قوة نووية، بالتعاون مع قوة نووية أخرى (أقوى منها بكثير)، إلى تدمير قدرة دولة ثالثة على تطوير أسلحة نووية".

إعلان

ويضيف في دراسة نشرها موقع "بيرسنتر" الروسي تحت عنوان "العقد الثالث من القرن الحادي والـ21 يُنذر بأن يكون مضطرباً للغاية" أن تصاعد التوترات بين القوى النووية في شرق آسيا وغرب المحيط الهادي يُقرب من مواجهتها المباشرة. بعد أن تجنبت بعض الدول الأوروبية كارثة نووية خلال الحرب الباردة، فقدت ضبط النفس والحذر اللذين كانا مرتبطين سابقا بامتلاك ترسانة نووية".

عمليا، الغرب والشرق يمتلكان أسلحة مدمرة متساوية تقريبا، وكل طرف مهدد بالهزيمة والدمار، ولا يمكن أن يكون هناك منتصر في الحرب النووية، كونها بإجماع كل القوى، ستؤدي إلى نهاية الحضارة البشرية. بدء الحرب النووية، حتى بالنسبة لأولئك الراغبين من المغامرين، ليست قرارا سهلا. ومن قلب هذه الحقيقة تبرز معادلة توازن الرعب.

في الخلاصة يمكن القول إنه بانتهاء ستارت الجديدة، يدخل العالم مرحلة نووية، متعددة الأقطاب، أكثر هشاشة، وأقل قابلية للتنبؤ. ومن دون اتفاق جديد، أو منظومة بديلة، سيصبح خطر استخدام السلاح النووي أكبر، وربما أقرب ممّا يتصوره العالم.

لن يصبح العالم النووي متعدد الأقطاب أكثر سلما واستقرارا إلا بتعزيز الردع المتبادل، وبالتالي تعزيز الاستقرار الإستراتيجي. إلا أن الاستقرار الإستراتيجي في هذا العالم يتطلب استبعاد أي حروب، ليس فقط النووية والتقليدية، بل أيضا الحروب بالوكالة، بين القوى النووية. وإلا، سيتضاعف خطر استخدام الأسلحة النووية والانزلاق إلى حرب نووية، قد تكون شاملة في نهاية المطاف.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا