في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- لا يشعر الغزيون بانتهاء الحرب تماما، إذ لا تتوقف أصوات الانفجارات، نتيجة غارات جوية وبرية وبحرية، تستهدف أشخاصا في عمليات تصفية واغتيال ممنهجة، وتدمير ما تبقى من منازل ومبان. ولا يقتصر القصف على مناطق انتشار جيش الاحتلال، بل يشمل مواقع خارج ما يسمى " الخط الأصفر".
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي على مدار 115 يوما أكثر من 1520 خرقا، أسفرت عن 556 شهيدا و1500 جريح، بحسب رصد المكتب الإعلامي الحكومي.
ويشبه هذا الواقع ما يمارسه جيش الاحتلال في لبنان من عمليات قصف واستهداف للبشر والمنشآت، لا تزال مستمرة منذ التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فهل تدشن إسرائيل سياسة شبيهة في غزة يمكن تسميتها بـ"لبننة غزة"؟
ويجزم مدير المؤسسة الوطنية للإعلام إبراهيم المدهون، أن الاحتلال يسعى لتدشين سياسة تشبه إلى حد ما النموذج اللبناني، لكن بصورة أشد قسوة ووحشية، حيث لا تكتفي إسرائيل باستهداف ما تعتبره تهديدات أمنية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، نحو إدارة حالة ضغط شاملة ومستمرة على المجتمع الفلسطيني بأكمله.
وقال المدهون للجزيرة نت "الاستهدافات الإسرائيلية في غزة لا تقتصر على البنية العسكرية أو المقاومة، بل تطال مُقوِّمات الحياة ذاتها: البشر، والمنازل، والبنية التحتية، والاقتصاد، وأي محاولة لإعادة الحياة إلى طبيعتها".
وبالمقارنة بين نموذجي لبنان وغزة، أوضح المدهون أن "النموذج اللبناني تركز فيه إسرائيل على استهدافات محددة ومركزة، وغالبا ما توجه ضد حزب الله. ويبقى لبنان بلدا مفتوحا على العالم، لا يخضع ل حصار خانق، ولا تُدمّر فيه الحياة اليومية بصورة شاملة".
أما في غزة -أضاف المدهون- "فالاستهداف عام، بلا خطوط حمر، ويشمل الأطفال والنساء والمدنيين قبل غيرهم، وهو ما يُفسّر ارتفاع عدد الشهداء من الفئات المدنية مقارنة بأعداد المقاومين".
واستنادا لهذه القراءة، ذهب المدهون إلى أن إسرائيل لا تطبق "لبننة غزة" بالمعنى التقني فقط، بل تمارس نموذجا أكثر تطرفا وتوحشا، عبر سياسة تهدف إلى القضاء على فرص الحياة في القطاع، وليس مجرد تحييد المقاومة.
وقال "الهدف النهائي لا يبدو أمنيا فحسب، بل ديمغرافيا وسياسيا، عبر دفع السكان نحو اليأس، ثم التهجير، تحت ضغط النار والحصار وانعدام الأفق".
وتقوم السياسة الإسرائيلية في هذه المرحلة -بحسب المدهون- على الاستهداف الدائم والمستمر، مع إهمال اتفاق وقف إطلاق النار وتجاوزه عمليا، سعيا إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنحها هامشا واسعا للحركة العدوانية.
كما تعتمد إدارة الحصار بطريقة مرنة ومضللة، توحي بتغير في الواقع دون إحداث أي تحسن حقيقي، إلى جانب تفكيك المجتمع المدني، ونشر الفوضى، وضرب البنية الأمنية، بما يؤدي لإضعاف النسيج المجتمعي وضرب تماسكه الداخلي، حسب المدهون.
وقال إن الاحتلال يهدف:
بدوره، يعتقد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم، أن خطورة المشهد الراهن تترك تداعيات مباشرة على الغزيين، الذين يواجهون كارثة إنسانية مفتوحة، يتداخل فيها التجويع، والانهيار الصحي، والدمار الشامل، مع تهديدات التهجير القسري وإعادة رسم الخريطة السكانية بالقوة.
وقال إبراهيم للجزيرة نت "استمرار الاحتلال في ارتكاب الجرائم، واستخدام التجويع والضغط الإنساني كسلاح، يهدف في جوهره لكسر المجتمع الفلسطيني، ودفعه إلى خيارات قسرية، في مقدمها التهجير أو الاستسلام لوقائع مفروضة".
أما الكاتب والمحلل السياسي الدكتور تحسين الأسطل، فيركز على خطورة "المليشيات المسلحة المرتبطة بالاحتلال"، التي تعيد التذكير بمليشيات لبنانية شبيهة إبان الاحتلال الإسرائيلي ل جنوب لبنان قبل انسحابه عام 2000، وتهدف إلى زعزعة بنية المجتمع وإشاعة حالة من عدم اليقين والاستقرار.
واتفق الأسطل، في حديثه للجزيرة نت مع سابقيه المدهون وإبراهيم، بأن للاحتلال أهدافا كثيرة من وراء "لبننة غزة"، منها التهجير، وأخطرها ضرب بنية المشروع الوطني الفلسطيني كليا، والقضاء على فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وعن سؤال هل لا تزال هناك أوراق قوة لدى الطرف الفلسطيني؟ يجيب المدهون بأن "المقاومة تقف اليوم أمام خيارات شديدة الصعوبة، فإذا ردت بأي من أشكال العمل العسكري أو الأمني، فقد يستجلب ذلك ردّا إجراميا واسعا من الاحتلال، وقد يعيد المنطقة إلى حرب إبادة جديدة".
ويعتقد المدهون أن "المقاومة تبدو معنية في هذه المرحلة بالمضي في مسار بالغ الحساسية، يقوم على إدارة رد الفعل لا الاندفاع إليه، ومحاولة تجنيب الغزيين أي عودة لحرب الإبادة، مع الحرص في الوقت ذاته على إنجاح الاتفاق وعدم السماح للاحتلال بتفريغه من مضمونه".
وفي سبيل ذلك، قال المدهون إن المقاومة تعتمد على تحركات سياسية ودبلوماسية فاعلة، خصوصا مع الوسطاء، والعمل الجاد على توحيد الموقف الفلسطيني والخروج برؤية وطنية موحدة، إضافة للحفاظ على تماسك المجتمع، ومنع تفككه، ومراكمة حالة الصمود والقوة في مواجهة الضغوط الإسرائيلية المتصاعدة.
من ناحيته، رأى الكاتب مصطفى إبراهيم أن إسرائيل تسعى لتكريس نموذج "غزة بلا سيادة وبلا إعادة إعمار"، عبر استمرار الاستهداف الانتقائي وإبقاء القطاع في حالة توتر دائم، دون حرب شاملة أو تهدئة مستقرة، مع تحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل.
ولإفشال المخطط الإسرائيلي، أكد إبراهيم ضرورة تعزيز الغطاء السياسي لـ"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" عبر إجماع وطني يحميها من الابتزاز الإسرائيلي والاشتباك الداخلي، وفضح إسرائيل دوليا بوصفها الطرف المعرقل لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار.
ولتجنُّب الوقوع في "فخ نتنياهو" الذي يهمه إبقاء هذا الواقع -على الأقل- حتى موعد الاستحقاق الانتخابي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، مع محاولات مستمرة لجر غزة إلى جولات تصعيد محسوبة تخدم أجندته الأمنية والانتخابية، فإن حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) مطالَبة بالتوازن بين متطلبات الصمود وحماية المجتمع، وبين تفويت الفرصة على الاحتلال لاستخدام أي ذريعة لمراكمة الدم والدمار، وفقا لإبراهيم.
غير أن المحلل الأسطل رأى أنه ولتفويت فرصة تحويل غزة إلى ساحة حرب مفتوحة لتجارب القوة الإسرائيلية، فإن حماس مطالَبة بسرعة مغادرة المشهد العام كليا، والتوقف عن الممارسات اليومية التي توحي بعودتها لإدارة مفاصل الحكم في غزة، وتستغلها إسرائيل في تعزيز سياسة "لبننة غزة" ومواصلة جرائم القتل والتدمير.
وأشار الأسطل في هذا الصدد إلى ما ينشره الإعلام الإسرائيلي من ادعاءات عن محاولات حماس إعادة إحياء منظومتها المدنية والعسكرية، واستغلال مشاهد انتشار الشرطة في الشوارع واستحداث مقار، وبعض القرارات المتعلقة بإدارة الشأن الحكومي في غزة، لتبرير عمليات الاستهداف والاغتيال والتدمير، مثلما حدث من تدمير لمقر شرطة حي الشيخ رضوان في مدينة غزة قبل نحو أسبوع، وتدمير منزلين في حي الزيتون ووسط مدينة خان يونس خلال اليومين الماضيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة