في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
باريس- منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، تعاقب على منصب الأمين العام 9 رجال، من دون أن تصل أي امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي في المنظمة الدولية الأهم في العالم، رغم أن المساواة بين الجنسين تعد من القيم المعلنة في ميثاقها وأحد أبرز المحاور في برامجها ومبادراتها الأممية.
وفي عام 2016، بدا أن هذه القاعدة على وشك أن تكسر بعدما شهد السباق على المنصب ترشح 13 شخصية، من بينهم 7 نساء، في عملية وصفت آنذاك بأنها الأكثر شفافية في تاريخ اختيار الأمناء العامين.
وكانت سوزانا مالكورا، وزيرة الخارجية الأرجنتينية السابقة ورئيسة ديوان الأمين العام الأسبق بان كي مون، من بين المرشحات البارزات في سباق 2016.
وتحدثت مالكورا للجزيرة نت عن تجربتها في السباق الانتخابي، وعن الأسباب غير المعلنة التي ما زالت تحول دول وصول امرأة إلى رأس الهرم الأممي.
ومع اقتراب نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش هذا العام، يعود الجدل حول هوية الأمين العام المقبل، وسط دعوات متزايدة داخل المجتمع المدني الدولي لكسر ما يُعرف بـ"السقف الزجاجي" في أعلى منصب أممي، في وقت تشهد فيه المنظمة أزمة ثقة ودورا متراجعا في عدد من الملفات والنزاعات الدولية الكبرى.
ووصفت مالكورا أجواء سباق عام 2016 بـ"اللحظة الاستثنائية" في تاريخ الأمم المتحدة -ليس فقط بسبب عدد النساء المرشحات- بل بسبب السياق السياسي العالمي حينها.
وقالت وزيرة الخارجية الأرجنتينية السابقة "كان هناك شعور عالمي بأن هذه هي لحظة النساء، كنا 7 نساء من أصل 13 مرشحا، وكلنا مؤهلات بدرجة عالية، لذا، كانت خيبة الأمل حقيقية".
وأوضحت مالكورا أن تلك المرحلة جاءت في سياق دولي إيجابي نسبيا "كان ذلك بعد توقيع اتفاق باريس للمناخ وبعد اعتماد أجندة 2030 بالإجماع من 193 دولة، وكان هناك شعور بالأمل بأن العالم يسير في اتجاه أفضل".
لكن هذه التوقعات لم تنعكس على النتيجة النهائية -بحسب مالكورا- إذ انتهى السباق بانتخاب أنطونيو غوتيريش ليصبح تاسع رجل يتولى المنصب منذ تأسيس المنظمة.
وبذلك، ترى المتحدثة نفسها أن الإحباط لم يكن شخصيا، بل مؤسسيا، ومرتبطا بإحساس عام بأن لحظة تاريخية أهدِرت وأن التغيير الذي كان ممكنا لم يتحقق رغم توفر كل الظروف المؤاتية، على المستوى السياسي أو الرمزي.
وبالرغم أن الأمم المتحدة تؤكد رسميا أن عملية اختيار الأمين العام تقوم على الجدارة فقط، تشكك مالكورا في عدالة تطبيق هذه المعايير على النساء.
وقالت "إذا عدنا إلى السير الذاتية للمرشحات السبع، فمن الصعب جدا تصديق أنه لم تكن هناك واحدة مؤهلة، لقد كان الأمر غير منطقي على الإطلاق".
وأضافت "كنا نملك كل ما يمكن أن يطلب من المرشحين، بما في ذلك الخبرة الأممية والتجربة البرلمانية، فكل المعايير التي قيل إنها السبب في اختيار الأمين العام الحالي كانت متوفرة لدينا".
لكن سوزانا تشير إلى وجود معايير أخرى قد تكون غير معلنة وتستخدم ضد النساء "أحيانا يقال عن امرأة إنها ناعمة أو قوية أكثر من اللازم، أو حتى مستبدة، في حين لا تستخدم أي من هذه التوصيفات مع الرجال".
يعرف هذا التفاوت بالتحيز البنيوي حيث يتم تقييم النساء وفق تصورات نمطية عن القيادة، في حين يمنح الرجال هامشا أوسع في تفسير سلوكهم السياسي والإداري، وفق خبراء في دراسات النوع الاجتماعي.
وفي حالة الأمم المتحدة، يزداد الأمر تعقيدا بسبب أن القرار النهائي لا يعود للجمعية العامة، بل ل مجلس الأمن، حيث تملك الدول الخمس الدائمة العضوية حق " الفيتو"، ما قد يجعل من الاعتبارات الجيوسياسية العامل الحاسم في اختيار الأمين العام الجديد.
وتشغل سوزانا مالكورا منصب الرئيسة والمؤسسة المشاركة لمنظمة "أصوات من أجل التغيير والشمول" التابعة لشبكة "جي دبليو إل"، وهي شبكة عالمية تضم أكثر من 80 قائدة بارزة، من بينهن وزيرات ورئيسات حكومات سابقات، إضافة إلى مسؤولات رفيعات المستوى شغلن أو لا يزلن يشغلن مناصب قيادية في منظمات دولية.
وتسعى المنظمة من خلال الشخصيات العريقة التي يمثلنها إلى تسليط الضوء على نوع القيادة التي تحتاجها الأمم المتحدة حاليا، وإمكانية تولي امرأة لهذا المنصب لأول مرة في التاريخ.
من جهة أخرى، ترفض مالكورا الأفكار الجاهزة التي تعتبر أن انتخاب امرأة أمينة عامة سيحل تلقائيا أزمات العالم، لكنها ترى في الوقت ذاته أن النساء يقدمن أنماط قيادة مختلفة ومطلوبة في المرحلة الراهنة.
وأكدت وزيرة الخارجية الأرجنتينية السابقة "لا أحد -رجلا كان أو امرأة- يملك عصا سحرية، من يقود الأمم المتحدة يحتاج دائما إلى فريق قوي وأسلوب عمل مختلف".
وتعتقد المتحدثة أن النساء عادة ما يكن الأكثر حرصا في إدارة الموارد، وهذا مهم في وقت تعاني فيه الأمم المتحدة من أزمة مالية -بحسب حديثها- وأضافت أن النساء غالبا ما يمثلن الطرف الأفضل لبناء الجسور والدبلوماسية الهادئة.
كما ترى مالكورا أن هذه الصفات قد تجعل المرأة أقل تهديدا في بيئة دولية شديدة الحساسية، وأكثر قدرة على إعادة فتح قنوات التواصل في لحظة تتراجع فيها الثقة في المنظمات متعددة الأطراف.
وتكشف تجربة سوزانا مالكورا، عن فجوة جلية بين الخطاب الأممي الداعي إلى المساواة بين الجنسين والواقع العملي لآليات صنع القرار داخل المنظمة، وذلك على الرغم من توفر الكفاءة والخبرة لدى العديد من المرشحات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة