آخر الأخبار

بعد نعي "أوسلو".. هل يفرض "الأبارتايد" قانونه الوحيد على الضفة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد الضفة الغربية المحتلة ساحة لتصعيد أمني متدرج بل مختبرا لإعادة صياغة الصراع من أساسه، فما يجري اليوم لا يبدو مجرد توسع استيطاني بل هو انتقال محسوب من سياسة قضم الأرض إلى إستراتيجية أعمق تستهدف حسم الميزان الديموغرافي، بما يغلق عمليا ملف الدولة الفلسطينية ويؤسس لواقع فصل عنصري طويل الأمد.

هذا التحول كان محور النقاش في برنامج "ما وراء الخبر"، إذ قدَّم الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي قراءة ترى أن إسرائيل لم تعد تدير احتلالا، بل تنفّذ مشروع إعادة هندسة شاملا، يتمثل في تدمير متواصل للجغرافيا الفلسطينية يقابله ضغط مركّز على الوجود السكاني نفسه.

في هذا المنظور، لا يُفهم تهجير التجمعات الصغيرة أو تفريغ مخيمات الشمال أو تصاعد اعتداءات المستوطنين بوصفه ردودا ظرفية، بل حلقات في مسار يستهدف خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، تُراكِم الخسائر اليومية الصغيرة إلى أن تتحول إلى نزوح قسري صامت يعيد رسم الخريطة البشرية للضفة.

ويربط البرغوثي هذا المسار بتجربة 1948، ليس من باب الاستعارة التاريخية بل باعتبار أن الفكرة الجوهرية واحدة، وهي أن السيطرة على الأرض لا تكتمل إلا بإعادة تشكيل التركيبة السكانية، والفارق أن الأدوات تغيرت، فبدلا من الطرد المباشر، تُستخدم اليوم منظومة قانونية وأمنية واستيطانية متكاملة لإنتاج النتيجة ذاتها ببطء.

اشتراطات اليمين

هذا التحليل يتقاطع مع ما عرضه الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور رائد نعيرات، الذي رفض اختزال المشهد في الحسابات الانتخابية، فالمشروع -وفق قراءته- سابق على الحرب الأخيرة ومُعبَّر عنه صراحة في اشتراطات قادة اليمين الذين جعلوا منع قيام دولة فلسطينية جزءا من برنامج الحكم لا مجرد شعار انتخابي.

بهذا المعنى، تتحول الضفة إلى مسرح تطبيق لرؤية أيديولوجية ترى أن الصراع يُحسم بإلغاء إمكانية الكيان الفلسطيني لا بالتفاوض معه، ويكشف تكامل أدوار الحكومة والجيش والمستوطنين والتشريعات أن الأمر ليس انفلاتا بل توزيع أدوار داخل مشروع واحد عنوانه فرض السيادة دون شريك.

إعلان

ويعني الانتقال من الاستيطان إلى "حرب الديموغرافيا" أن الهدف لم يعد توسيع الكتل الاستيطانية فحسب بل تفتيت الكتلة الفلسطينية نفسها، فحين تُعزل القرى وتُقطع الطرق وتُخنق المخيمات و"تُشرعَن" البؤر، يصبح الحديث عن دولة قابلة للحياة أقرب إلى افتراض نظري منه إلى أفق سياسي واقعي.

وهنا تبرز دلالة نعي "أوسلو"، فالاتفاق الذي قام على فرضية انتقال تدريجي نحو الدولة يتآكل اليوم تحت وطأة سياسات تُحوِّل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة، وتُبقي السلطة الفلسطينية إطارا إداريا محدود الصلاحيات في ظل سيادة إسرائيلية فعلية على الأرض والموارد والمعابر.

سياق دولي

وفي هذا السياق، وضع أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بباريس الدكتور زياد ماجد هذا التحول في سياق الموقف الدولي، وقال إن المشكلة ليست في غياب الأدوات القانونية بل في غياب الإرادة السياسية لاستخدامها، فأوروبا رغم وزنها الاقتصادي لم تنتقل إلى مستوى العقوبات الجماعية، واكتفت بإجراءات رمزية محدودة.

ويمنح هذا التردد المشروع الإسرائيلي وقتا إضافيا، فالضم كما يُمارَس اليوم ليس إعلانا رسميا بقدر ما هو تراكم خطوات تجعل الإعلان لاحقا تحصيل حاصل، فحين تُفرض القوانين الإسرائيلية وتُوسَّع الصلاحيات المدنية للإدارة الاستيطانية وتُقيَّد الحركة الفلسطينية، يصبح الضم واقعا قبل أن يُكتب على الورق.

في المقابل، أشار ماجد إلى اتساع الفجوة بين مواقف الحكومات ومزاج الشعوب خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تحولات الرأي العام لا سيما بين الأجيال الشابة قد لا تُحدِث انقلابا فوريا في السياسات لكنها تُراكِم ضغطا أخلاقيا وسياسيا يربك سردية "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".

لكنَّ الرهان الإسرائيلي، كما يرى ضيوف الحلقة، يقوم على استباق أي تحولات دولية بحسم الوقائع على الأرض، فكل تجمُّع يُفرَّغ وبؤرة "تُشرعَن" تقلّص المساحة المتاحة لأي تسوية مستقبلية، وتجعل خيار الدولة الواحدة بنظام حقوق غير متساوية أكثر ترجيحا.

هنا يطفو مصطلح " الأبارتايد" من جديد وصفا لبنية حكم تفرض سيادة واحدة على مجموعتين سكانيتين بنظامي حقوق مختلفين، ومع استحالة منح الفلسطينيين حقوقا متساوية دون تغيير الطابع الصهيوني للدولة، واستحالة تهجيرهم جماعيا، يبدو خيار الفصل الدائم هو المخرج الذي يُطبَخ على نار هادئة، حسب المحللين.

لكنَّ هذه المعادلة ليست محسومة بالكامل، فكما أشار البرغوثي، فإن الصمود الفلسطيني يظل عاملا معطِّلا للمخطط، وبقاء الفلسطينيين داخل أرضهم رغم الضغوط يُبقي الكتلة الديموغرافية حاضرة، ويجعل أي نظام تمييزي مكلفا سياسيا وأخلاقيا على المدى الطويل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا