كوبنهاغن- في قلب العاصمة الدانماركية كوبنهاغن، حيث تتسلل خيوط الشمس الواهنة إلى شوارع هادئة تغطيها ثلوج لم تذب منذ أسابيع، كانت هناك قاعة تفيض بألم مختلف، حيث يوجد أكثر من 1000 إنسان جاؤوا من 20 دولة أوروبية، ليسمعوا ما لا يُقال في الإعلام الغربي، وليشهدوا على ما تتجاهله كثير من الحكومات: "غزة تُباد، والعالم يصمت".
وهنا لم تكن الأرقام مجرد إحصاءات باردة كما في الخارج، لأن هنا أمّا فقدت طفلتها "هند" ذات الأعوام الخمسة، وصحفيا فقد أغلب أسرته وأحفاده، وناشطا فقد 31 فردًا من عائلته، وطبيبا نرويجيا عاد من جحيم المستشفيات المدمرة، وناجية فقدت 400 إنسانا من أهلها.
وكل هذه القصص رواها أبطالها أمام وزراء سابقين وبرلمانيين وممثلي أكثر من 120 منظمة غير حكومية، في مؤتمر نظمته الشبكة الأوروبية الفلسطينية أمس الأول السبت تحت عنوان "المتضامنون.. معًا من أجل الإنسانية".
وفي شهادات امتزج فيها الألم بالصمود، والغضب بالأمل، ردّد المتحدثون رسالة واحدة: الإبادة لم تتوقف، حتى بعد ما يُسمى " وقف إطلاق النار" الذي لا يزال يحصد فلسطينيَّين كل ساعة. لكن الشعب الفلسطيني لم ينكسر، والحياة لم تتوقف، والحقيقة لا تزال تُروى رغم استشهاد 275 صحفيًا.
"هند لم تمت فجأة، هند انتظرت، انتظرت النجدة، قالت: تعالوا خذوني. هذه الكلمة الأخيرة لطفلة كانت تعرف أنها قد لا تنجو". بهذه الكلمات المفجعة، تستحضر وسام حمادة والدة الطفلة هند رجب (التي استشهدت بعمر 5 سنوات بقصف إسرائيلي على السيارة التي كانت فيها مع أفراد من أسرتها) لحظات الانتظار الأخيرة لطفلتها.
تروي الأم المكلومة كيف قالت "هند" كلمة مزّقت قلبها إلى أشلاء: "أمي، إنهم يكذبون عليّ. ابقي معي". وتضيف "تعلّمت في تلك اللحظة كيف يكون الخذلان. أُرسلت سيارة إسعاف لإنقاذها، لكنها لم تصل أبدًا. لقد قُصفت. وهذا يعني شيئًا واحدًا: إنقاذ حياة واحدة لم يكن مسموحًا به".
وبصوت يختنق بالألم، تتساءل: "ما قيمة الإنسان عندما يكون فلسطينيًا؟ لو كان ذلك قد حدث في أي مكان آخر في العالم، لاهتز العالم كله. لكنها كانت في غزة، ولهذا سُمِح للوقت أن يمر، وللجريمة أن تُنسى".
قصة "هند ليست استثناء، بل نموذج لمأساة جماعية، إذ يروي في جلسة أخرى الناشط الدانماركي من أصل فلسطيني محمد شحادة كيف فقد 31 فردًا من عائلته. ويقول بصوت يحمل ألمًا عميقًا: "أمي كانت أفضل أم، لكنها الآن مجرد رقم في إحصائية، وهذا هو الواقع المرير لكل فلسطيني في غزة".
ويروي رئيس المبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي أرقاما لم تعد موجودة ولن يسأل عنها أصحابها، فهناك أكثر من 2500 عائلة مُحيت بالكامل من السجلات المدنية، مما يعني أنه لم يبق أحد على قيد الحياة منها، وأن أكثر من 5600 عائلة اختفت ولم يبقَ من كل منها إلا شخص واحد. ويتساءل: "عليكم أن تفهموا كيف يشعر كل فرد من هؤلاء الذين بقوا أحياء".
ويؤكد الطبيب النرويجي مادس غيلبرت (الذي عمل في غزة سنوات عدة) أن الإبادة الجماعية لم تتوقف: "منذ أن نهضنا هذا الصباح، وحتى الآن قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي 31 فلسطينيًا، بينهم كثير من الأطفال. أتسمّون ذلك وقفًا لإطلاق النار؟". ويشير إلى أن أكثر من 500 فلسطيني قُتلوا منذ ما يُسمى بوقف إطلاق النار، أي بمعدل فلسطينيَّين في الساعة.
وتروي وجدان أبو شمالة (الناجية التي فقدت أكثر من 400 فرد من عائلتها) كيف تحوّلت حياتها إلى سلسلة من الفقدان: "كل يوم أستيقظ على خبر فقدان شخص آخر من عائلتي. لم يعد الألم يُحتمل، لكن الحياة تستمر، والمقاومة تستمر".
يواصل الصحفيون عملهم في نقل الحقيقة رغم الثمن الباهظ المدفوع بالدم المسفوك بين ركام المنازل المدمرة أو الاستهداف المباشر من قبل قوات جيش الاحتلال.
ويروي الصحفي الفلسطيني الزميل وائل الدحدوح كيف تحوّلت مهنة الصحافة في غزة إلى مهمة انتحارية: "الصحفيون في غزة يدفعون ثمنًا مضاعفًا لما يدفعه المدني العادي، حيث يتم استهدافهم بشكل خاص"، مبينا "اعتقدنا أن السترات والخوذات المميزة للصحافة ستحمينا، لكنها بدلا من ذلك جعلتنا أهدافًا".
ويكشف الدحدوح عن أن أكثر من 275 صحفيًا قُتلوا في غزة منذ بدء العدوان، إضافة إلى مئات الجرحى ومئات من أفراد عائلاتهم. ويضيف "دُمرت مكاتبنا، وكذلك منازلنا، وانتهى بنا الأمر بالعيش في خيام، نعاني من نقص الطعام والماء، ونشعر بالخوف الشديد على مصير عائلاتنا وأحبائنا، ولكن في الوقت نفسه نتحمل رسالة ثقيلة جدًا، حيث نحن رسل الحقيقة".
وفي زاوية أخرى من العالم، يتحدث شحادة عن تجربته مع الإعلام الغربي الذي حاول تنميطه كضحية صامتة: "الإعلام الغربي كان يستدعيني فقط لانتقاد (حركة المقاومة الإسلامية) حماس أو لتصويري وأنا أبكي كضحية عاجزة. لكنني لست ضحية عاجزة، أنا إنسان فلسطيني لديه صوت ولديه تحليل سياسي".
ومن النرويج، يؤكد غيلبرت أن العاملين في الرعاية الصحية دفعوا ثمنًا باهظًا أيضًا، حيث قُتل أكثر من 1700 طبيب وممرّض ومسعف، لكن نظام الرعاية الصحية الفلسطيني لم ينهر.
ويقول "العاملون الفلسطينيون في الرعاية الصحية ظلّوا يعملون طوال الوقت، يجدون الحلول، ويعيدون البناء، ويعاودون الافتتاح. فبعد ساعات من توقف القصف، تُعاد فتح المستشفيات، ويجرون جراحات قلب مفتوح في غزة لأن العاملين الفلسطينيين في الرعاية الصحية يرون الطب جزءًا من المقاومة".
ويضيف غيلبرت "الصمت والحياد وغياب التحرك من الحكومات الأوروبية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، يجعلها شريكة في الإبادة الجماعية"، مستشهدًا بقول رئيس الأساقفة الجنوب أفريقي والمناهض للفصل العنصري ديزموند توتو: "إذا كنت محايدًا في وضع فيه إساءة استخدام للسلطة، فأنت في صف المسيء، أي في صف الظالم".
ولا تقف مأساة الإنسان في غزة عند الأحياء، بل تمتد خيوطها لتنال من الموتى، حيث تروي سيدة من مخيم جنين قصتها للبرغوثي قائلة: "ابني الذي كان يبلغ 15 عامًا أُصيب وقُتل، ثم أخذ الجيش الإسرائيلي جثمانه واحتجزه منذ 5 سنوات، كل ما أريده هو قبر أبكي عنده".
وتعكس أرقام الجثامين الفلسطينية التي يحتجزها الاحتلال بعدا آخر يزيد من قتامة المأساة، ويكشف البرغوثي عن أن إسرائيل تحتجز أكثر من 700 جثمان فلسطيني، بما في ذلك بعض الجثامين المحتجزة منذ 50 عامًا، موضحًا أن اللوائح الإسرائيلية تنص على أنه عندما يموت أسير فلسطيني في السجن، سيتم الاحتفاظ بجثمانه حتى ينهي مدة محكوميته، وإذا كان محكومًا بالسجن المؤبد، فسيحتفظون بجثمانه إلى الأبد.
وتتحدث وجدان أبو شمالة (التي أصدرت كتابا بعنوان "لا يستطيعون قتل النجوم" وتوثق فيه قصص 17 شخصًا من غزة بين قتلى ومصابين ومفقودين) عن قصص الأسرى الذين يعودون محطمين جسديًا ونفسيًا، لكنهم يحملون إصرارًا على المقاومة: "في كل مرة أرى فيها أسيرًا محررًا، أرى في عينيه ألمًا لا يُوصف، لكنني أرى أيضًا إصرارًا على أن الحرية قادمة".
ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أن الهدف الحقيقي للاحتلال هو التطهير العرقي: "إنهم يريدون تفريغ فلسطين من شعبها، لكن الشعب الفلسطيني يرفض الرحيل، ويقاوم، وسينتصر في النهاية".
ويختم غيلبرت بدعوة واضحة: "نحن بحاجة إلى عقوبات، نحتاج إلى محاسبة، نحتاج إلى قطع العلاقات، نحتاج إلى وقف تصدير الأسلحة، نحتاج إلى الاعتراف بدولة فلسطين الآن".
يُذكر أن هذا هو المؤتمر الثاني الذي تنظمه الشبكة الأوروبية الفلسطينية، بعد النسخة الأولى التي عُقدت عام 2025، والشبكة الأوروبية الفلسطينية هي منظمة تضامنية تجمع منظمات ونشطاء أوروبيين يعملون من أجل دعم القضية الفلسطينية وفضح الجرائم الإسرائيلية، وتسعى إلى بناء حركة تضامن شعبية قوية ومنظمة في مواجهة صمت الحكومات الرسمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة