شهدت منصات التواصل السورية جدلا واسعا بعد تداول تصريحات لقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي لوسائل إعلام كردية، قال فيها "نريد حكما كرديا محليا تحت أي مسمى كان، وحماية خصوصية مناطقنا وإدارتها بأنفسنا".
تصريحات عبدي عن "كيانية سياسية وعسكرية وإدارية" للأكراد في سوريا جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وبدا لكثيرين أنها تغرّد خارج سرب اتفاق الاندماج المعلن يوم 30 يناير/كانون الثاني الماضي، الذي نص على انضواء هذه القوات تحت راية وزارتي الدفاع والداخلية في الدولة السورية.
في حين رأى بعضهم في هذه التصريحات محاولة لـ"مغازلة" العقل الجمعي لمؤيدي قسد، وتؤكد الوقائع والمواقف الدولية من واشنطن إلى باريس أن دمج هذه القوات في إطار مؤسسات الدولة هو المسار الوحيد المقبول والمعترف به، بعيدا عن أي كيانات مستقلة أو صيغ رمادية للحكم.
وقال مغرّدون إنه على مدى السنوات الماضية، قدَّمت قيادة قسد لجمهورها سلسلة طويلة من الوعود السياسية والإدارية لا تملك اليوم القدرة على الوفاء بها. لذلك تبدو تصريحات عبدي أشبه بـ"إبر بنج" موجَّهة إلى القاعدة الشعبية، في ظل عجز واضح عن مصارحتها بحقيقة ما آلت إليه التفاهمات مع دمشق وحلفائها.
وأشار آخرون إلى أن قسد امتلكت فرصة زمنية واسعة لبناء نموذج إدارة محلية وحكم ذاتي مقنع، يثبت جدارتها أمام حلفائها وداعميها، لكنها -بحسب منتقديها- فشلت في تقديم نموذج دولة مؤسسات قادر على الصمود أو على إقناع القوى الدولية باستمراره خارج إطار الدولة المركزية.
وأضاف هؤلاء أن قسد اليوم لا تملك القوة السياسية ولا المجتمعية لمواجهة قاعدتها الكردية بحقيقة الاتفاقات والمسار النهائي الذي تتجه إليه. لذلك تعمل في الفواصل الزمنية بين مراحل تنفيذ الاتفاق على طمأنة هذه القاعدة عبر شعارات ومظاهر "مخدرة" تمهيدا للانتقال إلى المرحلة التالية.
ويقدّم منتقدوها ذلك بوصفه جزءا من "أسلوب متفاهَم عليه" مع الحكومة والجهات الراعية، يقوم على امتصاص الصدمة الشعبية تدريجيا لا أكثر.
ورأى مغرّدون وناشطون في هذا الطرح مؤشرا إلى أن الاتفاق مع دمشق ما زال مليئا بـ"الألغام" وقابلا للانفجار في أي لحظة.
وبحسب هذه القراءة، لا تنحصر الإشكالية في "المصطلحات والعناوين" كما يحاول عبدي أن يوحي، بل في سعي قسد إلى إعادة فتح النقاش بشأن جوهر الاتفاق ومحاولة فرض تصورات جديدة تتعارض مع ما تم التوصل إليه، تحت عنوان "خصوصية المناطق الكردية".
لكنَّ كثيرين يرون أن زمن المشروعات الرمادية قد انتهى. ففي المؤتمر الأخير بميونخ، تقدَّم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الوفد الرسمي للدولة، في حين حضر كل من مظلوم عبدي وإلهام أحمد تحت المظلة السورية لا خارجها.
هذه الصورة -في نظر مراقبين- ليست مجرد لقطة "بروتوكولية" عابرة، بل هي تعبير عن لحظة سياسية فاصلة، ترسم فيها ملامح المرحلة المقبلة "قسد" بوصفها قوة مندمجة في مؤسسات الدولة لا كيانا موازيا لها.
حسم قائد "قسد" مظلوم عبدي قراره بعدم تولي أي منصب رسمي في الحكومة السورية رغم عرض بعض المناصب عليه، وفق ما أكدته إلهام أحمد الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر من ميونخ.
وأوضحت إلهام أحمد -في حديثها مع برنامج "المسائية" على الجزيرة مباشر- أن عبدي أكد أنه لن يتولى مناصب في الحكومة، مشيرة إلى أنه حسم خياره بهذا الشأن، في وقت تتواصل فيه عملية دمج أجهزة "قسد" في مؤسسات الدولة السورية، وخصوصا في البنية العسكرية.
المصدر:
الجزيرة