بينما كانت شوارع مدينة ليون الفرنسية تستعد لهدوء المساء يوم الخميس الماضي، كانت عاصفة تتشكل في محيط فرع معهد العلوم السياسية بالمدينة، تغذيها أجواء سياسية مشحونة في سياق تأهب انتخابي، واستقطاب أيديولوجي حاد بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي في البلاد.
في ذلك المساء، وبينما كانت النائبة في البرلمان الأوروبي ريما حسن تلقي محاضرة ضمن مؤتمر نُظم في المعهد، وقع اشتباك في محيط المبنى، نُقل على إثره شاب يميني يدعى كانتان دورانك (23 عاما) إلى المستشفى في حالة غيبوبة. وقالت السلطات إنه تعرَّض للطعن، ثم أعلنت لاحقا وفاته متأثرا بجروحه.
لكن اللافت في هذا الحادث العنيف هو ما كشفت عنه البيانات والإدانات التي لا تزال تتوالى بشأنه، وسط توظيف سياسي كبير من الوسط واليمين الفرنسيَّين، وتوتر سياسي فاقمته وفاة الشاب.
بعد وفاته، قال ائتلاف "نيميسيس" (Némésis) المقرَّب من اليمين المتطرف إن الشاب كانتان توفي متأثرا بجروحه بعد تعرُّضه لاعتداء عنيف خلال تأمينه مظاهرة نظمها أنصار الائتلاف ضد المؤتمر الذي نظمته ريما حسن النائبة اليسارية التي تنتمي إلى حزب " فرنسا الأبية". واتهم الائتلاف أعضاء في جمعية محلية مناهضة للفاشية -حظرتها السلطات في يونيو/حزيران الماضي- بالوقوف وراء الهجوم.
في الأثناء، قال محامي عائلة الشاب القتيل إن موكله ورفاقه تعرَّضوا لكمين من "أفراد منظمين ومدربين، يفوقونهم عددا بكثير ومسلحين، وبعضهم ملثمون".
أثارت هذه المعلومات تساؤلات عديدة، بعضها عن دوافع "نيميسيس" لإرسال فريق مسؤول عن ضمان سلامة ناشطيه المشاركين في المظاهرة، كما أشعلت نقاشا واسعا بشأن تصاعد العنف السياسي وتأثير الجماعات المتطرفة في المشهد الفرنسي.
ووفقا لمحرر الشؤون الدولية في قناة "فرنسا 24″ أندريه مهاوش، فإن الاشتباك الذي أودى بحياة كانتان وقع بين مجموعة تُعرف بـ"الحرس الشاب" (Jeune Garde) -التي تُصنَّف أنها من اليسار الراديكالي- وأفراد "نيميسيس" اليمينيين الذين جاؤوا لتأمين التظاهرة، مشيرا إلى أن وجود المجموعتين يتخطى الطابع الجنائي ليصبح رمزا سياسيا في صراع أوسع.
كما أشارت "يورونيوز" إلى أن أصابع الاتهام وُجهت إلى أعضاء من حركة " أنتيفا" اليسارية بالوقوف وراء الحادثة، وهي حركة لامركزية ذات توجه يساري، تعارض الجماعات اليمينية المتطرفة والعنصرية والفاشية.
ويرى مهاوش أن الحادث هو أحد مظاهر تصاعد العنف في الخطاب السياسي وفي الميدان، وسط استقطاب أيديولوجي حاد بين اليمين واليسار، وتوتر بشأن قضايا الهوية وسياسات الهجرة قبل الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها البلاد العام المقبل 2027.
عقب إعلان وفاة الشاب السبت الماضي، سارع مسؤولون من هرم السلطة والأحزاب السياسية إلى التعليق على الحادث، وخرجت تلك المواقف متشحة برداء كثيف من الرسائل والتوظيف السياسي.
فقد حمَّل وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، أمس الأحد، ما سمّاه "اليسار الراديكالي" المسؤولية عن مقتل الشاب، وقال إن "هناك خطابات لا سيما من قِبل حزب فرنسا الأبية (الذي تنتمي إليه ريما حسن) واليسار المتطرف تؤدي للأسف إلى عنف لا هوادة فيه على شبكات التواصل الاجتماعي ثم في العالم الواقعي"، وفق تعبيره.
ويرى محللون أن هذه التصريحات تحمل في طياتها رسائل سياسية، إذ ينقل وزير العدل المسؤولية عن الجريمة من طابعها الفردي ليصورها "عقيدة سياسية" لتيار اليسار، لتثبيت خطاب مفاده أن هناك خطرا مصدره اليسار الراديكالي. كما يعيد دارمانان بتصريحاته تلك تعريف التهديد الأمني، مشيرا إلى أنه لم يعد يقتصر على اليمين المتطرف فحسب، ويسعى بذلك لتقويض صورة حزب "فرنسا الأبية" المنافس سياسيا.
وفي السياق ذاته، جاء تعليق وزير الداخلية لوران نونيز على الحادث، إذ قال في تصريح لوسائل إعلام فرنسية "من الواضح أن اليسار المتطرف هو من يقف وراء هذه العملية".
وفي السياق، حاولت زعيمة أقصى اليمين مارين لوبان استغلال القضية للقول إن الخطر الأساسي يأتي من اليسار المتشدد وليس من حزبها فقط، وفق مراقبين.
كما سارع الرئيس إيمانويل ماكرون للدعوة إلى الهدوء وضبط النفس، وقال إن كانتان كان "ضحية لموجة عنف غير مسبوقة"، مشددا على أنه "لا يوجد سبب ولا أيديولوجيا تبرر القتل"، وأنه "لا مكان للكراهية القاتلة في فرنسا".
ويرى مراقبون أن تصنيف ماكرون لاحقا حزب "فرنسا الأبية" بأنه حزب يساري راديكالي، واستخدامه تعبير " معاداة السامية" في سياق تصريحاته عن الحادثة، يهدف إلى ضرب شرعية الحزب الأخلاقية وعزله سياسيا قبل الانتخابات البلدية والرئاسية المقبلة.
ويضيف مهاوش أن ماكرون يحاول عبر هذه التصريحات سحب البساط من تحت اليمين المتطرف الذي يدَّعي مواجهة عنف اليسار، وهو موقف يُظهره مدافعا عن الجمهورية ويقيمها من "مركز سياسي وسط" في وجه تيارين راديكاليين.
حاول حزب "فرنسا الأبية" اليساري الدفاع عن نفسه في مواجهة الاتهامات، إذ أعرب زعيم الحزب جان لوك ميلانشون أمس الأحد عن صدمته جراء الحادث، مؤكدا تضامن حزبه مع عائلة الشاب القتيل، ومجددا تأكيد معارضته للعنف.
وقال ميلانشون إن "كل الروايات التي انتشرت في الساعات التي تلت الحادث لا علاقة لها بالواقع"، مضيفا "نحن من نتعرض للهجوم، اجتماعا تلو الآخر".
ومع تصاعد التوتر، شهدت مدن فرنسية عدة أمس الأحد احتجاجات على مقتل الشاب رغم دعوات التهدئة. وتزامنت الاحتجاجات مع احتقان سياسي قبل 14 شهرا من الانتخابات الرئاسية، إذ شهدت فرنسا زيادة غير مسبوقة في عدد المرشحين المحتملين لخلافة ماكرون، وسط غموض يلف مستقبل تيار الوسط بعد أفول حقبة ماكرون دون وجود خليفة حقيقي له.
وبينما يعيش اليسار انقساما، يواجه اليمين المتطرف اختبارا سياسيا قبل الانتخابات المقبلة، لا سيما بعد محاكمة زعيمته لوبان في قضية مالية تتعلق بإساءة استخدام أموال من الاتحاد الأوروبي وحسابات حزبية.
ووسط هذا الزخم السياسي والإعلامي، يبدو أن حادثة وفاة الشاب العشريني قد تجاوزت البعد الجنائي لتتحول إلى وقود سياسي للمتسابقين نحو قصر الأليزيه، في بلد يعيش استقطابا غير مسبوق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة