إلى أين يذهب آلاف الأطفال الذين يقضون يومهم في الشوارع بعيدًا عن أسرهم في الخرطوم؟ هؤلاء الذين يسمون الشماسة، أطفال شوارع منتشرون في المدن، يكابدون صعوبات الحياة اليومية بعيدًا عن البيت والأمان. ويُطلق لقب "الشماسة” على المتشردين أو المتسكعين في الشوارع، ويعود أصله إلى كلمة "شمس”، لأن هؤلاء يقضون أيامهم تحت الشمس في الشوارع.
نزح ملايين الناس من ديارهم إلى أماكن أخرى داخل السودان أو عبر الحدود إلى خارج البلاد، وتسبب النزوح فيما تعتبر أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم. ومع استمرار القتال تتفاقم معاناة الأطفال، خاصة الأكثر ضعفًا.
في ظل هذا الواقع القاسي، يعيش الأطفال الذين يقضون يومهم في الشوارع ، معاناة مستمرة في الحصول على الخدمات الأساسية وحقوقهم. كثيرون منهم باتوا بعيدين عن أسرهم نتيجة النزاعات المسلحة والنزوح والفقر. ووفقًا لليونيسف، يعيش 82 بالمئة من الأطفال دون 18 عامًا في بيئة أسرية ، بينما يعيش 3,5 بالمئة بدون والديهم، ويشمل ذلك أطفال الشوارع، والأطفال العاملين في أنشطة خطرة مثل تعدين الذهب، أو المقيمين في مؤسسات الرعاية.
يُنظَر إلى أطفال الشوارع على أنهم عنصر مرفوض اجتماعيًا، ويُوصَمون باتهامات تتعلق بالسلوك المعادي للمجتمعصورة من: Mahmoud Hjaj/AA/picture allianceويقول ادم موسي أوباما، المدير التنفيذي لمنظمة مناصرة ضحايا دارفور لـDW عربية: "إنه بالنسبة لأطفال الشوارع في الخرطوم، أدّت الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى تفاقم أوضاعهم بشكل خطير. إذ اختفى بعضهم في ظروف غامضة، بينما جرى تجنيد آخرين من قبل أطراف النزاع، الأمر الذي ستكون له آثار عميقة وطويلة الأمد على حياتهم ومستقبلهم".
وأضاف بأنه "لا توجد الآن أي منظمات خيرية وجمعيات إنسانية محلية تحاول تقديم الدعم لهؤلاء الأطفال، عبر توفير الطعام والمأوى والخدمات الأساسية، والتحديات الأمنية واللوجستية الكبيرة التي فرضتها الحرب".
وغالبًا ما يُنظَر إلى أطفال الشوارع على أنهم عنصر مرفوض اجتماعيًا، ويُوصَمون باتهامات تتعلق بالسلوك المعادي للمجتمع، ما يدفع كثيرين إلى التعامل معهم بريبة وخوف، بل وتمني اختفائهم بدل السعي إلى فهم ظروفهم أو حمايتهم.
وأكّد موسي أن المعلومات المتعلقة بالأطفال المشردين كانت صادمة للغاية، حيث تقوم مجموعات مسلحة مختلفة بتجنيد الأطفال "دون أي التزام بقانون حماية الطفل أو القوانين الدولية ذات الصلة" وناشد المنظمات الدولية التدخل العاجل والعمل على ترتيب أوضاع الأطفال المتأثرين بالحرب، وتوفير الحماية والرعاية اللازمة لهم.
تقول ثريا كومبي، مديرة جمعية بيت المحبة ، لـDW عربية "إن حرب أبريل 2023 أثّرت على جميع فئات المجتمع، إلا أن تأثيرها على أطفال الشوارع كان بالغًا وقاسيًا على نحو خاص. فقد شكّلت مظاهر العنف التي تعرّضوا لها صدمة نفسية كبيرة لهم، حيث اضطر معظمهم إلى التحاف السماء وافترشوا المجاري والطرقات ملجأً مؤقتًا، في ظل غياب أي شكل من أشكال الحماية أو الأمان".
نزح الملايين من ديارهم داخل السودان وعبر الحدود، فيما تعتبر أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالمصورة من: Thuraya Kombi/House of Love Associationأغلب أطفال الشوارع في الخرطوم ذكور وفوق 12 عامًا، وثلثاهم يفتقدون أحد الوالدين أو كليهما، ويعيش 36 بالمئة منهم بلا مأوى. يتعرض هؤلاء الأطفال للإساءة وتعاطي المخدرات بسبب الفقر وغياب الدعم الأسري.
وتوضح كومبي أن قسوة المصاعب اليومية التي يواجهها هؤلاء الأطفال ازدادت بشكل كبير، إذ بات من شبه المستحيل توفير وجبة غذائية واحدة في اليوم لهم، خاصة أنهم "يعتمدون في الأساس على بقايا الطعام والشراب من الأسواق والمحلات التجارية، وهي مصادر انقطعت تمامًا بعد إغلاق تلك الأسواق بسبب الحرب. كما وجد الأطفال أنفسهم تائهين وسط المعارك والاشتباكات، لا يعرفون إلى أين يتجهون، فاضطروا للتعايش مع واقع جديد فُرض عليهم قسرًا"
وتضيف أن غالبية الأطفال والشباب "تعرضوا للقنص من قبل قوات الدعم السريع، فيما تم تجنيد آخرين قسرًا في صفوف أطراف النزاع"، مشيرةً إلى أن مصير كثيرين منهم لا يزال مجهولًا حتى الآن.
أظهرت الدراسة أن معظم أطفال الشوارع يتعرضون لإساءات مختلفة، حيث بلغت الإساءة الجسدية 93,2 بالمئة، والإساءة اللفظية والمعنوية 43,5 بالمئة، والإساءة الجنسية حوالي 35,5 بالمئة. وكان الأطفال الذكور هم الأكثر الأعلى تعرضًا للإساءة (81,6 بالمئة) والأطفال فوق 12 عامًا (70 بالمئة)، بينما كان الأطفال الذين يعودون إلى منازلهم بانتظام الأقل تعرضًا للإساءة.
وتتابع كومبي أن المركز يضم حاليًا نحو 20 طفلًا مقيمين في مركز المحبة ، بعد أن فقدوا معظم ممتلكاتهم ويعانون من نقص حاد في الدعم. وتشمل احتياجاتهم اليومية الغذاء والأثاث والملابس، إضافة إلى رسوم الدراسة. وتوضح أن معظم الأطفال الملتحقين بالمركز يدرسون في المدارس، ومن بينهم ثلاثة يستعدون لامتحانات الشهادة السودانية ، إلا أن رسوم الامتحانات ما زالت تشكل عائقًا كبيرًا أمام تحقيق حلمهم في إكمال التعليم.
وتشير ثريا كومبي، مديرة جمعية بيت المحبة، إلى أن هذا العدد لا يمثل سوى ربع الأطفال الموجودين في الشوارع، مؤكدةً أن عدد الضحايا والقتلى أكبر بكثير مما هو موثق حاليًا، كما أن من بين الأطفال فتيات يحتجن إلى تمويل ودعم أكبر لتوفير الرعاية والحماية اللازمة لهن في ظل هذه الظروف القاسية.
ونشرت منظمة ووتش للأطفال و النزاع المسلح أن معظم الجماعات المسلحة بالسودان، وعلى وجه الخصوص الجنجويد، والعدالة والمساواة والحركة الوحدوية بجنوب السودان وجيش تحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان تقوم بتجنيد واستخدام الاطفال.
ووفقًا لليونيسف، يعاني طفل واحد من كل ستة أطفال في السودان من سوء التغذية الحاد، ويحتاج نحو 820 ألف طفل دون سن الخامسة إلى رعاية صحية عاجلة تشمل التطعيم والخدمات الأساسية المنقذة للحياة، في ظل تدهور البنية التحتية ونقص الكوادر، إذ أن 36 بالمئة من مرافق الرعاية الصحية الأولية في البلاد خارج الخدمة.
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW