في الساعة 06:25 صباحا من أحد أيام مارس/آذار 2014، ضرب زلزال مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، وبعد 3 دقائق فقط نشر موقع "لوس أنجلوس تايمز" خبرا كاملا عن الزلزال. لم يكن كاتب الخبر صحفيا بشريا، بل خوارزمية تُدعى "كواك بوت" (Quakebot).
مثلت تلك اللحظة إعلانا صريحا عن نهاية أعمال من "الصحافة التقليدية" وبداية أعمال جديدة في عصر "الخوارزمية الإخبارية". وقبل أن يصل العمل الإعلامي إلى محطة جديدة تتمثل في الذكاء الاصطناعي التوليدي، مرت الصحافة بمراحل ومحطات تاريخية كبرى ساهمت في تطوير أعمال وإضعاف أخرى، أما اليوم فيمر الصحفيون والمؤسسات الإعلامية بتحديات غير مسبوقة تحتاج إلى قراءات متعددة العلوم والزوايا ومتسلحة بالإنصاف واستشراف مستقبل المهام والمسؤوليات الإعلامية.
إن ما تعيشه وسائل الإعلام اليوم ليس حدثا معزولا، بل له مسار تاريخي ليصل الآن إلى "الموجة السادسة" في تاريخ الاتصال الإنساني. بدأت الموجة الأولى مع صوت المنادي. ففي عصر الصيد والزراعة، احتاج قائد المجموعة أو الأسرة إلى إخبار باقي أفراد المجموعة وتنبيههم لتفادي خطر أو طلب مساعدة أو احتراس من خطر أو غيرها. الموجة الثانية بدأت مع ظهور مطبعة غوتنبيرغ (1450م) التي "أتمتت" النسخ اليدوي وحولت الخبر إلى سلعة جماهيرية.
وفي عام 1850، جاءت الموجة الاتصالية الثالثة بالتلغراف والبث (الراديو والتلفزيون) لتسقط حاجز الزمن وتفرض أسلوب "الهرم المقلوب" (الاختصار). ومع الموجة الرابعة (الإنترنت) التي ظهرت في السبعينيات من القرن الماضي، انتقلنا من بث "الواحد إلى الجميع" إلى "من الكل إلى الكل". أما الموجة الخامسة، فهي "صحافة البيانات" (الخوارزميات) التي ظهرت عام 2010 تقريبا، فاحتاجت إلى الصحفي الذي "ينسق" المعلومات.
الموجة السادسة الحالية يتربع على عرشها الذكاء الاصطناعي الذي ظهر كمصطلح وفكرة في العام 1950، لكنه اليوم تطور إلى ذكاء اصطناعي توليدي، إذ لم يعد السؤال: كيف ننشر المعلومة وننتجها؟ بل كيف نتأكد منها ونجعلها "إنسانية" في ظل ما يوفره الذكاء الاصطناعي من كم هائل من بيانات متضاربة ومتداخلة؟
في كل موجة من الموجات الست تلك، كانت "هوية" الصحفي تتغير من "مناد" في عصر الصيد والزارعة، إلى "ناسخ" و"أديب" في عصر الطباعة، إلى "ناقل سريع" في عصر البث، وصولا إلى "صحفي هجين" في عصرنا الرقمي الحالي.
هنا سنترك للقارئ مساحة ليقارن فيها تحولات العمل الإعلامي عامة وسمات الصحفي خاصة، لنرصد مظاهر هذه التحولات في الغرب تحديدا (باعتباره سباقا في تبني الوسائل الجديدة) في عصر "الصحافة الخوارزمية" أو "صحافة الذكاء الاصطناعي التوليدي"، ولدى العرب أيضا.
كان انخراط الصحافة الغربية في التقنيات الجديدة انخراطا سريعا ومتدرجا في آن واحد، لكن الذكاء الاصطناعي لم يدخل غرف الأخبار الغربية بوصفه بديلا لموهبة الصحفي، بل بوصفه حلا لمعضلة "البيانات الضخمة". ويمكن تلخيص تجاربها في 3 أعمال أساسية:
1- أتمتة المهام الروتينية: فقد اعتمدت مؤسسات مثل "أسوشيتد برس" (Associated Press) و"بلومبيرغ" (Bloomberg) "الصحافة المؤتمتة" لتحرير آلاف التقارير المالية والرياضية في ثوان، حيث أدركت أن كتابة تقارير أرباح الشركات أو نتائج مباريات كرة القدم هي مهام دنيا تستهلك وقت الصحفي دون إضافة قيمة إبداعية، لذا اعتمدت إستراتيجية "توليد اللغة الطبيعية" لإنتاج آلاف التقارير في ثوانٍ، مما سمح للصحفيين بالتفرغ للتحقيقات الاستقصائية خاصة.
2- صحافة البيانات والتنبؤ: استخدمت "رويترز" (Reuters) أداة "لينكس إنسايت" (Lynx Insight) ليس لكتابة الأخبار، بل لمساعدة الصحفيين على اكتشاف الأنماط غير المرئية في الأسواق المالية.
كما استعملت "لوس أنجلوس تايمز" نموذج "كواك بوت" -الذي صممه الصحفي والمبرمج كين شوينكي- لكتابة خبر الزلزال ونشره في غضون 3 دقائق فقط من وقوع الهزة، متفوقا على جميع الوكالات البشرية. وقد كان البرنامج متصلا بقاعدة بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية "يو إس جي إس" (USGS)! وبمجرد تسجيل أي هزة يملأ قالبا خبريا جاهزا بالبيانات الجديدة.
3- مبدأ "الإنسان في الحلقة" (Human in the loop): التزمت كبريات الصحف مثل "نيويورك تايمز" بمبدأ أخلاقي صارم: الآلة تجمع البيانات وتصوغ المسودة، لكن "المحرر البشري" هو من يمنح المصداقية وينشر ويحافظ على القيم وأخلاقيات المهنة. هذا التوازن حافظ على مصداقية المؤسسة الإعلامية من الانزلاقات التي قد تقع فيها الخوارزميات.
هذه التقنيات وغيرها أسهمت في تحول الصحفي إلى "محلل" أكثر منه "ناقلا" للمعلومة، كما تغيرت مهمته من "كتابة النصوص الروتينية" إلى "هندسة النظام" الذي ينتج تلك النصوص.
بدأت المؤسسات الإعلامية العربية في المنطقة باللحاق بالركب العالمي منذ عدة سنوات، وتعد شبكة الجزيرة الإعلامية رائدة في هذا المجال من الناحية التقنية والتحريرية، وتستخدم الشبكة أدوات تقنية عدة، منها تحويل النصوص المكتوبة إلى صوت، وتقنيات التعرف على الأخبار الزائفة وتحليل صحة الفيديوهات والصور المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة التحقق منها، وأبرمت مؤخرا اتفاقا مع شركة "غوغل" من أجل الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال التحرير أيضا. وقد أطلقت دولة قطر قبل ذلك مشروع "فنار" لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي عربي السياق واللغة.
كما أن هناك تجارب عديدة لمؤسسات إعلامية سعودية وإماراتية وكويتية ومصرية وغيرها، من أبرزها استخدام شبكة "أريج" الذكاء الاصطناعي في مجال التحرير، واستخدام أدوات التفريغ الصوتي الذكي لتحويل ساعات من المقابلات إلى نصوص، وبرمجيات لتحليل البيانات الضخمة في التحقيقات العابرة للحدود.
لكن يلاحظ أن الصحافة العربية تعاني "الجفاف المعلوماتي"، حيث تغيب البيانات المفتوحة التي استفاد منها الإعلام الغربي. وفي انتظار تلك البيانات يمكن أن يفتح استخدام الذكاء الاصطناعي أمام المؤسسات الإعلامية العربية الكبرى بابا "للتنقيب في التاريخ" وتحويل أرشيفاتها الورقية والإلكترونية إلى بيانات مهيكلة.
كما أن الإعلام العربي يواجه تحديات أخرى عديدة، لعل أبرزها اعتماد الصحفي العربي على نماذج لغوية كبيرة (LLMs) غربية قد تحمل "انحيازات ثقافية" لا تفهم الحساسيات الحضارية والاستعارات البلاغية للغة العربية، بل إن بلدانا عربية كالمغرب أنشأت مؤسسة لحماية السيادة الرقمية والدفاع عن "السردية العربية" في وجه التحيز والتضليل العابرين للقارات والحدود والمستخدمين أيضا.
ويحذر البعض من "استعمار رقمي جديد"، مشيرين إلى أن الشركات التكنولوجية الكبرى لا تريد الأخبار لذاتها، بل تريد "ردود فعل الجمهور" من أجل تطوير خوارزمياتها. وقد تكون المؤسسات الإعلامية التي تبحث عن جماهير المنصات الرقمية، مطية لتقديم "خدمة مجانية" لتدريب آلات رقمية ذكية ربما تقوم لاحقا بسحب البساط من تلك المؤسسات.
هنا تبرز أهمية القوانين التي تحمي الإعلام الغربي مثل "قانون الأخبار" في أستراليا وكندا، اللتين عملتا على إجبار الشركات الرقمية على دفع مقابل مادي للمحتوى الذي تحصل عليه من المؤسسات الصحافية. لكن الابتكار العربي يجب أن يتجاوز "المساومة المالية" إلى "حماية السيادة الرقمية" أو "المقايضة السيادية".
ويمكن التفكير في إنشاء "تكتل بيانات عربي" يفرض على شركات التقنية العالمية الدفع مقابل الحق في استخدام "العقل واللغة العربيين" لتدريب نماذجها، وابتكار "خوارزمية توصية عربية" تفهم تفضيلات القارئ العربي بعيدا عن "هيمنة" برمجيات ومنصات واشنطن وبكين، وفق تحذير سابق من الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي.
في ظل ما ذكرناه سابقا من تعدد الموجات والمحطات والتجارب الإعلامية الغربية والعربية، يلاحظ أن هناك "ثوابت وجودية" تحفظ للصحافة استمرارها وحياتها وروحها، وتتمثل تلك الثوابت في المصداقية، والأمانة الأخلاقية، ومخاطبة القارئ أو المستخدم بلغة ذات "روح" و"معنى" إنسانيين، فالآلة لا تملك "ضميرا إنسانيا" ولا يمكنها الجلوس في مقهى مع "مصدر سري" لبناء ثقة تؤدي للحصول على سبق صحفي أو كشف فساد أو غيرهما.
لكن الخصائص الجديدة للآلة الرقمية تفرض على الصحفي أن يقتحم كما فعل في محطات سابقة ميادين جديدة كأن يكون "محررا خوارزميا" و"مؤنسنا" للخبر والتقرير أو "محققا للبيانات"، وأن يجمع بين "عقل مفكر" (للحفاظ على قيم وثوابت الصحافة) و"أصابع مبرمج" (لإدارة الآلة). إن القيمة الحقيقية للصحافة حاليا لن تكون في "سرعة الإنتاج والنشر" والتي احتكرتها الآلة الذكية، بل في "منح الدقة والثقة"، وهي عملة لا يمكن توليدها آليا.
وفي انتظار اكتمال التحول في الصناعة الإعلامية الذي يقوده الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال حاليا يتمحور حول ما سيفعله الذكاء الاصطناعي بالعمل الصحفي: هل تسهم الآلة الذكية في تقليص معاناة الصحافيين أم تثقلهم بأصناف أخرى من المهام؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة