آخر الأخبار

عيدروس الزبيدي.. رجل البندقية في زمن الدولة الغائبة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في كل مرة حاول فيها عيدروس الزبيدي تقديم نفسه بوصفه "زعيم الجنوب"، كان يفترض ضمنيًا أن الجنوب اليمني كيان واحد متجانس، وأن مشروعه يُجسّد تطلعاته السياسية والاجتماعية. غير أن هذا الافتراض هو بذاته جوهر الأزمة؛ فالزبيدي لم يأتِ على رأس إجماع جنوبي، ولم يطرح مشروعا توحيديا جامعا، بقدر ما أعاد إنتاج انقساماته القديمة، وفعل ذاكرة الصراع بلغة جديدة. وهكذا، بدا مشروعه منذ البداية مشروع سيطرة لا مشروع مصالحة، من خلال سلطة أمر واقع لا عبر أفق دولة.

من هذه الزاوية، لا تبدو تجربة الزبيدي إسهاما فاعلا في إعادة تشكيل المشهد السياسي، بقدر ما تبدو استجابة براغماتية لنزاعات قائمة، واستفادة مباشرة من مأزق الدولة اليمنية. فوجوده تشكّل بالأساس داخل فراغ الدولة، واتّسع نفوذه مع تآكل مؤسساتها، قبل أن تتكشّف حدود هذا الدور عندما حاول الانتقال من السيطرة الفعلية على الأرض إلى موقع سياسي ذي صفة سيادية وتمثيلية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا انهارت قسد بهذه السرعة؟
* list 2 of 2 ماذا قال المهندس القسامي بعد 23 عاما في السجن؟ end of list

فالحرب في اليمن لم تعد وسيلة لفرض مشروع سياسي أو انتزاع سلطة مركزية، بقدر ما تحوّلت إلى إطار تُدار داخله المصالح نفسها، حيث نشأ اقتصاد حرب متشعّب، لا يقوم فقط على السلاح والتهريب، بل على المساعدات الإنسانية، والتحويلات المالية، والجبايات المحلية، والتحكّم في المعابر والموانئ. ومع الوقت، تشكّلت حول هذا الاقتصاد شبكات نفوذ عابرة للجبهات، تتغذّى من استمرار الصراع أكثر مما تتضرّر منه، ما جعل أي حديث عن "نهاية الحرب" تهديدا مباشرا لمصالح قوى واسعة.

ضمن هذه البنية، تآكل مفهوم الدولة تدريجيا، فتحوّلت في مناطق واسعة إلى مرجعية رمزية بلا حضور فعلي، وانتقلت السلطة إلى قوى قادرة على فرض الوقائع على الأرض. وعليه، لم يعد صعود كيانات مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا بروز شخصيات مثل الزبيدي، صعودا نابعا من استحقاق أو مشروع، بل مسارا طبيعيا أفرزه انهيار الدولة.

إعلان

من هنا تأتي أهمية التساؤل: كيف تشكّل الزبيدي داخل هذا السياق، وبأي أدوات صعد، وما الذي حمله معه من تاريخه الشخصي والجغرافي والسياسي إلى قلب هذا الفراغ؟ ففهم مساره لا يُعبِّر فقط عن قصة صعود فرد، قدر ما يعد مرآة تكشف ما الذي يمكن للفراغ أن ينتجه.

مصدر الصورة مقاتلون موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يقفون في مؤخرة شاحنة صغيرة تحمل صورة عيدروس الزبيدي خلال اشتباكات للسيطرة على زنجبار عاصمة محافظة أبين عام 2020 (الفرنسية)

التكوين في زمن الانقسامات

وُلد عيدروس الزبيدي عام 1967 في محافظة الضالع، جنوب اليمن، في لحظة مفصلية تزامنت مع انسحاب بريطانيا من عدن وبداية تشكّل الدولة الجنوبية، أي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي سعت إلى بناء نموذج دولة مركزية ذات مؤسسات حديثة وهوية سياسية واضحة.

وكان شمال اليمن، في المقابل، يعيش مسارا مختلفا. فقد خرج لتوّه من نظام الإمامة بعد ثورة 1962، ودخل في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، تداخلت فيها السلطة القبلية مع النفوذ العسكري والاستقطاب الإقليمي، من دون أن تتبلور دولة مركزية بالمعنى المؤسسي.

هذه الفجوة البنيوية بين شطري اليمن انعكست لاحقًا على مسار الدولة، إذ دخل الطرفان تجربة الوحدة من موقعين غير متكافئين؛ جنوب يمتلك ذاكرة دولة ومؤسسات مركزية، وشمال تحكمه توازنات قبلية وعسكرية أكثر من كونه دولة مؤسسية مكتملة، لكنه كان أكثر استقرارا.

على أن الجنوب نفسه دخل حدثه المؤسس الأكثر عنفًا في تاريخه السياسي قبل أن يبلغ الزبيدي عامه العشرين. ففي الوقت الذي كان يستعد فيه الزبيدي للانتقال من الضالع إلى عدن للالتحاق بكلية الطيران والدفاع الجوي، اندلعت أحداث يناير/كانون ثاني 1986، المعروفة بـ "الاثنين الدامي"، والتي بدأت في شكل خلاف أيديولوجي داخل الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى صراع مناطقي/قبلي بعد انفجار الوضع في قاعة المكتب السياسي في عدن، حين أقدم حرس الرئيس " علي ناصر محمد" على تصفية خصومه داخل القاعة، وفي مقدمتهم علي عنتر، وصالح مصلح، وعلي شايع هادي.

وحسبما يذكر الدبلوماسي والكاتب البريطاني "نويل بريهوني" في كتابه "اليمن المُنقسم"، نقلت هذه اللحظة الدموية الصراع من الغرف إلى الشوارع، حيث تحوّل الانقسام السياسي إلى فرز مناطقي حاد؛ بعد اصطفاف الضالع ويافع وردفان مع جناح علي عنتر، إلى جانب عبد الفتاح إسماعيل وعلي سالم البيض، بينما وقفت أبين وشبوة مع الرئيس علي ناصر محمد.

وخلال نحو 10 أيام، شهدت عدن حرب شوارع عنيفة عُرفت بـ"حرب الهوية"، كان الانتماء المناطقي فيها كافيًا لتحديد المصير. وانتهت المواجهة بهزيمة جناح علي ناصر محمد وانتصار جناح الضالع ويافع، الذي رسّخ نفوذه في عدن حتى قيام الوحدة عام 1990.

من رحم تلك اللحظة وُلد قاموس سياسي لا يزال يحكم العقل الباطن للجنوبيين، حيث أُطلق وصف "الطُغمة" على المنتصرين، أي جناح الضالع ويافع الذي سيطر على عدن وحكم الجنوب ما بين 1986-1990. وهنا تحديدا يتموضع الزبيدي الذي تنظر إليه قطاعات واسعة بوصفه امتدادا جيليا لهذا الجناح. في المقابل، أُطلق وصف "الزمرة" على جناح علي ناصر محمد المهزوم (أبين وشبوة)، الذين نزحوا بالآلاف إلى الشمال بعد أحداث 1986. ويُعدّ عبد ربه منصور هادي وأحمد الميسري من الامتدادات السياسية لهذا المعسكر.

إعلان

تكشف هذ المرحلة ما بين أحداث 1986 وإعلان الوحدة في عام 1990 طبيعة المناخ الذي تشكّلت فيه الخبرات الأولى للزبيدي. فبعد تخرّجه عام 1988، عمل ضابطا برتبة ملازم ثانٍ في سلاح الجو لمدة عام، قبل أن ينتقل -عقب إعلان الوحدة- إلى وزارة الداخلية في صنعاء، حيث تولّى مهام حماية منشآت وسفارات.

غير أن هذا المسار المهني تزامن مع واقع جنوبي مثقل بنزاعات مكبوتة، فيما لم تترجم الوحدة -كما عاشها قطاع واسع من الجنوبيين- بوصفها عقدا سياسيا متكافئا، بل تحوّلت إلى انتقال سريع من دولة قائمة إلى موقع هامشي داخل سلطة مركزية، يرى طيف من النخب الجنوبية أنه أُعيد بناؤها بمنطق الغلبة لا الشراكة، خاصة بعد اندلاع حرب 1994.

مصدر الصورة جنود من جنوب اليمن على طريق يؤدي إلى عدن خلال حرب 1994 (الفرنسية)

الجنوبي خصم نفسه

وتؤكد الباحثة البريطانية المتخصصة في الشأن اليمني "فيكتوريا كلارك"، في كتابها "اليمن: الرقص على رؤوس الأفاعي"، أن الشرخ الجنوبي لم يتوقف عند حدود 1986، بل ظل ثأرًا مؤجلًا عاد في حرب 1994، بين الجنوب والشمال. فوفقا لما تذكره كلارك، استخدم علي عبد الله صالح فصيل "الزمرة" للتواصل مع رفاقهم السابقين في الوحدات العسكرية الجنوبية قبل مواجهات 1994، بغرض إضعاف المقاومة الجنوبية من خلال إقناعهم بالانحياز إلى صنعاء بدلا من عدن.

كما تشير "كلارك" إلى أن صالح قام بتسليح ألوية من "الزمرة" الذي نزحوا إلى الشمال، بقيادة عبد ربه منصور هادي، ودفعهم ليكونوا رأس الحربة في اجتياح عدن، وقد كان لهذه الوحدات دورا أساسيا في ترسيخ التفوق الشمالي في محافظتي أبين وشبوة، ما يعني أن معركة 1994 حسمت في عدن ببندقية جنوبية.

هذا الإرث سيظل يطارد الزبيدي بوصفه عاملا فاعلا يقيّد خياراته السياسية، ويعيد تشكيل طريقة استقبال مشروعه في الجنوب. فحين صعد المجلس الانتقالي الجنوبي، بدا لكثيرين أن مركز ثقله، لاسيما في الدائرة العسكرية والأمنية الضيقة المحيطة بالزبيدي، يغلب عليه أبناء الضالع ويافع.

وعندما سيطر الانتقالي على عدن وطرد الحكومة الشرعية في أغسطس/آب 2019، في ظل رئاسة هادي (ابن محافظة أبين)، استدعى العقل الجمعي في أبين وشبوة ذكريات 1986، واعتبر كثيرون ما جرى إقصاءً جديدًا، فيما قوبلت محاولات المجلس الانتقالي توسيع نفوذه خارج عدن بالمقاومة من جانب "شبوة".

ووفقا لما يشير إليه كلّ من رايمن الحمداني وهيلين لاكنر، في تحليلهما الصادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن المواجهات في محافظات مثل شبوة لا يمكن قراءتها بوصفها دفاعًا صريحًا عن الوحدة، بقدر ما تعكس رفضًا محليًا لاحتكار النفوذ من قبل فاعل جنوبي واحد، في سياق انقسامات داخلية عميقة لم تُحسم منذ عقود.

على هذا الأساس، لا يمكن اختزال التحدي الذي يواجه أي مشروع جنوبي، بما في ذلك مشروع الزبيدي، في كيفية إدارة الصراع مع الحوثي أو ترتيب العلاقات الإقليمية فحسب، بل في القدرة على الصمود داخليًا عند أول اختبار جدّي. فسيناريو التعثر أو الانهيار لا يلزم أن يأتي من قوة الخصوم وحدهم، إذ ربما يبدأ من الداخل، حين يختار الجنوبي الآخر -في أبين وشبوة- الوقوف على الحياد، أو فتح الحسابات القديمة، بلسان حال يقول: "تلك حرب ضالع وليست حرب الجنوب".

ورغم أولوية هذا التحدي، لم يعمل الانتقالي على تجاوزه، وبدلًا من معالجة الجرح الجنوبي عبر مصالحة مجتمعية جذرية تُغلق ملف الدم وتفكك قاموس الطغمة/الزمرة، اكتفى بتحالفات تكتيكية قصيرة المدى.

الاستقواء بالبندقية

يكشف هذا الاعتماد على التحالفات التكتيكية، مقابل الابتعاد عن المصالحة بوصفها فعلًا سياسيًا، جانبا جوهريا من بنية الزبيدي الذهنية. فهو عسكري؛ يرى الصراع في جوهره مسألة قوة لا تسوية، ويمنح الأولوية لترتيبات النفوذ على حساب إعادة بناء الإجماع.

إعلان

هذه المقاربة ليست طارئة في مساره، بل تؤكّدها تجربته المبكرة بعد هزيمة الجنوب عام 1994 ومغادرته إلى جيبوتي. ففي عام 1996، عاد الزبيدي إلى اليمن وأسّس حركة "حتم" (تقرير المصير)، بوصفها تنظيما عسكريا سريا، انطلق من قناعة راسخة بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة. ولم يكن هذا التأسيس فعل احتجاج سياسي؛ إذ لم تكن "حتم" مجرد بيان أو خطاب رمزي، بل إعلانًا مبكرًا لعقيدة قتالية ظلّ الزبيدي متمسّكًا بها لاحقًا، بما يجعل البندقية لديه ضرورة أساسية لا خيارًا طارئًا تفرضه الأحداث.

فبينما كان ساسة الجنوب يحاولون إعادة التموضع عبر القنوات السياسية، كانت "حتم" تنفذ بالفعل عمليات مسلحة في الضالع بين عامي 1996و1998، شملت كمائن ضد دوريات الجيش. وفي عام 1998، صدر بحق الزبيدي حكم إعدام غيابي من محكمة عسكرية بتهمة قيادة عمليات عسكرية واغتيالات، مما يوضح أن النظام في صنعاء تعامل معه منذ وقت مبكر بوصفه تهديدًا أمنيًا حقيقيًا، لا مجرد معارض سياسي.

كما أن تراجع نشاط "حتم" مطلع الألفية، لم يكن تخليًا عن خيار السلاح أو نتيجة مراجعات ذاتية، قدر ما كان توقفًا تكتيكيًا. فقد تزامن ذلك مع عفو رئاسي أصدره علي عبدالله صالح في محاولة لاحتواء الاحتقان الجنوبي، غير أن الزبيدي ظلّ محتفظًا ببنيته التنظيمية وخياره القتالي، منتظرًا اللحظة الأنسب.

وعندما انطلق الحراك الجنوبي عام 2007، رافعًا شعار السلمية، ظل الزبيدي خارج هذا التيار. ولم يكن غيابه صدفة، بل تعبيرًا عن قطيعة فكرية وسياسية مع أدوات العمل المدني. فقد رأى في الاعتصامات والمهرجانات مسارًا عبثيًا أمام نظام لا يفهم إلا لغة القوة، وبقي صوته نشازًا داخل جوقة السلمية؛ لا يجيد الخطابة، ولا يؤمن بالضغط الجماهيري، ولا يمتلك أدوات السياسي المدني، لأنه ببساطة لم يُعرّف نفسه يومًا على هذا النحو.

بلغ هذا التباين ذروته عام 2011. ففي الوقت الذي كانت فيه الساحات اليمنية تمتلئ بشعارات السلمية، أعلنت "حتم" عودتها العلنية إلى العمل المسلح في يونيو/حزيران من العام نفسه. وتبنّت الحركة حينها استهداف آليات للجيش في مدينة الضالع، ما أسفر عن إصابة ضابط وجندي، في رسالة واضحة، مفادها أن الزبيدي يؤمن فقط بالرصاص وخياره لم يتغير.

وقبل اندلاع حرب 2015 بعام كامل، خطا الزبيدي خطوة إضافية. ففي يناير/كانون الثاني 2014، أعلن تأسيس "المقاومة الجنوبية" عبر بيان بثته قناة "عدن لايف"، واضعًا هدفًا صريحًا يتمثّل في استعادة الجنوب.

بهذا الشكل، جاء تحرّك الزبيدي استباقيًا؛ إذ لم يكن استجابة لطارئ إقليمي بقدر ما كان سعيًا لتهيئة الأرضية التنظيمية والعسكرية مسبقًا، وهو ما جعله أحد أكثر الفاعلين جاهزية عندما تحوّل المشهد من احتجاجات متفرقة إلى مواجهة مفتوحة.

وقد برز بوصفه قائدًا ميدانيًا لما عُرف بـ"المقاومة الجنوبية"، في سياق انهارت فيه الدولة بالكامل، وتقدّمت فيه القوة المسلحة بوصفها الأداة الوحيدة القادرة على فرض النظام. إذًا لم يكن هذا الصعود نتاج توافق سياسي أو تفويض شعبي واسع، بل نتيجة فراغ أمني عميق، وخلفية عسكرية جاهزة، ودعم إقليمي مباشر. وقد مثّلت الضالع، التي ينتمي إليها الزبيدي، نموذجًا مبكرًا لهذا التحوّل، حين تشكّلت فيها قوة مسلحة قادرة على طرد الحوثيين قبل غيرها من المحافظات.

من هنا، لا يبدو عام 2015 لحظة تحوّل في مسار الزبيدي، بل لحظة انكشاف لمسار كان قائمًا بالفعل. إذ لم يتحوّل الرجل إلى عسكري مع اندلاع الحرب، بل إن الحرب هي التي انتقلت إلى منطقه. فالزبيدي لم يمارس العمل المدني يومًا، ولم يختبر السياسة بوصفها ساحة تفاوض، بل بوصفها امتدادًا للصراع. فالبندقية حملت الأولوية دائما بالنسبة إليه.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز مفارقة لافتة تتعلق بلحظة "تحرير عدن" في يوليو/تموز 2015؛ إذ لم يتصدر الزبيدي واجهة هذا الحدث المفصلي، ولم يلعب الدور المحوري في عملية "السهم الذهبي" التي أفضت إلى طرد الحوثيين من العاصمة المؤقتة.

فبينما كان ثقله العسكري والقيادي مترسخًا في جبهات الضالع، كانت معركة عدن تدار بقيادات ميدانية أخرى وتشكيلات مقاومة محلية مختلفة. وهذا يعني أن صعوده اللاحق لتولي زمام الأمور في عدن لم يكن استحقاقًا مباشرًا ناتجًا عن قيادته لمعركة تحريرها، بقدر ما كان استدعاءً خارجيًا لنموذج القوة المنظمة الذي شكله في الضالع، ليتم إسقاطه على عدن التي كانت تعاني حينها من فوضى الفصائل وغياب القيادة المركزية.

مصدر الصورة الزبيدي (وسط) في ميناء عدن بعد أن سيطرت عليه بالكامل قوات موالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عام 2016 (الفرنسية)

الهابط من الجبل إلى عدن

لا يبدو هذا الخيار العيدروسي وليد خلفيته العسكرية فحسب، فالرجل القادم بالأساس من جبال الضالع الوعرة، بثقافتها القتالية الريفية وعلاقاتها العصبوية، وجد نفسه يحكم عدن، المدينة التجارية المدنية المنفتحة، التي لم تكن يومًا معسكرا ولا خندقا.

إعلان

وبدا واضحا أن تعيينه محافظًا للمدينة، خلفا للواء جعفر محمد سعد الذي اغتيل في 2015، كان بحثًا عن حلّ أمني أكثر من كونه خيارًا سياسيًا، في واحدة من أكثر لحظات عدن هشاشة. وهو الأمر الذي يُفسّر أيضًا سوء إدارته للمدينة؛ فانهيار الخدمات وتعطّل الإدارة لم يكن نتاج حرب فقط، بل نتيجة مباشرة لعدم تطابق بين عقلية "رجل الجبل" ومتطلبات "رجل الدولة".

ومع أن الرجل قاد في مارس/آذار 2016، عمليات عسكرية واسعة بدعم من التحالف العربي، وهي عمليات نجحت في تطهير عدن من "الجماعات الإرهابية" وتثبيت الأمن. غير أنه اعتمد في تثبيت نفوذه على بنية عسكرية أمنية ضيّقة، ارتكزت إلى عصبية مناطقية واضحة، أعادت إنتاج مثلث الضالع يافع بوصفه مركز ثقله السياسي والأمني، في استدعاء غير معلن لشروخ ما قبل الوحدة، ولا سيما أحداث 1986.

وبينما قدّم نفسه خارجيًا ممثلًا حصريًا للجنوب، كانت حضرموت تُبدي تململًا صامتًا من هيمنته، وأبين تتعامل مع سلطته بوصفها خصمًا مؤجلًا، فيما كانت عدن تختنق تحت حكم أمني كثيف فرض إيقاع المعسكر على المدينة.

هذا التباعد بين السلطة والمجتمع يفسّر، إلى حد بعيد، ما بدا لافتًا في لحظة الهروب عام 2026؛ وسط غياب ردّ الفعل الشعبي الواسع دفاعًا عنه. فلم تخرج عدن ولا حضرموت ولا أبين، بوصفها مدنًا أو مجتمعات لحماية مشروعه، لأن الزبيدي ظلّ، في نظر قطاعات واسعة، غريبًا عن النسيج المدني للمدن التي حكمها.

لقد سقط، في المحصلة، لا لأنه خسر معركة عسكرية حاسمة، بل لأنه حاول اختزال جغرافيا الجنوب الشاسعة في "قرية" محاربة، وحكم مدينة "كوزموبوليتانية" بعقلية الخندق.

حين أصبحت الشرعية فخا

جاءت المحطة التالية في مسيرة الزبيدي عام 2017، وربما هي اللحظة التي دشّنت المسار المؤدي إلى هروبه في مطلع 2026. فإقالته من منصبه محافظا لعدن لم تُعبِّر عن خلاف إداري مع الرئيس عبدربه منصور هادي، بقدر ما مثّلت قطيعة مكتملة مع منطق الدولة، وتأسيسًا لسلطة أمر واقع تتشكّل خارجها. بدأ هذا التحول مع أزمة مطار عدن في فبراير/شباط 2017، عندما رفضت القوة المكلّفة بحمايته، والمقرّبة من الزبيدي، تنفيذ توجيهات رئاسية بتسليمه لقوات الحكومة.

ثم جاء "إعلان عدن" في 4 مايو/أيار من العام نفسه، في محاولة لمنح هذا النفوذ غطاءً سياسيًا، حين حشد الزبيدي أنصاره في مهرجان جماهيري انتهى بتفويضه تشكيل قيادة لإدارة الجنوب، بذريعة فشل الحكومة في القيام بوظائفها. وبعد أيام، توّج هذا المسار بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه كيانًا سياسيًا منظمًا يدّعي تمثيل الجنوب، ويستند إلى قوة عسكرية وأمنية قائمة بالفعل.

عند هذه النقطة، انتقل الزبيدي نهائيًا من العمل داخل بنية الشرعية إلى بناء مشروع سياسي موازٍ، لا يقوم على التوافق والشراكة، بل على السيطرة وفرض الوقائع.

لكن هذا المشروع، الذي ترسّخ عسكريًا بين عامي 2018 و2019، حمل في داخله بذور عزلته. فالمواجهات التي بلغت ذروتها في أغسطس/آب 2019، وانتهت بطرد الحكومة من عدن بدعم جوي إماراتي، حسمت المعركة ميدانيًا، لكنها أعادت فتح الجرح الجنوبي القديم. ففي نظر قطاعات واسعة في أبين وشبوة، لم تكن تلك الأحداث تحريرًا، بل جولة جديدة من صراع 1986، حيث ظهر الانتقالي بوصفه امتدادًا لجناح مناطقي بعينه، مما أحيا في الخلفية قاموس "الطغمة والزمرة"، ولو بصيغ جديدة.

في الوقت نفسه، دخل الزبيدي ما يمكن تسميته بفخ "الشرعنة"، من خلال اتفاق الرياض، ثم عضويته في مجلس القيادة الرئاسي عام 2022. فبهذه الخطوات حصل الزبيدي على الاعتراف السياسي، لكنه في المقابل خسر صوته الثوري، فهو لم يعد في موقف من يُطالِب بل من يُسأل، فيما أن تاريخ الرجل يبرهن على أن قوته كانت دومًا في الميدان برفقة البندقية، ولم يُظهر براعة مماثلة في متاهات السياسة.

ومع هذا التحوّل، شكّل انهيار الخدمات وتحديات الأمن عبئًا على صورته، ما سبب تآكل رصيده تدريجيا. ومنذ عام 2023، كان نفوذه ينحسر جغرافيا على نحو ملموس؛ إذا رفضت حضرموت تمثيلها من خلال الانتقالي وشكّلت مجلسها الوطني بدعم سعودي، وظهرت قوات " درع الوطن" بوصفها قوة جنوبية موازية لا تخضع له، ما أنهى احتكاره للسلاح. وفي أبين وشبوة، ترسخ الانطباع بأن الانتقالي سلطة مناطقية أكثر من كونه مشروعًا وطنيًا جامعًا.

ومع تراجع النفوذ، عاد الزبيدي إلى خياره المفضل المتمثل في البندقية. ففي تصعيد ميداني واسع أواخر العام الماضي، دفع الانتقالي بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو وادي حضرموت، وتمكّن خلال وقت وجيز من فرض سيطرته هناك، قبل أن يتمدد باتجاه محافظة المهرة.

غير أن هذا التمدد لم ينجح في ترميم موقع الزبيدي بقدر ما عجّل بكشف حدود نفوذه الحقيقية، كما فتح عليه جبهة ضغوط غير متوقعة؛ إذ قرئ إقليميا بوصفه خرقًا لتوازنات حساسة ومساسًا مباشرًا بمناطق لا يُسمح بإعادة تشكيلها بقوة السلاح.

حينئذٍ تفكك الغطاء من فوقه، ليتبدّى أن الزبيدي لم يكن دائمًا محرّك الخيوط، بل جزءًا من عرض أكبر؛ لعب خلاله دور دمية الماريونيت المربوطة بخيوط تُدار من خارج المسرح، وقد أُخرجت في اللحظة المناسبة بقرار ممن يمسك بها، قبل أن تحترق تماما ويفسد دخانها الخشبة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا