شهدت مدينة حلب ، مطلع كانون الثاني/يناير الحالي، تطورات ميدانية متسارعة تمثلت في اندلاع مواجهات بين القوات الحكومية السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ذوي الغالبية الكردية، ما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين. وانتهت الاشتباكات بتوصل الطرفين إلى اتفاق ينص على انسحاب مقاتلي "قسد" من الحيين، ونقلهم إلى مناطق شرق الفرات، وعودة تدريجية للسكان والخدمات بعد تمشيط المنطقة من الألغام والمفخخات. ومع تثبيت خطوط السيطرة الجديدة، بدأت ملامح مرحلة مختلفة بالتشكل، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الاحتياجات الإنسانية للسكان.
ومع الإعلان عن استقرار نسبي، بدأت عودة تدريجية للسكان، إلا أن هذه العودة اتسمت بالحذر . فالكثير من الأهالي عبّروا عن مخاوف تتعلق بعودة الخدمات، والوضع الاقتصادي المتدهور أصلاً. ويشير سكان إلى أن الأضرار طالت أبنية ومركبات وبنى خدمية، ما يزيد من أعباء الحياة اليومية. وعادت الخمسينية أم فيصل إلى منزلها في حي الأشرفية بمدينة حلب، بتاريخ 16 من الشهر الحالي، بعد أسبوع قضته في مركز الإيواء داخل مسجد في حي صلاح الدين بالمدينة.
وتشير أم فيصل إلى أن الأيام الماضية كانت مليئة بالخوف بسبب أصوات الاشتباكات وقلقها على منزلها وذكرياتها، مضيفة أن مشهد الجنود السوريين وهم ينشرون نقاط التفتيش ويؤمنون الشوارع جلب نوعاً من الارتياح. ورغم الدمار الواضح في النوافذ والأسقف والسيارات، فإن "عمل الفرق الهندسية في نزع المتفجرات وتنظيف الشوارع منحنا الأمل"، على حد تعبيرها.
وتبين أم فيصل أنها مريضة بالضغط والسكري والروماتيزم، ولا تتمكن من شراء الأدوية بسبب الغلاء وإغلاق الصيدليات، مؤكدة أن النزوح زاد حالتها الصحية سوءاً، وتحمد الله أنها تمكنت من العودة إلى منزلها، وأن الأمر لم يطل أكثر من ذلك .
أم فيصل تقول إن النزوح زادت حالتها الصحية سوءًا، وتحمد الله أن الاشتباكات لم تطل كثيرًاصورة من: Sonia Al-Ali/DWمن جهته أكد وليد الحسين (42 عاماً)، وهو أحد سكان حي الشيخ مقصود، أن عشرات آلاف المدنيين الذين يقطنون حيي الشيخ مقصود والأشرفية، معظمهم من ذوي الدخل المحدود، وقد عانى السكان خلال السنوات الماضية من ضعف الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والتعليم، إضافة إلى القيود على الحركة والتنقل.
ويشير الحسين إلى أنه نزح مع أسرته المكونة من 6 أفراد، قاصداً مدينة عفرين بريف حلب ، واصطحب ولده الذي تعرض لكسور في يده أثناء عملية الإجلاء والنزوح، وعن ذلك يقول: "توقفت الخدمات كليًا داخل الحي، ومع تصاعد القصف بات التفكير ذاته عبئًا ثقيلاً. كان أطفالي في حالة بكاء مستمر، خلافًا لما يروّج له البعض عن عدم إدراك الأطفال لما يجري؛ فقد فقدوا شهيتهم للطعام وظهرت عليهم آثار الخوف بوضوح"، ويتابع: "بعد سقوط عدد كبير من القذائف على الحي، اتخذت قرار المغادرة، وسط شعور قاسٍ بانهيار معنى الحياة مع التحول إلى حالة تهجير قسري".
ويأمل الحسين كغيره من الأهالي أن تفضي سيطرة القوات الحكومية إلى تحسن ملموس في الواقع المعيشي، وإعادة دمج الحيين في النسيج الإداري والخدمي لمدينة حلب.
ورغم الهدوء النسبي، عبّر الحسين عن مخاوف تتعلق بمصير الممتلكات الخاصة، وآلية التعامل مع المطلوبين، إضافة إلى مستقبل المؤسسات التعليمية والخدمية داخل الحيين، وعن ذلك يقول: "لسنا متفائلين تماماً، ولسنا خائفين كما قبل… نحن فقط ننتظر".
جانب من الدمار الذي لحق بحي الشيخ مقصودصورة من: Sonia Al-Ali/DWيعتبر محللون أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية يعكس تحوّلاً في الترتيبات الميدانية؛ فانسحاب "قسد" من الحيين أنهى وضعاً خاصاً استمر سنوات، إلا أن نتائج هذا التحول ستظل مرهونة بطريقة إدارة المرحلة التالية، وبمدى مراعاة حساسية التركيبة السكانية والظروف المعيشية الصعبة.
ويؤكد الناشط والمحلل السياسي عبد الرحمن العمر أن مدينة حلب شهدت تطورات ميدانية لافتة تمثلت بفرض السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، في خطوة أنهت مرحلة طويلة من التعقيد الأمني والإداري في هاتين المنطقتين، اللتين ظلتا خارج السيطرة المباشرة للسلطات المحلية خلال سنوات الحرب. وأوضح أن السيطرة جاءت عقب تحركات عسكرية وأمنية أدت إلى انسحاب "قسد" المسيطرة سابقاً، دون تسجيل معارك واسعة داخل الأحياء السكنية، وسط حالة من الترقب والحذر بين السكان المدنيين.
ويرى العمر أن نجاح المرحلة المقبلة سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة الجهات المسيطرة على طمأنة المدنيين، وضمان عدم حدوث انتهاكات، وتقديم نموذج إدارة يخفف من آثار سنوات العزلة والحرب .
ويشير العمر إلى أن السيطرة على تلك المناطق تمثل تحولاً مهماً في المشهد السياسي، إلا أن تداعياتها الفعلية ستتضح خلال الأسابيع المقبلة، في ضوء السياسات المتبعة على الأرض، ومدى انعكاسها على حياة السكان اليومية، بين وعود الاستقرار ومخاوف ما بعد السيطرة.
رافقت الأحداث العسكرية تحركات إغاثية محلية، شملت فتح مراكز إيواء، وتوزيع مساعدات غذائية وطبية، وتنظيم عمليات عودة للنازحين. كما أعلنت جهات إدارية ومنظمات محلية عن جاهزيتها للتعامل مع الحالات الطارئة، في وقت لا تزال فيه الموارد محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، فيما تحولت التطورات إلى اختبار حقيقي للنسيج الاجتماعي، قابلته تحركات إغاثية سريعة قادها الأهالي بدعم من الجمعيات الأهلية.
وبحسب المكتب الإعلامي لإدارة منطقة عفرين فقد ترافقت الأعمال العسكرية التي شهدتها حلب مع موجات نزوح واسعة بين المدنيين من مختلف أحياء المدينة، لذا استجابت الإدارة للاشتباكات من خلال تأمين 20 ألف عائلة، إذ قامت بتوزيع 8000 عائلة على القرى بريف عفرين، و5000 عائلة ضمن المدينة، وقامت بافتتاح 3 مراكز إيواء، منها مخيم يد العون الذي يحوي 400 شقة سكنية بناحية شران، ومركز للشؤون الاجتماعية وغيرها.
أما فرق الدفاع المدني فقد قامت بنقل وتوزيع المواد الأساسية ومرافقة قوافل إعادة النازحين، وكانت في حالة "جاهزية كاملة" للتعامل مع حالات الطوارئ، وعلى استعداد للاستجابة الإنسانية في جميع أحياء ومدن وقرى محافظة حلب، بحسب تصريحاتها.
يأمل سكان حي الأشرفية أن تتحسن الخدمات بعد انتهاء الاشتباكات وسيطرة القوات الحكومية عليهصورة من: Sonia Al-Ali/DWواضطر آلاف المدنيين إلى مغادرة منازلهم خلال ساعات المواجهات، متجهين إلى أحياء أخرى داخل المدينة أو إلى مناطق ريفية قريبة. بعضهم لجأ إلى مراكز إيواء مؤقتة، فيما استضافت عائلات حلبيّة نازحين داخل منازلها، في مشهد أعاد إلى الواجهة شبكات التكافل الاجتماعي التي برزت خلال سنوات الحرب.
رابعة السيد (51 عاماً) من حي الشعار بمدينة حلب، استقبلت في منزلها عائلة نازحة من حي الشيخ مقصود خلال فترة الاشتباكات، وعن سبب ذلك تقول: "النزوح صعب والبرد أقسى من أن يتحمله الأطفال، الأمر الذي دفعني لاستقبال عائلة نازحة مكونة من 8 أفراد، خرجوا على عجل، وعاشوا لحظات عصيبة من الخوف".
وتصف السيدة مشهداً لا يفارق ذاكرتها: "كانوا يقفون في حيرة، حقائب صغيرة على ظهورهم، يشدّون على أيدي أطفالهم بقوة، بحثاً عن مكان يبعدهم عن الموت. لم يتمكنوا من حمل أي شيء معهم سوى أطفالهم". وتضيف: "لا يعرف قسوة النزوح إلا من عاشه، لقد اكتفينا من الحرب والتهجير، هناك عدد هائل من الأطفال الأيتام، والنساء الأرامل، وعائلات بأكملها اختفت. بيوتنا دُمّرت، وعشنا كل أشكال الأزمات والأمراض النفسية خلال سنوات الحرب. أتمنى أن تنتهي الحرب هنا".
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أسفرت الاشتباكات بين قوات الأمن الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية منذ 6 كانون الثاني/يناير 2026 عن مقتل 23 شخصاً، ولا يزال 119 ألف مدنياً في حالة نزوح، في حين عاد حوالي 29 ألف شخصاً إلى منازلهم .
واعتباراً من 12 كانون الثاني/يناير استقر الوضع الأمني داخل الحيين إلى حد كبير، رغم استمرار ورود تقارير عن نشاط متقطع للطائرات المسيرة داخل مدينة حلب وفي محيطها .
وﻓﻲ 12 ﻛﺎﻧون الثاني/يناير، أصدرت إدارة منطقة عفرين التابعة للحكومة السورية تعميماً أعلنت فيه إطلاق قافلة عودة إلى حي الأشرفية، ورافقت القافلة فرق من إدارة منطقة عفرين ومحافظة حلب، ومنظمات المجتمع المدني لتسهيل ومتابعة حركات العودة .
طوال السنوات الماضية، عانى حيا الشيخ مقصود والأشرفية من عزلة وضعف في الخدمات الأساسية، أبرزها الكهرباء والمياه والتعليم، إضافة إلى صعوبات في الحركة والتنقل. ومع انتقال السيطرة، يترقب الأهالي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً فعلياً في الواقع الخدمي، أم أن الأحياء ستبقى عالقة في مرحلة انتقالية طويلة.
تحرير: محيي الدين حسين
المصدر:
DW