آخر الأخبار

التفاوض مع واشنطن اختبار للمشهد الإيراني الداخلي

شارك

طهران- إثر إصدار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس الاثنين، أمرا ببدء المباحثات مع الولايات المتحدة، تتصاعد وتيرة الجدل داخل المشهد السياسي الإيراني بين تيارين أحدهما يرفع شعار "المقاومة وعدم الرضوخ" والآخر يدفع باتجاه ضرورة اغتنام الفرصة الدبلوماسية لحلّ الملفات الشائكة بين الجانبين.

وفي أعقاب الإشارات المتبادلة بين طهران وواشنطن مؤخرا لاستئناف المفاوضات المجمدة منذ حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي، عاد الانقسام للأوساط السياسية في طهران، إذ وجّه النائب المتشدد أمير حسين ثابتي انتقادات لاذعة للمؤيدين للمنطق التفاوضي مع واشنطن، مستنكرا العودة إلى طاولة الحوار، وتساءل عن "المنطق" الذي يحكم صنع القرار في سياسة بلاده الخارجية.

ومن تحت قبة البرلمان، استهدف ثابتي -يوم أمس- الجهاز الدبلوماسي في إيران، قائلا "أي فائدة جنيتُم من المفاوضات السابقة في مسقط حتى تعودوا اليوم وتتعلقوا بمفاوضات تركيا؟"، وأضاف مخاطبا الدبلوماسيين "ألم تكونوا في تلك المفاوضات نفسها حينما قصفوا البلاد؟ لماذا يُعاد تكرار نفس الخطأ الإستراتيجي؟".

وواصل النائب الإيراني هجومه بالتساؤل عن طبيعة التنازلات المزمع تقديمها مقابل ضمان عدم الحرب، محذرا من أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع الضعف يمثل "إستراتيجية خاطئة يجب تصحيحها" تلبية لإرادة الشعب الإيراني الذي "ينتظر عملا استباقيا ضد الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة، لا أن نتفاوض من موقف الضعف".

"لا للتراجع"

ومن داخل المعسكر المحافظ ذاته، لا يرفض عبد الرضا داوري، الناشط السياسي مستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، مبدأ التفاوض مع واشنطن بل "يعارض أي حوار معها من موقع الضعف أو أن يقترن بالتنازل عن الثوابت والمبادئ"، ويصر على عدم تجاوز الخطوط الحمراء وعلى رأسها "الملف الصاروخي والقدرات الدفاعية الأخرى لكونها لا تشكل موضوعا قابلا للمساومة".

إعلان

وفي حديثه للجزيرة نت، يجدد داوري تأكيده أنه فيما سوی القدرات الردعية يمكن التوصل إلى حلول منطقية بشأن الملفات الأخرى المطروحة للنقاش مع الولايات المتحدة، مشبّها سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في السياسة الخارجية وأسلوبه بلاعب "بوكر"؛ محترف يعتمد بشكل أساسي على التهديد واستعراض القوة حتى عندما لا يمتلك النية الحقيقية لتنفيذها، وذلك من أجل اختبار رد الخصم واستكشاف نقاط ضعفه.

ويلفت داوري إلى أن براعة ترمب تكمن بالفعل في "مرونته التكتيكية وقدرته على التراجع بسلاسة عندما يواجه مقاومة حقيقية ومكلفة مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورة القوة والتفاوض من موقع المسيطر"، مضيفا أن التجارب التاريخية تظهر أن من اختار الصمود في وجه ترمب غالبا ما نجح في دفع الأخير إلى إعادة حساباته.

ويُحذر المتحدث نفسه فريق بلاده التفاوضي من أن "الاستسلام" لتهديدات ترمب يحمل عواقب إستراتيجية خطيرة، وأن المسار الوحيد الفعال في التعامل معه هو "المواجهة والمقاومة الذكية والمستمرة لأن طريقته تقوم على تصعيد التهديد ثم التراجع التكتيكي إذا لزم الأمر، وليس على الإصرار حتى النهاية"، على حد قوله.

مصدر الصورة إيرانيون بجوار طائرة مقاتلة من طراز "إف-٤" في المتحف الوطني للثورة الإسلامية بطهران (غيتي)

فرصة دبلوماسية

في المقابل، يدفع طيف آخر من الإيرانيين باتجاه ضرورة اغتنام الفرصة الدبلوماسية لحلّ الملفات العالقة بين الجانبين وتفادي مخاطر حرب شاملة يُعتقد أنها قد تكون مدمرة في ظلّ الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد، في وقت تزداد فيه العقوبات الدولية والضغوط الغربية على الجمهورية الإسلامية.

وفي هذا الاتجاه، يشير الباحث السياسي وأستاذ الجغرافيا السياسية، عطا تقوي أصل، إلى التحشيد العسكري الغربي في المنطقة الذي يقابل بتأهب عسكري إيراني. ويرى في التفاوض خيارا مجديا لمنع المنطقة من الانزلاق نحو حرب واسعة النطاق، قد تتحمّل إيران وطأتها الكبرى "في ظلّ تفوّق عسكري تقني أمريكي واضح".

وفي حديث للجزيرة نت، يعتقد تقوي أصل أن بلاده قادرة على رفع العقوبات وإنقاذ الاقتصاد المتهالك عبر طاولة المفاوضات؛ حيث إن أي تفاهم مع واشنطن، ولو كان جزئيا، قد يفتح نافذة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، مشددا على ضرورة تفكيك "التحالف الغربي" ضد إيران عبر استغلال الفجوات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

ويشير إلى "المعاناة اليومية للشعب الإيراني بسبب التضخم الجامح وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتردي قيمة العملة الوطنية"، ويعزو السبب إلى العقوبات الأمريكية، معتبرا أن المفاوضات النشطة والمرنة والمباشرة هي السبيل الوحيد لفتح الأبواب المغلقة واستعادة عافية الاقتصاد، مع الحفاظ على المكاسب الجوهرية للقدرات والتقنيات الوطنية.

سيناريوهات محتملة

وفي ضوء الاستقطاب الداخلي، يعتقد تقوى أصل أن مستقبل الجولة الجديدة من المفاوضات مع إدارة ترمب سيكون معلقا على أحد الخيارين التالية:


* السيناريو الأول يتمثل في فشل المفاوضات والمواجهة العسكرية، مستشرفا صداما محدودا لكنه شرس تقدم خلاله الولايات المتحدة على سلسلة من الاغتيالات والهجمات العسكرية بهدف إيصال المعارضة الإيرانية في الداخل -وليس الخارج- إلى سدة الحكم للمحافظة على هيكل الدولة ومؤسساتها بما يضمن عدم تكرار التجربة الليبية والعراقية.
* وفي السيناريو الثاني والأكثر ترجيحا، يتوقع المتحدث نفسه، مفاوضات شاقة ومتعثرة تفضي في نهاية المطاف إلى اتفاقات مرحلية تبدأ ب الملف النووي على أن تتبعها اتفاقات أخرى على ملفات منفصلة، مستدركا أن هذا المسار سيواجه عقبات جمة دون أدنى شك.

من جانبه، يشاطر الناشط السياسي المحافظ عبد الرضا داوري، هذا الخيار وإمكانية تتويج المفاوضات المقبلة باتفاق يرضي الجانبين، انطلاقا من حاجة ترمب الملحة إلى إنجاز دبلوماسي على الصعيد الدولي بعد عجزه عن إيقاف الحرب على أوكرانيا وتشويه مبادرته في غزة بسبب استمرار آلة القتل الإسرائيلية في عدوانها على الفلسطينيين.

إعلان

ويتوقع تراجع واشنطن عن مناقشة الملف الصاروخي مقابل استعداد طهران لمناقشة الملفات الثلاثة الأخرى، مؤكدا أنه لا مانع من الاتفاق على نقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى "طرف محايد" والحد من نسبة التخصيب المتواصل، وحتى تغيير السياسة الخارجية حيال "كيان الاحتلال الإسرائيلي" بما يتناغم وسياسات الدول الإسلامية والعربية اتجاهه.

وفي السيناريو الثالث –وفق داوري- سيصدم ترمب بالمواقف الإيرانية المتصلبة حيال ملفات تراها خطوطا حمراء، وسينخرط حينها في الخيار العسكري لكنه لن يمضي به بعيدا وسرعان ما يتجاوب مع الوساطات الدولية والإقليمية للحد من الخسائر.

وختاما، تمثل المفاوضات المرتقبة اختبارا حقيقيا ليس فقط للعلاقة بين واشنطن وطهران، بل لتوازن القوى داخل المشهد السياسي الإيراني المعقد؛ إذ يرى مراقبون بطهران أن قدرة الفريق التفاوضي على صياغة موقف يرضي التيارين، ستكون العامل الحاسم في إبعاد شبح الحرب من البلاد، مع بقاء احتمال نشوب جولة جديدة من المواجهة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا